1. الرئيسية
  2. فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية
  3. تفسير سورة الأحزاب
  4. تفسير قوله تعالى " يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية

الشوكاني - محمد بن علي بن محمد الشوكاني

صفحة جزء
يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ( 28 ) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ( 29 ) يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ( 30 ) ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما ( 31 ) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا ( 32 ) وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ( 33 ) واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ( 34 )

قوله : ياأيها النبي قل لأزواجك قيل : هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدمها من المنع من إيذاء النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، وكان قد تأذى ببعض الزوجات .

قال الواحدي : قال المفسرون : إن أزواج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - سألنه شيئا من عرض الدنيا وطلبن منه الزيادة في النفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض ، فآلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - منهن شهرا ، وأنزل الله آية التخيير هذه ، وكن يومئذ تسعا : عائشة و حفصة وأم سلمة وأم حبيبة و سودة هؤلاء من نساء قريش وصفية الخيبرية وميمونة الهلالية ، وزينب بنت جحش الأسدية ، وجويرية بنت الحارث المصطلقية .

ومعنى الحياة الدنيا وزينتها سعتها ونضارتها ورفاهيتها والتنعم فيها فتعالين أي : أقبلن إلي أمتعكن بالجزم جوابا للأمر أي : أعطكن المتعة " و " كذا أسرحكن بالجزم أي : أطلقكن وبالجزم في الفعلين قرأ الجمهور ، وقرأ حميد الخراز بالرفع في الفعلين على الاستئناف ، والمراد بالسراح الجميل : هو الواقع من غير ضرار على مقتضى السنة .

وقيل : إن جزم الفعلين على أنهما جواب الشرط ، وعلى هذا يكون قوله فتعالين اعتراضا بين الشرط والجزاء .

وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة [ ص: 1166 ] أي : الجنة ونعيمها فإن الله أعد للمحسنات منكن أي : اللائي عملن عملا صالحا أجرا عظيما لا يمكن وصفه ، ولا يقادر قدره وذلك بسبب إحسانهن ، وبمقابلة صالح عملهن .

وقد اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أزواجه على قولين : القول الأول أنه خيرهن بإذن الله في البقاء على الزوجية أو الطلاق فاخترن البقاء ، وبهذا قالت عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبي والزهري وربيعة .

والقول الثاني أنه إنما خيرهن بين الدنيا فيفارقهن ، وبين الآخرة فيمسكهن ولم يخيرهن في الطلاق ، وبهذا قال علي ، والحسن ، وقتادة ، والراجح الأول .

واختلفوا أيضا في المخيرة إذا اختارت زوجها هل يحسب مجرد ذلك التخيير على الزوج طلقة أم لا ؟ فذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أنه لا يكون مع اختيار المرأة لزوجها طلاقا لا واحدة ولا أكثر .

وقال علي وزيد بن ثابت : إن اختارت زوجها فواحدة بائنة ، وبه قال الحسن والليث : وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك .

والراجح الأول لحديث عائشة الثابت في الصحيحين " قالت : خيرنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فاخترناه فلم يعده طلاقا " ولا وجه لجعل مجرد التخيير طلاقا ، ودعوى أنه كناية من كنايات الطلاق مدفوعة بأن المخير لم يرد الفرقة لمجرد التخيير ، بل أراد تفويض المرأة وجعل أمرها بيدها ، فإن اختارت البقاء بقيت على ما كانت عليه من الزوجية ، وإن اختارت الفرقة صارت مطلقة .

واختلفوا في اختيارها لنفسها هل يكون ذلك طلقة رجعية أو بائنة .

فقال بالأول عمر ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن أبي ليلى ، والثوري ، والشافعي ، وقال بالثاني علي وأبو حنيفة وأصحابه ، وروي عن مالك .

والراجح الأول ، لأنه يبعد كل البعد أن يطلق رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - نساءه على خلاف ما أمره الله به ، وقد أمره بقوله : إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [ الطلاق : 1 ] وروي عن زيد بن ثابت أنها إذا اختارت نفسها فثلاث طلقات ، وليس لهذا القول وجه .

وقد روي عن علي أنها إذا اختارت نفسها فليس بشيء ، وإذا اختارت زوجها فواحدة رجعية .

ثم لما اختار نساء رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - رسول الله أنزل فيهن هذه الآيات تكرمة لهن وتعظيما لحقهن ، فقال : يانساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة أي : ظاهرة القبح واضحة الفحش ، وقد عصمهن الله عن ذلك وبرأهن وطهرهن يضاعف لها العذاب ضعفين أي : يعذبهن مثلي عذاب غيرهن من النساء إذا أتين بمثل تلك الفاحشة ، وذلك لشرفهن وعلو درجتهن وارتفاع منزلتهن .

وقد ثبت في هذه الشريعة في غير موضع أن تضاعف الشرف وارتفاع الدرجات يوجب لصاحبه إذا عصى تضاعف العقوبات .

وقرأ أبو عمرو " يضعف " على البناء للمفعول ، وفرق هو وأبو عبيد بين يضاعف فقالا : يكون يضاعف ويضعف ، فقالا : يكون يضاعف ثلاثة عذابات ويضعف عذابين .

قال النحاس : هذه التفرقة التي جاء بها لا يعرفها أحد من أهل اللغة ، والمعنى في يضاعف ويضعف واحد أي : يجعل ضعفين وهكذا ضعف ما قالاه ابن جرير وكان ذلك على الله يسيرا لا يتعاظمه ولا يصعب عليه .

ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا قرأ الجمهور يقنت بالتحتية ، وكذا قرءوا : يأت منكن حملا على لفظ من في الموضعين ، وقرأ الجحدري ويعقوب ، وابن عامر في رواية وأبو جعفر بالفوقية حملا على المعنى ، ومعنى " من يقنت " من يطع ، وكذا اختلف القراء في مبينة ، فمنهم من قرأها بالكسر ومنهم من قرأها بفتح الياء كما تقدم في النساء .

وقرأ ابن كثير ، وابن عامر " نضعف " بالنون ونصب " العذاب " وقرئ " نضاعف " بكسر العين على البناء للفاعل نؤتها أجرها مرتين قرأ حمزة والكسائي بالتحتية ، وكذا قرأ " يعمل " بالتحتية ، وقرأ الباقون " تعمل " بالفوقية ، و " نؤت " بالنون ، ومعنى إتيانهن الأجر مرتين أنه يكون لهن من الأجر على الطاعة مثلا ما يستحقه غيرهن من النساء إذا فعلن تلك الطاعة .

وفي هذا دليل قوي على أن معنى يضاعف لها العذاب ضعفين أنه يكون العذاب مرتين لا ثلاثا ، لأن المراد إظهار شرفهن ومزيتهن في الطاعة والمعصية بكون حسنتهن كحسنتين ، وسيئتهن كسيئتين ، ولو كانت سيئتهن كثلاث سيئات لم يناسب ذلك كون حسنتهن كحسنتين ، فإن الله أعدل من أن يضاعف العقوبة عليهن مضاعفة تزيد على مضاعفة أجرهن وأعتدنا لها زيادة على الأجر مرتين رزقا كريما .

قال المفسرون : الرزق الكريم هو نعيم الجنة ، حكى ذلك عنهم النحاس .

ثم أظهر - سبحانه - فضيلتهن على سائر النساء تصريحا .

فقال : يانساء النبي لستن كأحد من النساء قال الزجاج : لم يقل كواحدة من النساء ، لأن أحدا نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة .

وقد يقال : على ما ليس بآدمي كما يقال : ليس فيها أحد لا شاة ولا بعير .

والمعنى : لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء في الفضل والشرف .

ثم قيد هذا الشرف العظيم بقيد فقال : إن اتقيتن فبين - سبحانه - أن هذه الفضيلة لهن إنما تكون بملازمتهن للتقوى ، لا لمجرد اتصالهن بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - .

وقد وقعت منهن ولله الحمد التقوى البينة ، والإيمان الخالص ، والمشي على طريقة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في حياته وبعد مماته .

وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه أي : إن اتقيتن فلستن كأحد من النساء .

وقيل : إن جوابه فلا تخضعن والأول أولى .

ومعنى فلا تخضعن بالقول لا تلن القول عند مخاطبة الناس كما تفعله المريبات من النساء ، فإنه يتسبب عن ذلك مفسدة عظيمة ، وهي قوله : فيطمع الذي في قلبه مرض أي : فجور وشك ونفاق ، وانتصاب يطمع لكونه جواب النهي . كذا قرأ الجمهور .

وحكى أبو حاتم أن الأعرج قرأ " فيطمع " بفتح الياء وكسر الميم .

قال النحاس : أحسب هذا غلطا ، ورويت هذه القراءة عن أبي السمأل ، وعيسى بن عمر ، وابن محيصن ، وروي عنهم أنهم قرءوا [ ص: 1167 ] بالجزم عطفا على محل فعل النهي وقلن قولا معروفا عند الناس بعيدا من الريبة على سنن الشرع ، لا ينكر منه سامعه شيئا ، ولا يطمع فيهن أهل الفسق والفجور بسببه .

وقرن في بيوتكن قرأ الجمهور " وقرن " بكسر القاف من وقر يقر وقارا أي : سكن ، والأمر منه قر بكسر القاف ، وللنساء قرن مثل عدن وزن .

وقال المبرد : هو من القرار ، لا من الوقار ، تقول قررت بالمكان بفتح الراء ، والأصل اقررن بكسر الراء ، فحذفت الراء الأولى تخفيفا كما قالوا في ظللت ظلت ، ونقلوا حركتها إلى القاف ، واستغني عن ألف الوصل بتحريك القاف .

وقال أبو علي الفارسي : أبدلت الراء الأولى ياء كراهة التضعيف كما أبدلت في قيراط ودينار ، وصار للياء حركة الحرف الذي أبدلت منه ، والتقدير اقيرن ، ثم تلقى حركة الياء على القاف كراهة تحريك الياء بالكسر فتسقط الياء لاجتماع الساكنين ، وتسقط همزة الوصل لتحريك ما بعدها فيصير قرن .

وقرأ نافع وعاصم بفتح القاف وأصله قررت بالمكان : إذا أقمت فيه بكسر الراء ، أقر بفتح القاف كحمد يحمد ، وهي لغة أهل الحجاز ، ذكر ذلك أبو عبيد عن الكسائي ، وذكرها الزجاج وغيره .

قال الفراء : هو كما تقول هل حست صاحبك أي : هل أحسسته ؟ قال أبو عبيد : كان أشياخنا من أهل العربية ينكرون القراءة بالفتح للقاف ، وذلك لأن قررت بالمكان أقر لا يجوزه كثير من أهل العربية .

والصحيح قررت أقر بالكسر ، ومعناه : الأمر لهن بالتوقر والسكون في بيوتهن وأن لا يخرجن ، وهذا يخالف ما ذكرناه هنا عنه عن الكسائي وهو من أجل مشايخه .

وقد وافقه على الإنكار لهذه القراءة أبو حاتم فقال : إن قرن بفتح القاف لا مذهب له في كلام العرب .

قال النحاس : قد خولف أبو حاتم في قوله إنه لا مذهب له في كلام العرب بل فيه مذهبان : أحدهما حكاه الكسائي ، والآخر عن علي بن سليمان فأما المذهب الذي حكاه الكسائي فهو ما قدمناه من رواية أبي عبيد عنه ، وأما المذهب الذي حكاه علي بن سليمان فقال : إنه من قررت به عينا أقر . والمعنى : واقررن به عينا في بيوتكن . قال النحاس : وهو وجه حسن .

وأقول : ليس بحسن ولا هو معنى الآية ، فإن المراد بها أمرهن بالسكون والاستقرار في بيوتهن ، وليس من قرة العين .

وقرأ ابن أبي عبلة " واقررن " بألف وصل وراءين ، الأولى مكسورة على الأصل ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى التبرج : أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره مما تستدعي به شهوة الرجل . وقد تقدم معنى التبرج في سورة النور .

قال المبرد : هو مأخوذ من السعة ، يقال : في أسنانه برج : إذا كانت متفرقة . وقيل : التبرج هو التبختر في المشي ، وهذا ضعيف جدا .

وقد اختلف في المراد بالجاهلية الأولى ، فقيل : ما بين آدم ونوح ، وقيل : ما بين نوح وإدريس ، وقيل : ما بين نوح وإبراهيم وقيل : ما بين موسى وعيسى ، وقيل : ما بين عيسى ومحمد .

وقال المبرد : الجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء .

قال : وكان نساء الجاهلية تظهر ما يقبح إظهاره ، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخليلها ، فينفرد خليلها بما فوق الإزار إلى أعلى ، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى أسفل ، وربما سأل أحدهما صاحبه البدل .

قال ابن عطية : والذي يظهر لي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها ، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة ؛ لأنهم كانوا لا غيرة عندهم ، وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى كذا قال ، وهو قول حسن .

ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإسلام من التشبه بأهل الجاهلية بقول أو فعل ، فيكون المعنى : ولا تبرجن أيها المسلمات بعد إسلامكن تبرجا مثل تبرج الجاهلية التي كنتن عليها ، وكان عليها من قبلكن أي : لا تحدثن بأفعالكن وأقوالكن جاهلية تشابه الجاهلية التي كانت من قبل وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله خص الصلاة والزكاة لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية .

ثم عمم فأمرهن بالطاعة لله ولرسوله في كل ما هو شرع إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت أي : إنما أوصاكن الله بما أوصاكن من التقوى ، وأن لا تخضعن بالقول ، ومن قول المعروف ، والسكون في البيوت وعدم التبرج ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، والطاعة ; ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ، والمراد بالرجس الإثم والذنب المدنسان للأعراض الحاصلان بسبب ترك ما أمر الله به ، وفعل ما نهى عنه ، فيدخل تحت ذلك كل ما ليس فيه لله رضا ، وانتصاب أهل البيت على المدح كما قال الزجاج ، قال : وإن شئت على البدل . قال : ويجوز الرفع والخفض .

قال النحاس : إن خفض فعلى أنه بدل من الكاف والميم ، واعترضه المبرد بأنه لا يجوز البدل من المخاطب ، ويجوز أن يكون نصبه على النداء ويطهركم تطهيرا أي : يطهركم من الأرجاس والأدران تطهيرا كاملا .

وفي استعارة الرجس للمعصية والترشيح لها بالتطهير تنفير عنها بليغ ، وزجر لفاعلها شديد .

وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت المذكورين في الآية ، فقال ابن عباس وعكرمة وعطاء والكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير : إن أهل البيت المذكورين في الآية هن زوجات النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - خاصة .

قالوا : والمراد بالبيت بيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ومساكن زوجاته لقوله : واذكرن ما يتلى في بيوتكن .

وأيضا السياق في الزوجات من قوله : ياأيها النبي قل لأزواجك إلى قوله : واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا .

وقال أبو سعيد الخدري ومجاهد ، وقتادة ، وروي عن الكلبي أن أهل البيت المذكورين في الآية هم : علي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين خاصة ، ومن حججهم الخطاب في الآية بما يصلح للذكور لا للإناث ، وهو قوله : عنكم و ليطهركم ، ولو كان للنساء خاصة لقال عنكن ويطهركن .

وأجاب الأولون عن هذا أن التذكير باعتبار لفظ الأهل كما قال - سبحانه - : [ ص: 1168 ] أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت [ هود : 73 ] وكما يقول الرجل لصاحبه : كيف أهلك ؟ يريد زوجته أو زوجاته ، فيقول : هم بخير .

ولنذكر هاهنا ما تمسك به كل فريق : أما الأولون فتمسكوا بالسياق ، فإنه في الزوجات كما ذكرنا ، وبما أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت قال : نزلت في نساء النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - خاصة .

وقال عكرمة : من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - .

وأخرج نحوه ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة نحوه . وأخرج ابن سعد عن عروة نحوه .

وأما ما تمسك به الآخرون ، فأخرج الترمذي وصححه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي في سننه من طرق " عن أم سلمة قالت : في بيتي نزلت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت وفي البيت فاطمة وعلي ، والحسن والحسين ، فجللهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بكساء كان عليه ، ثم قال : هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني وابن مردويه " عن أم سلمة أيضا أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان في بيتها على منامه له عليه كساء خيبري ، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ادعي زوجك وابنيك حسنا وحسينا فدعتهم ، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا فأخذ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بفضلة كسائه فغشاهم إياها ، ثم أخرج يده من الكساء وألوى بها إلى السماء ، ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، قالها ثلاث مرات .

قالت أم سلمة : فأدخلت رأسي في الستر فقلت : يا رسول الله وأنا معكم ؟ فقال : إنك إلى خير مرتين
وأخرجه أيضا أحمد من حديثها ، قال : ، حدثنا عبد الله بن نمير ، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح ، حدثني من سمع أم سلمة تذكر أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فذكره .

وفي إسناده مجهول وهو شيخ عطاء ، وبقية رجاله ثقات .

وقد أخرجه الطبراني عنها من طريقين بنحوه .

وقد ذكر ابن كثير في تفسيره لحديث أم سلمة طرقا كثيرة في مسند أحمد وغيره .

وأخرج ابن مردويه والخطيب من حديث أبي سعيد الخدري نحوه .

وأخرج الترمذي ، وابن جرير ، وابن مردويه ، والطبراني ، وابن مردويه عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : لما نزلت هذه الآية على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت وذكر نحو حديث أم سلمة .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ، ومسلم ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والحاكم عن عائشة قالت : خرج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود ، فجاءه الحسن ، والحسين فأدخلهما معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه ، ثم جاء علي فأدخله معه ، ثم قال : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، وابن جرير وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني والحاكم وصححه ، والبيهقي في سننه عن واثلة بن الأسقع قال جاء رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى فاطمة ومعه علي ، وحسن وحسين حتى دخل ، فأدنى عليا وفاطمة وأجلسهما بين يديه ، وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه ، ثم لف عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم ثم تلا هذه الآية إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، قلت : يا رسول الله وأنا من أهلك ؟ قال : وأنت من أهلي .

قال واثلة : إنه لأرجا ما أرجوه . وله طرق في مسند أحمد .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ، والترمذي وحسنه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول : الصلاة يا أهل البيت الصلاة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا .

وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : أذكركم الله في أهل بيتي فقيل : لزيد : ومن أهل بيته ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده : آل علي وآل عقيل : وآل جعفر ، وآل العباس .

وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : إن الله قسم الخلق قسمين ، فجعلني في خيرهما قسما ، فذلك قوله : وأصحاب اليمين [ الواقعة : 7 ] وأصحاب الشمال [ الواقعة : 41 ] فأنا من أصحاب اليمين ، وأنا خير أصحاب اليمين . ثم جعل القسمين أثلاثا ، فجعلني في خيرها ثلاثا ، فذلك قوله : فأصحاب الميمنة [ الواقعة : 8 ] وأصحاب المشأمة [ الواقعة : 9 ] والسابقون السابقون [ الواقعة : 10 ] فأنا من السابقين ، وأنا خير السابقين . ثم جعل الأثلاث قبائل ، فجعلني في خيرها قبيلة ، وذلك قوله : وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ الحجرات : 13 ] وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر . ثم جعل القبائل بيوتا ، فجعلني في خيرها بيتا ، فذلك قوله : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا فأنا ، وأهل بيتي مطهرون من الذنوب .

وأخرج ابن جرير ، وابن مردويه عن أبي الحمراء قال : رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة فقال : الصلاة الصلاة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا .

وفي إسناده أبو داود الأعمى ، وهو وضاع كذاب .

وفي الباب أحاديث وآثار ، وقد ذكرنا هاهنا ما يصلح للتمسك به دون ما يصلح .

وقد توسطت طائفة ثالثة بين الطائفتين ، فجعلت هذه الآية [ ص: 1169 ] شاملة للزوجات ولعلي وفاطمة ، والحسن والحسين ، أما الزوجات فلكونهن المرادات في سياق هذه الآيات كما قدمنا ، ولكونهن الساكنات في بيوته - صلى الله عليه وآله وسلم - النازلات في منازله ، ويعضد ذلك ما تقدم عن ابن عباس وغيره .

وأما دخول علي وفاطمة ، والحسن والحسين فلكونهم قرابته وأهل بيته في النسب ، ويؤيد ذلك ما ذكرناه من الأحاديث المصرحة بأنهم سبب النزول ، فمن جعل الآية خاصة بأحد الفريقين فقد أعمل بعض ما يجب إعماله وأهمل ما لا يجوز إهماله .

وقد رجح هذا القول جماعة من المحققين منهم القرطبي وابن كثير وغيرهما .

وقال جماعة : هم بنو هاشم ، واستدلوا بما تقدم من حديث ابن عباس وبقول زيد بن أرقم المتقدم حيث قال : ولكن آله من حرم الصدقة بعده : آل علي ، وآل عقيل : ، وآل جعفر ، وآل العباس ، فهؤلاء ذهبوا إلى أن المراد بالبيت بيت النسب .

قوله : واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة أي : اذكرن موضع النعمة إذ صيركن الله في بيوت يتلى فيها آيات الله والحكمة اذكرنها وتفكرن فيها لتتعظن بمواعظ الله ، أو اذكرنها للناس ليتعظوا بها ويهتدوا بهداها ، أو اذكرنها بالتلاوة لها لتحفظنها ولا تتركن الاستكثار من التلاوة .

قال القرطبي : قال أهل التأويل وآيات الله هي القرآن ، والحكمة السنة .

وقال مقاتل المراد بالآيات والحكمة أمره ونهيه في القرآن .

وقيل : إن القرآن جامع بين كونه آيات بينات دالة على التوحيد وصدق النبوة وبين كونه حكمة مشتملة على فنون من العلوم والشرائع إن الله كان لطيفا خبيرا أي : لطيفا بأوليائه خبيرا بجميع خلقه وجميع ما يصدر منهم من خير وشر وطاعة ومعصية ، فهو يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته .

وقد أخرج أحمد ، ومسلم ، والنسائي وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر قال أقبل أبو بكر يستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - والناس ببابه جلوس والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - جالس فلم يؤذن له ، ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له ، ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - جالس وحوله نساؤه وهو ساكت ، فقال عمر : لأكلمن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لعله يضحك ، فقال عمر : يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألت النفقة آنفا فوجأت في عنقها ، فضحك النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حتى بدت نواجذه وقال : هن حولي يسألنني النفقة ، فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها ، وقام عمر إلى حفصة ، كلاهما يقولان : تسألان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ما ليس عنده ، فنهاهما رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فقلن نساؤه : والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده ، وأنزل الله الخيار ، فنادى بعائشة فقال : إني ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ، قالت : ما هو ؟ فتلا عليها ياأيها النبي قل لأزواجك الآية ، قالت عائشة : أفيك أستأمر أبوي ، بل أختار الله رسوله ، وأسألك أن لا تذكر لنسائك ما اخترت ، فقال : إن الله لن يبعثني متعنتا ولكن بعثني معلما مبشرا ، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها .

وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه قالت : فبدأ بي فقال : إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك ، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه ، فقال : إن الله قال : ياأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا إلى تمام الآية ، فقلت له : ففي أي هذا أستأمر أبوي ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ، وفعل أزواج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مثل ما فعلت .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا قال يقول : من يطع الله منكن وتعمل منكن لله ورسوله بطاعته .

وأخرج ابن المنذر عنه في قوله : فلا تخضعن بالقول قال : يقول لا ترخصن بالقول ولا تخضعن بالكلام .

وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في قوله : فلا تخضعن بالقول قال : مقارنة الرجال في القول حتى يطمع الذي في قلبه مرض .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، عن محمد بن سيرين قال : نبئت أنه قيل : لسودة زوج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : ما لك لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك ؟ فقالت : قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقر في بيتي ، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت ، قال : فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت بجنازتها .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد ، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ، وابن المنذر ، عن مسروق قال : كانت عائشة إذا قرأت وقرن في بيوتكن بكت حتى تبل خمارها .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب قال : كانت الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب سأله فقال : أرأيت قول الله لأزواج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى هل كانت جاهلية غير واحدة ، فقال ابن عباس : ما سمعت بأولى إلا ولها آخرة ، فقال له عمر : فأتني من كتاب الله ما يصدق ذلك ، فقال : إن الله يقول : وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم [ الحج : 78 ] أول مرة فقال عمر : من أمرنا أن نجاهد ؟ قال : مخزوم وعبد شمس .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضا في الآية قال : تكون جاهلية أخرى . وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة : أنها تلت هذه الآية فقالت : الجاهلية الأولى كانت على عهد إبراهيم . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : الجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد .

وقد قدمنا ذكر الآثار الواردة في سبب نزول قوله : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت .

وأخرج ، عبد الرزاق ، وابن سعد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة قال : القرآن والسنة يمتن بذلك عليهن .

وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة عن سهل في قوله : واذكرن ما يتلى في بيوتكن الآية قال : كان رسول الله [ ص: 1170 ] - صلى الله عليه وآله وسلم - يصلي في بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار .

التالي السابق


الخدمات العلمية