صفحة جزء
باب مصير الولاء لمن أعتق

حدثني مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت جاءت بريرة فقالت إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني فقالت عائشة إن أحب أهلك أن أعدها لهم عنك عددتها ويكون لي ولاؤك فعلت فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم ذلك فأبوا عليها فجاءت من عند أهلها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فقالت لعائشة إني قد عرضت عليهم ذلك فأبوا علي إلا أن يكون الولاء لهم فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها فأخبرته عائشة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق ففعلت عائشة ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق
10 - باب مصير الولاء لمن أعتق

1519 1471 - ( مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ) عروة بن الزبير بن العوام ( عن ) خالته ( عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : جاءت بريرة ) بفتح الموحدة وراءين بلا نقط بينهما تحتية [ ص: 154 ] بوزن فعيلة ، مشتقة من البرير وهو ثمر الأراك ، وقيل كأنها فعيلة من البر بمعنى مفعولة كمبرورة أو بمعنى فاعلة كرحيمة ، هكذا وجهه القرطبي ، قال الحافظ : والأول أولى لأن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم جويرية ، وكان اسمها برة ، وقال : " لا تزكوا أنفسكم " . فلو كانت بريرة من البر لشاركتها في ذلك ، وكانت بريرة لناس من الأنصار كما عند أبي نعيم ، وقيل لناس من بني هلال ، قاله ابن عبد البر ، ويمكن الجمع ، وقيل لآل أبي أحمد بن جحش ، وفيه نظر فإن زوجها مغيث هو الذي كان مولى أبي أحمد ، وقيل لآل عقبة ، وفيه نظر أيضا لأن مولى عقبة سأل عائشة عن حكم هذه المسألة ، فذكرت له قصة بريرة ، أخرجه ابن سعد ، وكانت بريرة تخدم عائشة قبل أن تعتق كما في حديث الإفك ، وعاشت إلى خلافة معاوية وتفرست في عبد الملك بن مروان أنه يلي الخلافة فبشرته بذلك ، ورواه هو عنها كما قدمته . ( فقالت : إني كاتبت أهلي ) يعني ساداتها ، والأهل في الأصل الآل ( على تسع أواق ) بوزن جوار ، والأصل أواقي بشد الياء فحذفت إحدى الياءين تخفيفا والثانية على طريقة قاض ( في كل عام أوقية ) بضم الهمزة وهي أربعون درهما ، وهذا هو المشهور في الروايات ، ومثله في رواية ابن وهب عن يونس عن الزهري عن عروة عند مسلم . ووقع في رواية علقها البخاري عن الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة عن عائشة : أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين ، وجزم الإسماعيلي بأنها غلط ، ويمكن الجمع بأن التسع أصل والخمس كانت بقيت عليها ، وبه جزم القرطبي وغيره ، ويعكر عليه قوله في رواية قتيبة عن الليث في الصحيحين : ولم تكن أدت من كتابتها شيئا ، وأجيب بأنها كانت حصلت الأربع أواق قبل أن تستعين بعائشة ثم جاءتها وقد بقي عليها خمسة ، وأجاب القرطبي بأن الخمس هي التي كانت استحقت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي ، ويؤيده قوله في رواية عمرة عن عائشة عند البخاري : فقال أهلها : إن شئت أعطيت ما تبقى ( فأعينيني ) بصيغة أمر المؤنث من الإعانة ، ووقع عند بعض رواة البخاري " فأعيتني " بصيغة الخبر الماضي من الإعياء ، أي أعجزتني الأواقي عن تحصيلها وهو متجه المعنى ، وفي رواية حماد بن سلمة ، عن هشام عند ابن خزيمة وغيره : فأعتقيني ، من العتق بصيغة الأمر ، لكن الثابت عن مالك وغيره عن هشام الأول . ( فقالت عائشة : إن أحب أهلك ) بكسر الكاف ، مواليك ( أن أعدها ) أي التسع أواق ( لهم ) ثمنا ( عنك عددتها ) فيه أن العد في الدراهم المعلومة الوزن يكفي عن الوزن ، وأن المعاملة حينئذ كانت بالأواقي ، وزعم [ ص: 155 ] بعضهم أن أهل المدينة كانوا يتعاملون بالعد حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فأمرهم بالوزن ، وفيه نظر لأن قصة بريرة بعد الهجرة بنحو ثمان سنين ، لكن يحتمل أن قول عائشة أن أعدها أي أدفعها لا حقيقة العد ، ويؤيده قولها في رواية عمرة الآتية : أن أصب لهم ثمنك صبة واحدة ( ويكون ) عطفا على " أعدها " ( ولاؤك لي ) بعد أن أعتقك ( فعلت ) جواب الشرط ، قال الحافظ : وظاهره أن عائشة طلبت أن يكون الولاء لها إذا بذلت جميع مال المكاتبة ولم يقع ذلك ; إذ لو وقع لكان اللوم على عائشة بطلبها ولاء من أعتقه غيرها ، وقد رواه أبو أسامة ووهيب كلاهما عن هشام بلفظ يزيل الإشكال ، فقال بعد قوله : أن أعدها لهم عدة واحدة ، وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلت ، فعرف بذلك أنها أرادت أن تشتريها شراء صحيحا ثم تعتقها ; إذ العتق فرع ثبوت الملك ، ويؤيده رواية الزهري عن عروة عنها ، فقال صلى الله عليه وسلم : ابتاعي فأعتقي ( فذهبت بريرة إلى أهلها ، فقالت لهم ذلك ) الذي قالته عائشة ( فأبوا عليها ) أي امتنعوا أن يكون الولاء لعائشة ( فجاءت من عند أهلها ) إلى عائشة ( ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ) عندها ( فقالت لعائشة : إني قد عرضت عليهم ذلك ) بكسر الكاف الذي قلتيه ( فأبوا علي إلا أن يكون الولاء لهم ) استثناء مفرغ ; لأن في أبى معنى النفي ، قال الزمخشري في سورة التوبة : فإن قلت : كيف جاز أبى الله إلا كذا ولا يقال كرهت وأبغضت إلا زيدا ؟ قلت : قد أجرى أبى مجرى لم يرد ، ألا ترى كيف قوبل يريدون أن يطفئوا نور الله بقوله : ويأبى الله ، وكيف أوقع موقع ولا يريد الله إلا أن يتم نوره . ( فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ) من بريرة على سبيل الإجمال ( فسألها ) أي عائشة ، وفي رواية البخاري : فقال : ما شأن بريرة ؟ ( فأخبرته عائشة ) به على سبيل التفصيل . ولمسلم من رواية أبي أسامة ولابن خزيمة ، واللفظ له من رواية حماد بن سلمة كلاهما عن هشام : فجاءتني بريرة والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فقالت لي : فيما بيني وبينها ما رد أهلها ، فقلت : لاها الله إذا ورفعت صوتي وانتهرتها ، فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فسألني فأخبرته ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذيها ) أي اشتريها منهم ، لرواية البخاري عن الزهري عن عروة عن عائشة ، فقال : ابتاعي وأعتقي ، فهذه مفسرة لقوله خذيها ، وكذا رواية البخاري من وجه آخر عن عائشة : دخلت علي بريرة وهي مكاتبة قالت : اشتريني وأعتقيني ، قلت : نعم

وقوله في حديث ابن عمر التالي : لهذا أرادت عائشة أن [ ص: 156 ] تشتري جارية فتعتقها ( فاشترطي ) بصيغة أمر المؤنث من الشرط ( لهم الولاء ، فإنما الولاء لمن أعتق ) فعبر بإنما التي للحصر وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه ، ولولا ذلك لما لزم من إثبات الولاء للمعتق نفيه عن غيره ( ففعلت عائشة ) الشراء والعتق ، قال ابن عبد البر وغيره : كذا رواه أصحاب هشام ، وأصحاب مالك عنه عن هشام ، واستشكل صدور إذنه صلى الله عليه وسلم في البيع على شرط يفسد البيع ، وخداع البائعين ، وشرط ما لا يصح ولا يحصل لهم ، ولذا أنكر ذلك يحيى بن أكثم ، وأشار الشافعي في الأم إلى تضعيف رواية هشام المصرحة بالاشتراط لانفراده بها دون أصحاب أبيه ، وروايات غيره قابلة للتأويل ، وقال غيره : إن هشاما روى بالمعنى ما سمعه من أبيه وليس كما ظن ، وأثبت الرواية آخرون ، وقالوا : هشام ثقة حافظ ، والحديث متفق على صحته فلا وجه لرده ، قال ابن خزيمة : وكلام يحيى بن أكثم غلط ، ثم اختلف في التوجيه فزعم الطحاوي عن المزني عن الشافعي أنه بلفظ : " وأشرطي " بهمزة قطع بغير فوقية ، ومعناه أظهري لهم حكم الولاء ، والاشتراط الإظهار ، قال أوس بن حجر يذكر رجلا نزل من رأس جبل إلى نبقة يقطعها ليتخذ منها قوسا :


فأشرط فيها نفسه وهو معصم وألقى بأسباب له وتوكلا



أي أظهر نفسه لما حاول أن يفعل ، انتهى . فأنكر غيره هذه الرواية بأن الذي في الأم ومختصر المزني وغيرهما عن الشافعي عن مالك كرواية الجمهور " واشترطي " بالفوقية ، وقيل : إن اللام بمعنى على كقوله : ( وإن أسأتم فلها ) ( سورة الإسراء : الآية 7 ) قاله الشافعي ، والمزني ، والطحاوي وغيرهم ، وقال ابن خزيمة : إنه لا يصح ، وقال النووي : هو ضعيف ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أنكر الاشتراط ولو كانت بمعنى على لم ينكره ، فإن قيل : إنما أنكر إرادة الاشتراط في أول الأمر . فالجواب أن سياق الحديث يأبى ذلك . وضعفه أيضا ابن دقيق العيد بأن اللام لا تدل بوضعها على الاختصاص النافع بل على مطلق الاختصاص ، فلا بد في حملها على ذلك من قرينة . وقال آخرون : الأمر في اشترطي للإباحة على جهة التنبيه على أنه لا ينفعهم ، فوجوده وعدمه سواء كأنه قال : اشترطي أو لا تشترطي . ويؤيده قوله في رواية عند البخاري : اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاءوا . وقيل : كان صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بأن اشتراط البائع الولاء باطل ، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة ، فلما أرادوا أن يشترطوا ما تقدم لهم علم بطلانه ، أطلق الأمر مريدا التهديد على مآل الحال كقوله تعالى : ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ) ( سورة التوبة : الآية : 105 ) وكقول موسى : ( ألقوا ما أنتم ملقون ) ( سورة يونس : الآية : 80 ) فليس بنافعكم ، فكأنه قيل : اشترطي لهم [ ص: 157 ] فسيعلمون أنه لا ينفعهم ، ويؤيده أنه وبخهم في خطبته بأنهم يشترطون ما ليس في كتاب الله مشيرا إلى أنه سبق منه بيان حكم الله بإبطاله ; إذ لو لم يقدم بيان ذلك لبدأ ببيان الحكم في الخطبة لا بتوبيخ الفاعل ; لأنه كان باقيا على البراءة الأصلية ، وقيل : الأمر فيه بمعنى الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النهي كقوله : ( اعملوا ما شئتم ) ( سورة فصلت : الآية : 40 ) وقال الشافعي : لما كان من اشترط خلاف ما قضى الله ورسوله عاصيا وكان في المعاصي حدود وأدب ، كان من أدب العاصين أن تعطل عليهم شروطهم ليرتدعوا عن ذلك ويرتدع غيرهم ، وذلك من أيسر الأدب ، وقيل : معنى " اشترطي " اتركي مخالفتهم فيما شرطوه ولا تظهري نزاعهم فيما طلبوه مراعاة لتنجيز العتق لتشوف الشرع إليه ، وقد يعبر عن الترك بالفعل كقوله تعالى : ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) ( سورة البقرة : الآية : 102 ) أي بتركهم يفعلون ذلك ، وليس المراد بالإذن إباحة الإضرار بالسحر ، قال ابن دقيق العيد : وهذا وإن كان محتملا إلا أنه خارج عن الحقيقة من غير دلالة على المجاز من حيث السياق . وقال النووي : أقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاص بعائشة في هذه القضية ، وأن سببه المبالغة في الرجوع عن هذا الشرط لمخالفته حكم الشرع ، وهو كفسخ الحج إلى العمرة كان خاصا بتلك الحجة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج ، ويستفاد منه ارتكاب أخف الضررين إذا استلزم إزالة أشدهما ، وتعقب بأنه استدلال بمختلف فيه ، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل وبأن الشافعي نص على خلاف هذه المقالة .

وقال ابن الجوزي : ليس في الحديث أن اشتراط الولاء والعتق كان مقارنا للعقد فيحمل على أنه كان سابقا عليه ، فالأمر بقوله " اشترطي " مجرد وعد لا يجب الوفاء به ، وتعقب باستبعاد أنه صلى الله عليه وسلم يأمر شخصا أن يعد مع علمه بأنه لا يفي بذلك الوعد . وقال ابن حزم : كان الحكم بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزا فيه ثم نسخ بالخطبة . وقوله : إنما الولاء لمن أعتق . وتعقب بأنه لا يخفى بعده وسياق طرق الحديث تدفع في وجه هذا الجواب . وقال الخطابي : وجه الحديث أن الولاء لما كان كلحمة النسب ، والإنسان إذا ولد له ولد ثبت نسبه ولم ينتقل عنه ، ولو نسب إلى غيره فكذلك إذا أعتق عبدا ثبت له ولاؤه ، ولو أراد نقل ولائه عنه أو أذن في نقله عنه لم ينتقل لم يعبأ باشتراطهم الولاء ، وقيل : اشترطي ودعيهم يشترطون ما شاءوا ، ونحو ذلك ؛ لأنه غير قادح في العقد ، بل بمنزلة لغو الكلام وأخر إعلامهم ليكون رده وإبطالهم قولا شهيرا يخطب به على المنبر ظاهرا ، وهو أبلغ في النكير وآكد في التغيير ، انتهى . وهو يؤول إلى أن الأمر بمعنى الإباحة كما تقدم .

( ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ) خطيبا ( فحمد الله [ ص: 158 ] وأثنى عليه ) بما هو أهله ( ثم قال : أما بعد ) أي بعد الحمد والثناء ، وفيه القيام في الخطبة وابتداؤها بالحمد والثناء وأما بعد ( فما ) بالفاء في جواب أما ، وفي رواية التنيسي بلا فاء على القليل ( بال ) أي حال ( رجال ) وفيه حسن الأدب والعشرة فلم يواجههم بالخطاب ولم يصرح بأسمائهم ؛ ولأنه يؤخذ منه تقرير شرع عام للمذكورين وغيرهم وللصورة المذكورة وغيرها ، وهذا بخلاف قصة علي في خطبته بنت أبي جهل فكانت خاصة بفاطمة فلذا عينها ( يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ) أي ليست في حكمه وقضائه من كتابه أو سنة رسوله ; لأن الله لما أمر باتباعه جاز أن يقال : لما حكم به حكم الله وقضاؤه ، وقد أخبر أن الولاء لمن أعتق ولا يعلم ذلك في نص الكتاب ولا دلالته ، قاله ابن عبد البر . زاد ابن بطال : أو إجماع الأمة ، وقال ابن خزيمة : أي ليس في حكم الله جوازه أو وجوبه ; لأن كل شرط لم ينطق به القرآن باطل ؛ لأنه قد يشترط الكفيل فلا يبطل الشرط ، ويشترط في الثمن شرط من أوصافه أو نجومه أو نحو ذلك فلا يبطل . وقال القرطبي : أي ليس مشروعا في كتاب الله تأصيلا ولا تفصيلا ، ومعنى هذا أن من الأحكام ما يوجد تفصيله في كتاب الله كالوضوء ، ومنها ما يوجد تأصيله دون تفصيله كالصلاة ، ومنها ما أصل أصله لدلالة الكتاب على أصلية السنة والإجماع ، وكذلك القياس الصحيح فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلا فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلا . ( ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ) جواب ما الموصولة المقتضية لمعنى الشرط ( وإن كان مائة شرط ) قال القرطبي وغيره : خرج مخرج التكثير ؛ لأن العموم في قوله : ما كان . . . إلخ ، دال على بطلان جميع الشروط ولو زادت على مائة شرط ، يعني أن الشروط الغير مشروعة باطلة وإن كثرت ، ويستفاد منه أن الشروط المشروعة صحيحة ، وقال المازري : الشروط ثلاثة : شرط العقد كالتسليم والتصرف فلا خلاف في جوازه ولزومه وإن لم يشترط . وشرط لا يقتضه بل هو مصلح له كرهن وحميل فهو جائز ولا يلزم إلا بشرط . وشرط مناقض للعقد ، فهذا اضطرب فيه العلماء ، والمشهور في المذهب بطلان العقد والشرط معا لحديث : " من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد " ولما في العقد من الجهالة ؛ لأن الشرط وضع له من الثمن فله حصة من المعاوضة ، فيجب بطلان ما قابله وهو مجهول وجهالته تؤدي إلى جهالة ما سواه فيجب فسخ الجميع ، وقيل : يبطل الشرط خاصة ( قضاء الله ) أي حكمه ( أحق ) بالاتباع من الشروط المخالفة .

( وشرط الله ) أي قوله : ( فإخوانكم في الدين ومواليكم ) ( سورة الأحزاب : الآية : 5 ) [ ص: 159 ] وقوله : ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) ( سورة الحشر : الآية 7 ) لآية قالها الداودي . قال عياض : والظاهر عندي أنه قوله صلى الله عليه وسلم : " إنما الولاء لمن أعتق " . وقوله : " مولى القوم منهم " . وقوله : " الولاء لحمة كلحمة النسب " . ( أوثق ) أقوى باتباع حدوده التي حدها وأفعل فيهما ليس على بابه إذ لا مشاركة بين الحق والباطل ، وقد جاء أفعل لغير التفضيل كثيرا ، ويحتمل أن ذلك ورد على ما اعتقدوه من الجواز . ( وإنما الولاء لمن أعتق ) ذكرا كان أو أنثى واحدا أو جمعا ; لأن " من " للعموم لا لمن أسلم على يديه ولا يحلف خلافا للحنفية ولا للملتقط خلافا لإسحاق ، وفيه جواز السجع غير المتكلف ، وإنما نهى عن سجع الكهان وشبهه لتكلفه واشتماله على مطوي الغيب ، وجواز كتابة الأمة كالعبد ، وكتابة المتزوجة وإن لم يأذن الزوج ، وأنه ليس له منعها منها لو كانت تؤدي إلى فراقها ، كما أنه ليس للعبد المتزوج منع السيد من عتق أمته التي تحته وإن أدى إلى بطلان نكاحها ، وجواز سعي المكاتبة وسؤالها واكتسابها وتمكين السيد لها من ذلك ، ومحله إذا علم حل كسبها ، والنهي الوارد عن كسب الأمة محمول على من لم يعرف حله أو غير المكاتبة ، وأن للمكاتب أن يسأل من حين الكتابة ولا يشترط عجزه خلافا لمن شرطه ، وجواز السؤال لمن احتاج إليه من دين أو غرم أو نحو ذلك ، وأنه يجوز تعجيل مال الكتابة ، والمساومة في البيع وغيره وتشديد صاحب السلعة فيها ، وتصرف المرأة الرشيدة لنفسها في البيع وغيره ولو متزوجة خلافا لمن أبى ذلك ، وأن من لا يتصرف بنفسه له أن يقيم غيره مقامه ، وأن العبد إذا أذن له في التجارة جاز تصرفه ، وجواز رفع الصوت عند إنكار المنكر ، وأنه يجوز لمن أراد أن يشتري للعتق إظهار ذلك لأصحاب الرقبة ليساهلوه في الثمن ، ولا يعد ذلك من الرياء وإنكار القول المخالف للشرع وانتهار الرسول فيه ، وأن الشيء إذا بيع بالنقد فالرغبة فيه أكثر مما إذا بيع بالنسيئة ، وأن المكاتب لو عجل بعض كتابته قبل المحل على أن يضع عنه سيده الباقي يجبر ، وجواز الكتابة على قيمة الرقيق وأقل منها وأكثر ; لأن من الثمن المنجز والمؤجل فرقا ، ومع ذلك فقد بذلت عائشة المؤجل ناجزا فدل على أن قيمتها بالتأجيل أكثر مما كوتبت به وكان أهلها باعوها به ، وأن المراد بالخير في قوله تعالى : ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) ( سورة النور : الآية : 33 ) القدرة على الكسب والوفاء بما وقعت الكتابة عليه ، وليس المراد به المال .

وعن ابن عباس : أن المراد بالخير المال مع أنه يقول : إن العبد لا يملك ، فنسب إلى التناقض لأن المال الذي في يد المكاتب لسيده فكيف يكاتبه بماله ؟ ومن يقول : العبد يملك ، لا يرد هذا عليه ، قال الحافظ : والذي يظهر أنه لا يصح عن ابن عباس أحد الأمرين . وفيه جواز من لا حرفة له وقال به الجمهور ، واختلف عن مالك وأحمد وذلك أن بريرة استعانت على [ ص: 160 ] كتابتها ، فلو كان لها حرفة أو مال لم تحتج إلى الاستعانة ؛ لأن كتابتها لم تكن حالة . وعند الطبري من رواية أبي الزبير ، عن عروة أن عائشة ابتاعت بريرة مكاتبة ، وهي لم تقبض من كتابتها شيئا . وجواز أخذ الكتابة من مسألة الناس ، والرد على من كره ذلك وزعم أنها أوساخ الناس . ومشروعية إعانة المكاتب بالصدقة ، وجواز التأقيت في الديون في كل شهر كذا من غير بيان أوله أو وسطه ، ولا يكون ذلك مجهولا ؛ لأنه يتبين بانقضاء الشهر الحلول ، قاله ابن عبد البر ، ونظر فيه باحتمال أن قول بريرة في كل عام أوقية ، أي في غرته مثلا ، وعلى تسليمه فيفرق بين الكتابة والديون بأن المكاتب إذا عجز حل لسيده ما أخذه منه بخلاف الأجنبي . وقال ابن بطال : لا فرق بين الديون وغيرها ، وقصة بريرة محمولة على أن الراوي قصر في بيان تعيين الوقت وإلا يصير الأجل مجهولا ، وقد نهى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن البيع إلا إلى أجل معلوم وفيه غير ذلك .

وقد ذكر أبو عمر أن الناس أكثروا في حديث بريرة من الاستنباط ، فمنهم من أجاد ومنهم من خلط وأتى بما لا معنى له ، كقول بعضهم : فيه إباحة البكاء في المحبة لبكاء زوج بريرة ، وذكر في الحديث المتقدم في النكاح أن ابن خزيمة ، وابن جرير ألف كل منهما كتابا في ذلك ، قال الحافظ : وبلغ بعض المتأخرين فوائده أربعمائة أكثرها مستبعد متكلف ، كما وقع نظير ذلك للذي صنف في الكلام على حديث المجامع في رمضان فبلغ به ألف فائدة وواحدة . وأخرجه البخاري في البيوع عن عبد الله بن يوسف ، وفي الشروط عن إسماعيل كلاهما عن مالك به ، وتابعه أبو أسامة وجماعة بكثرة عن هشام في الصحيحين وغيرهما وطرقه كثيرة عندهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية