صفحة جزء
فصل

ينقسم الناقص بانقسام ما مر من التعلق اللفظي بين طرفيه ، فكلما كان التعلق أشد وأكثر كان الوقف أنقص ، وكلما كان أضعف وأوهى كان الوقف أقرب إلى التمام ، والتوسط يوجب التوسط .

فمن وكيد التعلق ما يكون بين توابع الاسمية والفعلية وبين متبوعاتها ; إذا لم يمكن أن يتمحل لها في إعرابها وجه غير الإتباع ، ومن ثم ضعف الوقف على منتصرين من قوله تعالى : وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين وقوم نوح ( الذاريات : 43 - 46 ) فيمن جر غاية الضعف .

وضعف على أثيم من قوله تعالى : ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم ( ن : 10 - 13 ) .

[ ص: 519 ] وضعف على ( به ) من قوله تعالى : سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ( النساء : 123 ) .

وضعف على ( أبدا ) من قوله : ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ( الكهف : 3 و 4 ) .

على أن هذه الطبقة من التعلق قد تنقسم أقساما ; فإنه ليس بين البدل والمبدل منه من التعلق ما بين الصفة والموصوف على ما ذكرناه .

وأوهى من هذا التعلق ما يكون بين الفعل وبين ما ينتصب عنه من الزوائد التي لا يخل حذفها بالكلام كبير إخلال ، كالظرف والتمييز والاستثناء المنقطع ; ولذلك كان الوقف على نحو : عجبا من قوله : أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية إلى الكهف ( الكهف : 9 و 10 ) أو هي من الوقوف المذكورة .

فإن وسطت بين التعلق بالمذكور من المتعلق الذي للمفعول أو الحال المخصصة ، أو الاستثناء الذي يتغير بسقوطه المعنى وانتصب ، كان لك في الوقف على نحو : مسغبة من قوله تعالى : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة ( البلد : 14 و 15 ) ، وعلى نحو : قليلا من قوله تعالى : يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين ( النساء : 142 و 143 ) ، وعلى نحو : مصيرا من قوله : مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين ( النساء : 97 و 98 ) ، وعلى نحو ( واحدة ) ، و ( زوجها ) من قوله تعالى : ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ( النساء : 1 ) ، وعلى نحو نذيرا من قوله تعالى : إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ( الأحزاب : 45 و 46 ) مرتبة بين المرتبتين المذكورتين .

فهذه ثلاث مراتب للوقف الناقص كما ترى ; بإزاء ثلاث طبقات من التعلق المذكور ، فإن قسمت طبقة من الطبقات انقسمت بإزائها مرتبة من المراتب ; فقد خرج لك بحسب هذه القسمة ، وهي القسمة الصناعية ستة أصناف من الوقف في الكلام : خمسة منها بحسب [ ص: 520 ] الكلام نفسه ، وهي الأتم ، والتام ، والذي يشبه التام ، والناقص المطلق ، والأنقص ، وواحد من جهة المتكلم أو القارئ ، وهو الذي بحسب انقطاع النفس كما سبق عن حمزة .

واعلم أن الوقف في الكلام قد يمكن أن يكون من غير انقطاع نفس ، وإن كان لا شيء من انقطاع النفس إلا ومعه الوقف ، والوقوف أمرها على سبيل الجواز إلا الذي بني عليه الكلام ، وما سواه فعليك منه أن تختار الأفضل فالأفضل ; بشرط أن تطابق به انقطاع نفسك ; لينجذب عند السكت إلى باطنك من الهواء ما تستعين به ثانيا على الكلام الذي تنشئه بإخراجه على الوجه المذكور .

ومما يدعو إلى الوقف في موضع الوقف الترتيل ; فإنه أعون شيء عليه ، وقد أمر الله تعالى به رسوله - صلى الله عليه وسلم - في قوله : ورتل القرآن ترتيلا ( المزمل : 4 ) .

ويدعو إليه اجتناب تكرير اللفظة الواحدة في القرآن تكريرا من غير فصل كما في قوله تعالى : فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق ( الطارق : 5 و 6 ) ، وقوله : لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ( التوبة : 108 ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية