صفحة جزء
فالتجويد

مصدر من جود تجويدا والاسم منه الجودة ضد الرداءة ، يقال : جود فلان في كذا إذا فعل ذلك جيدا فهو عندهم عبارة عن الإتيان بالقراءة مجودة بالألفاظ بريئة من الرداءة في النطق ومعناه انتهاء الغاية في التصحيح وبلوغ النهاية في التحسين ، ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها ، والناس في ذلك بين محسن مأجور ، ومسيء آثم ، أو معذور ، فمن قدر [ ص: 211 ] على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح العربي الفصيح ، وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي ، أو النبطي القبيح ، استغناء بنفسه ، واستبدادا برأيه وحدسه واتكالا على ما ألف من حفظه ، واستكبارا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه ، فإنه مقصر بلا شك ، وآثم بلا ريب ، وغاش بلا مرية ، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الدين النصيحة : لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم .

أما من كان لا يطاوعه لسانه ، أو لا يجد من يهديه إلى الصواب بيانه ، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ، ولهذا أجمع من نعلمه من العلماء على أنه لا تصح صلاة قارئ خلف أمي ، وهو من لا يحسن القراءة واختلفوا في صلاة من يبدل حرفا بغيره سواء تجانسا أم تقاربا ، وأصح القولين عدم الصحة كمن قرأ : الحمد بالعين ، أو الدين بالتاء ، أو المغضوب بالخاء أو بالظاء ; ولذلك عد العلماء القراءة بغير تجويد لحنا وعدوا القارئ بها لحانا ; وقسموا اللحن إلى جلي وخفي ، واختلفوا في حده وتعريفه ، والصحيح أن اللحن فيهما خلل يطرأ على الألفاظ فيخل ، إلا أن الجلي يخل إخلالا ظاهرا يشترك في معرفته علماء القراءة وغيرهم ، وأن الخفي يخل إخلالا يختص بمعرفته علماء القراءة وأئمة الأداء الذين تلقوا من أقوال العلماء وضبطوا عن ألفاظ أهل الأداء ; الذين ترتضى تلاوتهم ، ويوثق بعربيتهم ، ولم يخرجوا عن القواعد الصحيحة ، والنصوص الصريحة ، فأعطوا كل حرف حقه ; ونزلوه منزلته وأوصلوه مستحقه ، من التجويد والإتقان ، والترتيل والإحسان . قال الشيخ الإمام أبو عبد الله نصر بن علي بن محمد الشيرازي في كتابه الموضح في وجوه القراءات في فصل التجويد منه بعد ذكره الترتيل والحدر ولزوم التجويد فيها قال : فإن حسن الأداء فرض في القراءة ، ويجب على القارئ أن يتلو القرآن حق تلاوته صيانة للقرآن عن أن يجد اللحن والتغيير إليه سبيلا على أن العلماء قد اختلفوا في وجوب حسن الأداء في القرآن فبعضهم ذهب إلى [ ص: 212 ] أن ذلك مقصور على ما يلزم المكلف قراءته في المفترضات ، فإن تجويد اللفظ وتقويم الحروف وحسن الأداء واجب فيه فحسب ، وذهب الآخرون إلى أن ذلك واجب على كل من قرأ شيئا من القرآن كيفما كان ; لأنه لا رخصة في تغيير اللفظ بالقرآن وتعويجه واتخاذ اللحن سبيلا إليه إلا عند الضرورة قال الله تعالى قرءانا عربيا غير ذي عوج ، انتهى . وهذا الخلاف على الوجه الذي ذكره غريب ، والمذهب الثاني هو الصحيح ، بل الصواب على ما قدمناه ، وكذا ذكره الإمام الحجة أبو الفضل الرازي في تجويده وصوب ما صوبناه والله أعلم .

فالتجويد هو حلية التلاوة ، وزينة القراءة ، وهو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها ، ورد الحرف إلى مخرجه وأصله ، وإلحاقه بنظيره وتصحيح لفظه وتلطيف النطق به على حال صيغته ، وكمال هيئته ; من غير إسراف ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف ، وإلى ذلك أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد ، يعني عبد الله بن مسعود ، وكان - رضي الله عنه - قد أعطي حظا عظيما في تجويد القرآن وتحقيقه وترتيله كما أنزله الله تعالى ، وناهيك برجل أحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسمع القرآن منه ولما قرأ أبكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت في الصحيحين ، وروينا بسند صحيح عن أبي عثمان النهدي قال : صلى بنا ابن مسعود المغرب بـ " قل هو الله أحد " ، ووالله لوددت أنه قرأ بسورة البقرة من حسن صوته وترتيله .

( قلت ) : وهذه سنة الله - تبارك وتعالى - ، فمن يقرأ القرآن مجودا مصححا كما أنزل تلتذ الأسماع بتلاوته ، وتخشع القلوب عند قراءته ، حتى يكاد أن يسلب العقول ويأخذ الألباب ; سر من أسرار الله تعالى يودعه من يشاء من خلقه ، ولقد أدركنا من شيوخنا من لم يكن له حسن صوت ولا معرفة بالألحان إلا أنه كان جيد الأداء قيما باللفظ ، فكان إذا قرأ أطرب المسامع ، وأخذ من القلوب بالمجامع ، وكان الخلق يزدحمون عليه ، ويجتمعون على الاستماع إليه ، أمم من الخواص والعوام ، يشترك في ذلك من يعرف العربي ومن لا يعرفه من سائر الأنام [ ص: 213 ] مع تركهم جماعات من ذوي الأصوات الحسان ، عارفين بالمقامات والألحان لخروجهم عن التجويد والإتقان ، وأخبرني جماعة من شيوخي وغيرهم أخبارا بلغت التواتر عن شيخهم الإمام تقي الدين محمد بن أحمد الصائغ المصري - رحمه الله - ، وكان أستاذا في التجويد أنه قرأ يوما في صلاة الصبح وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد وكرر هذه الآية فنزل طائر على رأس الشيخ يسمع قراءته حتى أكملها فنظروا إليه ، فإذا هو هدهد ، وبلغنا عن الأستاذ الإمام أبي محمد عبد الله بن علي البغدادي المعروف بسبط الخياط مؤلف المبهج وغيره في القراءات - رحمه الله - أنه كان قد أعطي من ذلك حظا عظيما ، وأنه أسلم جماعة من اليهود والنصارى من سماع قراءته ، وآخر من علمناه بلغ النهاية في ذلك الشيخ بدر الدين محمد بن أحمد بن بصخان شيخ الشام ، والشيخ إبراهيم بن عبد الله الحكري شيخ الديار المصرية - رحمهما الله - ، وأما اليوم فهذا باب أغلق ، وطريق سد ، نسأل الله التوفيق ، ونعوذ به من قصور الهمم ونفاق سوق الجهل في العرب والعجم ، ولا أعلم سببا لبلوغ نهاية الإتقان والتجويد ، ووصول غاية التصحيح والتشديد ، مثل رياضة الألسن ، والتكرار على اللفظ المتلقى من فم المحسن ، وأنت ترى تجويد حروف الكتابة كيف يبلغ الكاتب بالرياضة وتوقيف الأستاذ ، ولله در الحافظ أبي عمرو الداني - رحمه الله - حيث يقول : ليس بين التجويد وتركه إلا رياضة لمن تدبره بفكه ، فلقد صدق وبصر ، وأوجز في القول وما قصر . فليس التجويد بتمضيغ اللسان ، ولا بتقعير الفم ، ولا بتعويج الفك ، ولا بترعيد الصوت ، ولا بتمطيط الشد، ولا بتقطيع المد ، ولا بتطنين الغنات ، ولا بحصرمة الراءات ، قراءة تنفر عنها الطباع ، وتمجها القلوب والأسماع ، بل القراءة السهلة العذبة الحلوة اللطيفة ، التي لا مضغ فيها ولا لوك ، ولا تعسف ولا تكلف ، ولا تصنع ولا تنطع ، لا تخرج عن طباع العرب وكلام الفصحاء بوجه من وجوه القراءات والأداء ، وها نحن نشير إلى جمل من ذلك بحسب التفصيل ، ونقدم الأهم فالأهم فنقول : [ ص: 214 ] أول ما يجب على مريد إتقان قراءة القرآن تصحيح إخراج كل حرف من مخرجه المختص به تصحيحا يمتاز به عن مقاربه ، وتوفية كل حرف صفته المعروفة به توفية تخرجه عن مجانسه ، يعمل لسانه وفمه بالرياضة في ذلك إعمالا يصير ذلك له طبعا وسليقة .

التالي السابق


الخدمات العلمية