صفحة جزء
[ ص: 251 ] تنبيه

ذكر ابن أبي الحديد : اعلم أن معرفة الفصيح والأفصح ، والرشيق والأرشق ، والجلي والأجلى ، والعلي والأعلى من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق ، ولا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه ، وهو بمنزلة جاريتين : إحداهما بيضاء مشربة حمرة ، دقيقة الشفتين ، نقية الشعر ، كحلاء العين ، أسيلة الخد ، دقيقة الأنف ، معتدلة القامة ، والأخرى دونها في هذه الصفات والمحاسن ; لكنها أحلى في العيون والقلوب منها ، وأليق وأملح ، ولا يدرى لأي سبب كان ذلك ، لكنه بالذوق والمشاهدة يعرف ، ولا يمكن تعليله .

وهكذا الكلام ; نعم يبقى الفرق بين الوصفين أن حسن الوجوه وملاحتها ، وتفضيل بعضها على بعض يدركه كل من له عين صحيحة ; وأما الكلام فلا يعرفه إلا بالذوق ، وليس كل من اشتغل بالنحو أو باللغة أو بالفقه كان من أهل الذوق ، وممن يصلح لانتقاد الكلام ، وإنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر ، وصارت لهم بذلك دربة وملكة تامة ; فإلى أولئك ينبغي أن يرجع في معرفة الكلام ، وفضل بعضه على بعض .

التالي السابق


الخدمات العلمية