صفحة جزء
ثم فيها مباحث

الأول

وهي " استفعال " من العارية ، ثم نقلت إلى نوع من التخييل لقصد المبالغة في التخييل والتشبيه مع الإيجاز ؛ نحو : لقيت أسدا ، وتعني به الشجاع .

وحقيقتها أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها ، وحكمة ذلك [ ص: 483 ] إظهار الخفي ، وإيضاح الظاهر الذي ليس بجلي ، أو بحصول المبالغة أو للمجموع .

فمثال إظهار الخفي قوله تعالى : وإنه في أم الكتاب ( الزخرف : 4 ) فإن حقيقته أنه في أصل الكتاب ؛ فاستعير لفظ " الأم " للأصل ؛ لأن الأولاد تنشأ من الأم ، كما تنشأ الفروع من الأصول . وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئي حتى يصير مرئيا ، فينتقل السامع من حد السماع إلى حد العيان ؛ وذلك أبلغ في البيان .

ومثال إيضاح ما ليس بجلي ليصير جليا ، قوله تعالى : واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ( الإسراء : 24 ) لأن المراد أمر الولد بالذل لوالديه رحمة ؛ فاستعير للولد أولا " جانب " ، ثم للجانب " جناح " وتقدير الاستعارة القريبة : واخفض لهما جانب الذل ، أي : اخفض جانبك ذلا .

وحكمة الاستعارة في هذا جعل ما ليس بمرئي مرئيا ؛ لأجل حسن البيان ، ولما كان المراد خفض جانب الولد للوالدين بحيث لا يبقي الولد من الذل لهما والاستكانة مركبا ؛ احتيج من الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى ؛ فاستعير الجناح ؛ لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجناح ؛ لأن من ميل جانبه إلى جهة السفل أدنى ميل صدق عليه أنه خفض جانبه ، والمراد خفض يلصق الجنب بالإبط ، ولا يحصل ذلك إلا بخفض الجناح كالطائر ، وأما قول أبي تمام :


لا تسقني ماء الملام فإنني صب قد استعذبت ماء بكائي

فيقال : إنه أرسل إليه قارورة ، وقال : ابعث إلي فيها شيئا من ماء الملام . فأرسل [ ص: 484 ] أبو تمام : أن ابعث لي ريشة من جناح الذل أبعث إليك من ماء الملام .

وهذا لا يصح له تعلق به ، والفرق بين التشبيهين ظاهر ؛ لأنه ليس جعل الجناح للذل كجعل الماء للملام ، فإن الجناح للذل مناسب ، فإن الطائر إذا وهى وتعب بسط جناحه ، وألقى نفسه إلى الأرض ، وللإنسان أيضا جناح فإن يديه جناحاه ، وإذا خضع واستكان يطأطئ من رأسه ، وخفض من بين يديه ، فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل ، وصار شبها مناسبا ، وأما ماء الملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه ، فلذلك استهجن منه . على أنه قد يقال : إن الاستعارة التخييلية فيه تابعة للاستعارة بالكناية ؛ فإن تشبيه الملام بظرف الشراب لاشتماله على ما يكرهه الشارب لمرارته ، ثم استعار الملام له كمائه ، ثم يخرج منه شيء يشبه بالماء ، فالاستعارة في اسم الماء .

التالي السابق


الخدمات العلمية