صفحة جزء
القسم الخامس ذكر الخاص بعد العام فيؤتى به معطوفا عليه بالواو للتنبيه على فضله ، حتى كأنه ليس من جنس العام ; تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات ، وعلى هذا بنى المتنبي قوله

فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال

وابن الرومي أيضا حيث قال :

كم من أب قد علا بابن ذرا شرف     كما علت برسول الله عدنان

وحكى الشيخ أثير الدين عن شيخه أبي جعفر بن الزبير أنه كان يقول : " إن هذا العطف يسمى بالتجريد ، كأنه جرد من الجملة وأفرد بالذكر تفصيلا " .

وله شرطان ذكرهما ابن مالك : أحدهما : كون العطف بالواو .

والثاني : كون المعطوف ذا [ ص: 44 ] مزية .

وحكى قولين في العام المذكور : هل يتناول الخاص المعطوف عليه ، أو لا يتناوله ؟ فعلى القول الأول يكون هذا نظير مسألة : " نعم الرجل زيد " على المشهور فيه ; وهو الظاهر من لفظ العام ، وعلى الثاني يكون عطف الخاص قرينة دالة على إرادة التخصيص في العام ، وأنه لم يتناوله ، وهو نظير بحث الاستثناء في نحو قولك : " قام القوم إلا زيدا " من أن " زيدا " لم يدخل في القوم ، وقد يتقوى هذا بقوله :

يا حب ليلى لا تغير وازدد     وانم كما ينمو الخضاب في اليد

وإن كان هذا ليس من العطف العام .

وقد أشار الزمخشري إلى القولين في سورة الشعراء في قوله : في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم ( الشعراء : 147 - 148 ) .

وقد يقال : آية الشعراء إنما جاز فيها الاحتمالان من جهة أن لفظ " جنات " وقع بلفظ التنكير ، ولم يعم الجنس ، وأما الآية السابقة فالإضافة تعم ، ولا ينبغي أن يجعل من هذا قوله تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان ( الرحمن : 68 ) أما على قول أبي حنيفة ومحمد فواضح ; لأنهما يقولان : إن النخل والرمان ليسا بفاكهة ، وأما على قول أبي يوسف فقوله : " فاكهة " مطلق وليس بعام .

ومن أمثلته قوله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ( البقرة : 238 ) على القول بأنها إحدى الصلوات الخمس .

[ ص: 45 ] قلنا : إن المراد غيرها كالوتر والضحى والعيد ، فليس من هذا الباب .

وقوله تعالى : والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة ( الأعراف : 170 ) مع أن التمسك بالكتاب يشمل كل عبادة ، ومنها الصلاة ، لكن خصها بالذكر إظهارا لمرتبتها ; لكونها عماد الدين .

وقوله تعالى : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ( البقرة : 98 ) فإن عداوة الله راجعة إلى عداوة حزبه ، فيكون جبريل كالمذكور أربع مرات ، فإنه اندرج تحت عموم ملائكته ، وتحت عموم رسله ، ثم عموم حزبه ، ثم خصوصه بالتنصيص عليه .

ويجوز أن يكون عومل معاملة العدد ; فيكون الذكر ثلاثا ، وذكرهما بعد الملائكة مع كونهما من الجنس - دليل على قصد التنويه بشرفهما ، على أن التفصيل إن كان بسبب الإفراد فقد عدل للملائكة مثله بسبب الإضافة ، وقد يلحظ شرفهما على غيرهما .

وأيضا فالخلاف السابق في أن ذكر بعض أفراد العام بعد العام ; هل يدل على أنه لم يدخل في العام فرارا من التكرار أو يدخل .

وفائدته التوكيد ، وقد حكاه الروياني في " البحر " من كتاب الوصية ، وخرج عليه ما إذا أوصى لزيد بدينار وبثلث ماله للفقراء ، وزيد فقير ، فهل يجمع له بين ما أوصى لديه وبين شيء من الثلث على ما أراد الوصي ؟ وجهان ، والأصح أنه لا يعطى غير الدينار ; لأنه بالتقدير قطع اجتهاد الوصي .

[ ص: 46 ] قلت : والقول بعدم دخوله تحت اللفظ هو قول أبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني ، وعلى هذا القول فلا يحسن عد هذه الآية من هذا النوع .

وأيضا فإذا اجتمع في الكلام معطوفان : هل يجعل الآخر معطوفا على الأول ؟ أو على ما يليه ؟ وقع في كلام الزمخشري في مواضع من الكشاف تجويز الأمرين .

فذكر في قوله تعالى : إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ( الأنعام : 95 ) أن " مخرجا " معطوف على ( فالق ) لا على ( يخرج ) فرارا من عطف الاسم على الفعل ، وخالفه ابن مالك وأوله .

وذكر أيضا في قوله تعالى : إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ( البقرة : 210 ) على هذه القراءة أنه معطوف على الله لأن قضاءه قديم .

وذكر أيضا في قوله تعالى : الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ( النساء : 1 ) حاصله أن قوله : يا أيها الناس إذا أريد به العموم كان قوله : وخلق منها زوجها عطفا على مقدر ; أي : أنشأها وأوجدها وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا يعني خلقكم من نفس هذه صفتها ، وإن أريد به المخاطبون بمكة كان قوله : ( وخلق ) عطفا على ( خلقكم ) وموجب ذلك الفرار من التكرار .

وعلى هذا فيجوز أن يكون " جبريل " معطوفا على لفظ الجلالة ، فلا تكون الآية من هذا النوع ولو سلمنا بعطفه على " رسله " فكذلك ; لكن الظاهر أن المراد بالرسل من بني آدم لعطفهم على الملائكة ، فليسوا منه .

وفي الآية سؤالان : [ ص: 47 ] أحدهما : لم خص جبريل وميكائيل بالذكر ؟ الثاني : لم قدم جبريل عليه ؟ والجواب عن الأول : أنه سبحانه وتعالى خصهما بالحياة ; فجبريل بالوحي الذي هو حياة القلوب ، وميكائيل بالرزق الذي هو حياة الأبدان ، ولأنهما كانا سبب النزول في تصريح اليهود بعداوتهما .

وعن الثاني : أن حياة القلوب أعظم من حياة الأبدان ، ومن ثم قيل :

عليك بالنفس فاستكمل فضائلها     فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

ومنه قوله تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان ( الرحمن : 68 ) وغلط بعضهم من عد هذه الآية من هذا النوع من جهة أن " فاكهة " نكرة في سياق الإثبات فلا عموم لها ، وهو غلط لأمرين : أحدهما : أنها في سياق الإثبات ، وهو مقتضى العموم ، كما ذكره القاضي أبو الطيب الطبري .

والثاني : أنه ليس المراد بالخاص والعام هاهنا المصطلح عليه في الأصول ، بل كل ما كان الأول فيه شاملا للثاني .

وهذا الجواب أحسن من الأول ; لعمومه بالنسبة إلى كل مجموع يشتمل على متعدد .

ولما لمح أبو حنيفة معنى العطف - وهو المغايرة - لم يحنث الحالف على أكل الفاكهة بأكل الرمان .

ومنه قوله تعالى : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ( آل عمران : 104 ) إذ الأمر والنهي من جملة الدعاء إلى الخير .

[ ص: 48 ] وقوله تعالى : والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ( محمد : 2 ) والقصد تفضيل النبي - صلى الله عليه وسلم - وما نزل عليه ; إذ لا يتم الإيمان إلا به .

وقوله : ولهم فيها منافع ومشارب ( يس : 73 ) .

وقوله : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا ( البقرة : 96 ) ففائدة قوله : ومن الذين أشركوا مع دخولهم في عموم الناس أن حرصهم على الحياة أشد لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث .

وقوله : الذين يؤمنون بالغيب ( البقرة : 3 ) فهذا عام وبالآخرة هم يوقنون ( البقرة : 4 ) وإن كان الإيمان بالغيب يشملها ، ولكن خصها لإنكار المشركين لها في قولهم ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ( الجاثية : 24 ) فكان في تخصيصهم بذلك مدح لهم .

وقوله : اقرأ باسم ربك الذي خلق ( العلق : 1 ) ، فعم بقوله : " خلق " جميع مخلوقاته ، ثم خص فقال : خلق الإنسان من علق ( العلق : 2 ) .

وقوله تعالى : إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ( الأنعام : 145 ) فإنه عطف اللحم على الميتة ، مع دخوله في عموم الميتة ; لأن الميتة كل ما ليس له ذكاة شرعية ، والقصد به التنبيه على شدة التحريم فيه .

تنبيه ظاهر كلام الكثيرين تخصيص هذا العطف بالواو ، وقد سبق عن ابن مالك وآخرين مجيئه في " أو " في قوله : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ( النساء : 110 ) مع أن ظلم النفس من عمل السوء ; فقيل : هو بمعنى الواو ، والمعنى يظلم نفسه بذلك السوء حيث دساها بالمعصية .

وقوله تعالى : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ( الأنعام : 93 ) فإن الوحي مخصوص بمزيد قبح من بين أنواع الافتراء ، خص بالذكر تنبيها على مزيد العقاب فيه والإثم .

[ ص: 49 ] وقوله تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ( آل عمران : 135 ) مع أن فعل الفاحشة داخل فيه ، قيل : أريد به نوع من أنواع ظلم النفس ; وهو الربا ، أو كل كبيرة ، فخص بهذا الاسم تنبيها على زيادة قبحه ; وأريد بظلم النفس ما وراء ذلك من الذنوب .

التالي السابق


الخدمات العلمية