فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية

الشوكاني - محمد بن علي بن محمد الشوكاني

صفحة جزء
[ ص: 266 ] هي مدنية كلها . قال القرطبي : إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي ، وهي قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها [ النساء : 58 ] على ما سيأتي إن شاء الله ، قال النقاش : وقيل : نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة ، وعلى ما تقدم عن بعض أهل العلم أن قوله تعالى : يا أيها الناس حيثما وقع فإنه مكي يلزم أن يكون هذه السورة مكيا ، وبه قال علقمة وغيره .

وقال النحاس : هذه الآية مكية . قال القرطبي : والصحيح الأول ، فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت : ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . يعني قد بنى بها . ولا خلاف بين العماء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة ، ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها .

قال : وأما من قال : يا أيها الناس مكي حيث وقع فليس بصحيح ، فإن البقرة مدنية وفيها يا أيها الناس في موضعين . وقد أخرج ابن الضريس في فضائله والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : نزلت سورة النساء بالمدينة ، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف ، وكذا أخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت ، وأخرجه ابن المنذر عن قتادة .

وقد ورد في فضل هذه السورة ما أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود قال : إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها إن الله لا يظلم مثقال ذرة الآية [ النساء : 40 ] ، إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه الآية [ النساء : 31 ] ، إن الله لا يغفر أن يشرك به [ النساء : 48 ] الآية ، ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية [ النساء : 64 ] . ثم قال : هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه ، وقد اختلف في ذلك .

وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن ابن مسعود قال : خمس آيات من النساء هن أحب إلي من الدنيا جميعا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه الآية [ النساء : 35 ] وإن تك حسنة يضاعفها الآية [ النساء : 30 ] إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية [ النساء : 48 ] ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه الآية [ النساء : 110 ] والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم الآية [ النساء : 152 ] . ورواه ابن جرير .

ثم روي من طريق صالح المري عن قتادة عن ابن عباس قال : ثمان آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت ، وذكر ما ذكره ابن مسعود ، وزاد يريد الله ليبين لكم الآية [ النساء : 26 ] والله يريد أن يتوب عليكم الآية [ النساء : 27 ] يريد الله أن يخفف عنكم الآية [ النساء : 28 ] . وأخرج أحمد وابن الضريس ومحمد بن نصر والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من أخذ السبع فهو حبر .

وأخرج البيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أعطيت مكان التوراة السبع الطوال والمئين : كل سورة بلغت مائة فصاعدا ، والمثاني : كل سورة دون المئين وفوق المفصل . وأخرج أبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أنس قال : وجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة شيئا فلما أصبح قيل : يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبين ، قال : أما إني على ما ترون بحمد الله قد قرأت السبع الطوال .

وأخرج أحمد عن حذيفة قال : قمت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ السبع الطوال في سبع ركعات . وأخرج عبد الرزاق عن بعض أهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بالسبع الطوال في ركعة واحدة .

وأخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قال : ( سلوني عن سورة النساء فإني قرأت القرآن وأنا صغير ) قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عنه قال : ( من قرأ سورة النساء فعلم ما يحجب مما لا يحجب علم الفرائض ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية