صفحة جزء
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الشفعة

باب ما تقع فيه الشفعة

حدثنا يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء فإذا وقعت الحدود بينهم فلا شفعة فيه

قال مالك وعلى ذلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا
[ ص: 558 ] بسم الله الرحمن الرحيم

35 - كتاب الشفعة بضم المعجمة وسكون الفاء وحكي ضمها ، وقال بعضهم : لا يجوز غير السكون وهي لغة الضم على الأشهر من شفعت الشيء ضممته ، فهو ضم نصيب إلى نصيب ، ومنه شفع الأذان ، وقيل من الشفع ضد الوتر ، لأنه ضم نصيب شريكه إلى نصيبه ، وهذا قريب مما قبله ، وقيل من الزيادة ؛ لأنه يزيد ما يأخذه منه إلى ماله ، وقيل في قوله تعالى : ( من يشفع شفاعة حسنة ) ( سورة النساء : الآية 85 ) أن معناه من يزد عملا صالحا إلى عمله ، وقيل : من الشفاعة لأنه يتشفع بنصيبه إلى نصيب صاحبه ، وقيل : لأنهم كانوا في الجاهلية إذا باع الشريك حصته أتى المجاور شافعا إلى المشتري ليوليه ما اشتراه وهذا أظهر ، وشرعا : استحقاق شريك أخذ مبيع شريكه بثمن .

1 - باب ما يقع فيه الشفعة

تقدم غير ما مرة أن الإمام تارة يقدم البسملة على ( كتاب ) وتارة يؤخرها عنه تفننا .

1420 1387 - ( مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ) بن حزن المخزومي ( وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ) الزهري ، قال ابن عبد البر : مرسل عن مالك لأكثر رواة الموطأ وغيرهم ، ووصله عنه عبد الملك بن الماجشون وأبو عاصم النبيل ويحيى بن أبي قتيلة وابن وهب بخلف عنه ، فقالوا عن أبي هريرة ، وذكر الطحاوي أن قتيبة وصله أيضا عن مالك ، فالله أعلم .

وكذا اختلف فيه رواة ابن شهاب ، فرواه ابن إسحاق عنه عن سعيد وحده عن أبي هريرة ، ويونس عنه عن سعيد وحده مرسلا ، ورواه معمر عن الزهري عن [ ص: 559 ] أبي سلمة عن جابر ، قال أحمد : رواية معمر حسنة ، وقال ابن معين : رواية مالك أحب إلي وأصح ، يعني مرسلا عن سعيد وأبي سلمة ، وأسند هذه الروايات كلها في التمهيد ثم قال : كان ابن شهاب أكثر الناس بحثا عن هذا الشأن ، فربما احتج له في الحديث جماعة فحدث به مرة عن أحدهم بقدر نشاطه حين تحديثه ، وربما أدخل حديث بعضهم في بعض كما صنع في حديث الإفك وغيره ، وربما كسل فأرسل ، وربما انشرح فوصل ، فلذا اختلف أصحابه عليه اختلافا كثيرا اهـ .

ومثله يقال في مالك ورواية معمر في الصحيحين .

( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالشفعة ) بين الشركاء ( فيما ) أي في كل مشترك مشاع قابل للقسمة ( لم يقسم ) بالفعل ( بين الشركاء ، فإذا وقعت الحدود ) جمع حد ، وهو هنا ما تتميز به الأملاك بعد القسمة ، وأصل الحد المنع ، فتحديد الشيء بمنع خروج شيء منه وبمنع دخوله فيه ، زاد في حديث جابر عند البخاري : وصرفت الطرق بضم الصاد المهملة وكسر الراء مخففة ومثقلة أي بينت مصارفها وشوارعها ( بينهم ) أي الشركاء ( فلا شفعة فيه ) لأنه لا محل لها بعد تمييز الحقوق بالقسمة فصارت غير مشاعة ، وهذا الحديث نص في ثبوت الشفعة في المشاع ، وصدره يشعر بثبوتها في المنقولات ، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار ، وهو مشهور مذهب مالك والشافعي وأحمد ؛ لأنه أكثر الأنواع ضررا ، والمراد العقار المحتمل للقسمة ، فما لا يحتملها لا شفعة فيه ؛ لأن بقسمه تبطل منفعته .

وعن مالك رواية بالشفعة احتمل القسمة أم لا .

وللبيهقي عن ابن عباس مرفوعا : " الشفعة في كل شيء " ورجاله ثقات ، لكن أعل بالإرسال ، إلا أن له شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس به ، وشذ عطاء فأخذ بظاهره فقال : في كل شيء حتى الثوب ، ونقله بعض الشافعية عن مالك ، ورد بأنه لا يعرف عند أصحابه ، وحمله الجمهور على العقار لحديث الباب ونحوه ، وهو أصل في ثبوت الشفعة .

وأخرجه مسلم عن أبي الزبير عن جابر بلفظ : " قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط ، ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه ، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به " والربعة بفتح الراء تأنيث الربع وهو المنزل والحائط والبستان ، وفيه أنه لا شفعة للجار ؛ لأنه حصر الشفعة فيما لا يقسم ، فما قسم لا شفعة فيه وقد صار جارا ، وبه قال الجمهور ، وأثبتها أبو حنيفة والكوفيون للجار ، ولو اقتصر على قوله فإذا وقعت الحدود لكان قويا في الرد عليهم ، لكن ضم إليه قوله " وصرفت الطرق " فقال الجمهور : المراد بها التي كانت قبل القسم ، وقال الحنفية : المراد صرف الطرق التي يشترك فيها الجار ، ويبقى النظر في أي التأويلين أظهر ، واحتجوا أيضا بحديث : " الجار أحق بصقبه " رواه البخاري وأبو داود والنسائي مرفوعا ، ولا [ ص: 560 ] حجة فيه لاحتمال أن المراد أنه أحق بتحويزه وصلته وهو أولى ، إذ حمله على الشفعة يستلزم أن الجار أحق من الشريك ولا قائل به ، والصقب بفتحتين وصاد أو سين ، أي بسبب قربه من غيره ، واحتجوا أيضا بحديث أبي داود والترمذي مرفوعا : " جار الدار أحق بدار الجار " وأجيب بأنه لم يبين ما هو أحق هل بالشفعة أو غيرها من وجوه الرفق والمعروف فلا حجة فيه ، ولاحتمال أن يريد بالجار الشريك والمخالط كما قال الأعشى يخاطب زوجته :

أجارتنا بيني فإنك طالق

.

فسماها جارة لأنها مخالطة ، وأقوى حججهم حديث أصحاب السنن عن جابر مرفوعا : الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا ، فإنه بين بما يكون أحق ، ونبه على الاشتراك في الطريق ، لكنه حديث ضعيف كما قال أحمد وابن معين والبخاري والترمذي وابن عبد البر وغيرهم ، وبالجملة فأحاديث الشفعة ليس فيها ما يعارض حديث الباب ؛ لأنه ظاهر أو نص في نفي الشفعة للجار بخلاف تلك ، فيتطرق إليها الاحتمالات ، وزعم بعضهم أن قوله : فإذا وقعت الحدود . . . . إلخ مدرج ; لأن الأول كلام تام ، والثاني مستقل ، ولو كان الثاني مرفوعا لقيل : وقال وإذا وقعت . . . . . إلخ ، وتعقب بأن الإدراج لا يثبت بالاحتمال العقلي والتشهي ، والأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل كمجيء رواية مبنية للقدر المدرج ، أو استحالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوله ، وقد قوى حديثنا إجماع أهل المدينة عليه ( كما قال مالك : وعلى ذلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا ) وقال أحمد : إذا اختلفت الأحاديث فالحجة فيما عمل به أهل المدينة .

التالي السابق


الخدمات العلمية