فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية

الشوكاني - محمد بن علي بن محمد الشوكاني

صفحة جزء
هو معطوف على يؤمنون والإقامة في الأصل : الدوام [ ص: 27 ] والثبات .

يقال : قام الشيء : أي دام وثبت .

وليس من القيام على الرجل ، وإنما هو من قولك قام الحق : أي ظهر وثبت ، قال الشاعر :

وقامت الحرب بنا على ساق

وقال آخر :

وإذا يقال أقيموا لم تبرحوا     حتى تقيم الخيل سوق طعان

وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها .

والصلاة أصلها في اللغة : الدعاء من صلى يصلي إذا دعا .

وقد ذكر هذا الجوهري وغيره .

وقال قوم : هي مأخوذة من الصلا ، وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب .

ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل ؛ لأنه يأتي في الحلبة ورأسه عند صلوي السابق ، فاشتقت منه الصلاة لأنها ثانية للإيمان فشبهت بالمصلي من الخيل .

وإما لأن الراكع يثني صلويه ، والصلا مغرز الذنب من الفرس والاثنان صلوان ، والمصلي تالي السابق لأن رأسه عند صلوه .

ذكر هذا القرطبي في تفسيره .

وقد ذكر المعنى الثاني في الكشاف ، هذا المعنى اللغوي .

وأما المعنى الشرعي فهو هذه الصلاة التي هي ذات الأركان والأذكار .

وقد اختلف أهل العلم هل هي مبقاة على أصلها اللغوي أو موضوعة وضعا شرعيا ابتدائيا .

فقيل : بالأول ، وإنما جاء الشرع بزيادات هي الشروط والفروض الثابتة فيها .

وقال قوم : بالثاني .

والرزق عند الجمهور ما صلح للانتفاع به حلالا كان أو حراما خلافا للمعتزلة .

فقالوا : إن الحرام ليس برزق ، وللبحث في هذه المسألة موضع غير هذا .

والإنفاق : إخراج المال من اليد ، وفي المجيء بمن التبعيضية هاهنا نكتة سرية هي الإرشاد إلى ترك الإسراف .

وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس في قوله : يقيمون الصلاة قال : الصلوات الخمس ومما رزقناهم ينفقون قال : زكاة أموالهم .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أن إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها ومما رزقناهم ينفقون قال : أنفقوا في فرائض الله التي افترض عليهم في طاعته وسبيله .

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير نحوه .

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله : ومما رزقناهم ينفقون قال : هي نفقة الرجل على أهله .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله عز وجل على قدر ميسورهم وجهدهم حتى نزلت فرائض الصدقات في سورة براءة هن الناسخات المبينات .

واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات ، وهو الحق من غير فرق بين النفقة على الأقارب وغيرهم وصدقة الفرض والنفل ، وعدم التصريح بنوع من الأنواع التي يصدق عليها مسمى الإنفاق يشعر أتم إشعار بالتعميم .

التالي السابق


الخدمات العلمية