صفحة جزء
وحدثني عن مالك عن خبيب بن عبد الرحمن الأنصاري عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد الخدري أو عن أبي هريرة أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته ذات حسب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه
1777 1729 - ( مالك عن خبيب ) ، بخاء معجمة ، وموحدتين ، مصغر ( بن عبد الرحمن ) بن حبيب الأنصاري المدني أبي الحارث ، ثقة ، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة .

( عن حفص بن عاصم ) بن عمر بن الخطاب العمري التابعي الثقة .

( عن أبي سعيد الخدري ، أو عن أبي هريرة ) بالشك لرواة الموطأ إلا مصعبا الزبيري ، وموسى بن طارق ، فجعلاه عنهما بواو العطف ، وشذ في ذلك عن أصحاب مالك ، قاله الحافظ .

وذكر أبو عمر أن أبا معاذ البلخي عن مالك ، تابعهما في روايته بالواو ، قال : ورواه زكريا بن يحيى الوقاد عن ابن وهب ، وابن القاسم ، ويوسف بن عمر بن يزيد كلهم عن مالك عن خبيب عن حفص عن أبي سعيد وحده ، ورواه عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم عن خاله خبيب عن جده حفص عن أبي هريرة وحده .

قال الحافظ في الأمالي : المحفوظ عن مالك بالشك ورواية زكريا خطأ ، والمحفوظ عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة وحده ، كذلك أخرجه الشيخان ، والنسائي من طريق عبيد الله وهو أحد الحفاظ الأثبات ، وخبيب خاله وحفص جده ، ولم يشك فروايته أولى ، وتابعه مبارك بن فضالة عن خبيب ، أخرجه الطيالسي .

وقال في الفتح : والظاهر أن عبيد الله حفظه لكونه لم يشك فيه ، ولكونه من رواية خاله وجده ( أنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سبعة ) من الأشخاص ، مبتدأ خبره : ( يظلهم الله في ظله ) ، إضافة ملك ، وكل ظل فهو ملكه ، كذا قال عياض ، وحقه أو يقول إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا عن غيره ، كما قيل [ ص: 543 ] للكعبة بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه .

وقيل : المراد كرامته ورحمته ، كما يقال : فلان في ظل الملك ، وهو قول عيسى بن دينار ، وقواه عياض ، وقيل : المراد ظل عرشه ، ويدل عليه حديث سلمان عن سعيد بن منصور بإسناد حسن : " سبعة يظلهم الله في ظل عرشه " ، وإذا كان المراد ذلك استلزم كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس فهو أرجح ، وبه جزم القرطبي ، ويؤيده تقييد ذلك بيوم القيامة ، كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر عند البخاري في الحدود ، وبه يندفع قول من قال : المراد ظل طوبى ، أو ظل الجنة ; لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة ، ثم أنه مشترك لجميع من يدخلها ، والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة ، فترجح أن المراد ظل العرش .

وروى الترمذي وحسنه عن أبي سعيد مرفوعا : " أحب الناس إلى الله يوم القيامة إمام عادل " قاله الحافظ .

( يوم لا ظل إلا ظله ) ، أي ظل عرشه كما علم ، والإضافة للتشريف كناقة الله ، فإن الله منزه عن الظل إذ هو من خواص الأجسام ، ( إمام عادل ) اسم فاعل من العدل ، كما رواه والأكثر ، قال الشاعر :


ومن كان في إخوانه غير عادل فما أحد في العدل منه بطامع



ورواه سعيد بن أبي مريم عن مالك بلفظ : عدل ، وهو أبلغ ; لأنه جعل المسمى نفسه عدلا قاله ابن عبد البر ، وهو الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه بغير إفراط ، ولا تفريط ، أو الجامع للكمالات الثلاثة : الحكمة والشجاعة والعفة التي هو أوساط القوى الثلاثة : العقلية ، والغضبية ، والشهوانية ، والمراد به صاحب الولاية العظمى ، ويلتحق به كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه ، ويؤيده ما في مسلم عن عبد الله بن عمر ورفعه : " أن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين ، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم ، وما ملكت أيمانهم وما ولوا " ، وقدمه في الذكر لأن نفعه أعم .

وقال - صلى الله عليه وسلم - : " الإمام العادل لا ترد دعوته " ، ( وشاب نشأ ) نبت وابتدأ ( في عبادة الله ) ، أي لم يكن له صبوة ، قاله القرطبي .

وفي رواية مسلم : " بعبادة الله " ، بالباء بمعنى في ، زاد في رواية الجوزقي : حتى توفي على ذلك .

وفي حديث سلمان : " أفنى شبابه ، ونشاطه في عبادة الله " ، وخص الشباب لأنه مظنة غلبة الشهوة لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى ، فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد ، وأدل على غلبة التقوى .

( ورجل قلبه متعلق ) بفوقية بعد الميم ، وكسر اللام ، من العلاقة ، وهي شدة الحب ( بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ) ، زاد في [ ص: 544 ] حديث سلمان : " من حبها " ، وعند ابن عساكر من حديث أبي هريرة : " معلق بالمساجد من شدة حبه إياها " ، وذلك أنه لما آثر طاعة الله ، وغلب عليه حبه صار قلبه ملتفتا إلى المسجد ، لا يحب البراح عنه ، لوجدانه فيه روح القربة ، وحلاوة الطاعة .

وفي رواية عبيد الله عن حبيب في الصحيحين معلق بدون تاء ، قال الحافظ : ظاهره أنه من التعليق كأنه شبهه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل ، إشارة إلى طول الملازمة بقلبه ، وإن كان جسده خارجا عنها ، ويدل عليه رواية الجوزقي : " كأنما قلبه معلق في المسجد " ، ويحتمل أن يكون من العلاقة ، وهي شدة الحب ، ويدل عليه رواية أحمد : " معلق بالمساجد " ، وكذا رواية " متعلق " بزيادة الفوقية ، زاد سلمان : من حبها ، ( ورجلان تحابا ) بشدة الموحدة ، وأصله تحاببا أي اشتركا في جنس المحبة ، وأحب كل منهما الآخر حقيقة لا إظهارا فقط .

وفي رواية الجوزقي : " ورجلان قال كل منهما للآخر : إني أحبك في الله " ، فصدر على ذلك ونحوه في حديث سلمان .

( في الله ) ، أي في طلب رضاه ، أو لأجله لا لغرض دنيوي ، ( اجتمعا على ذلك ) الحب المذكور ، ( وتفرقا عليه ) ، كما زيد في رواية الصحيحين : أي استمرا على المحبة الدينية ، ولم يقطعاها بعارض دنيوي سواء اجتمعا حقيقة ، أم لا حتى فرق الموت بينهما ، أو المراد يحفظان الحب فيه في الحضور والغيبة .

ووقع في الجمع بين الصحيحين للحميدي : اجتمعا على خير ، قال الحافظ : ولم أر ذلك في شيء من نسخ الصحيحين ولا غيرهما من المستخرجات ، وهي عندي تحريف ، وعدت هذه الخصلة واحدة مع أن متعاطيها اثنان ; لأن المحبة لا تتم إلا باثنين ، ولما كان المتحابان بمعنى واحد أغنى عد أحدهما عن الآخر ; لأن الغرض عد الخصال لا عد جميع من اتصف بها .

( ورجل ذكر الله ) بقلبه من التذكر ، أو لسانه من الذكر ، ( خاليا ) من الخلوة ; لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء ، أو خاليا من الالتفات إلى غير الله ولو كان في ملأ ، ويؤيده رواية البيهقي : ذكر الله بين يديه ، ويؤيد الأول رواية للبخاري وغيره ، ذكر الله في خلاء ، أي موضع خال وهي أصح .

( ففاضت عيناه ) ، أي فاضت الدموع من عينه ، وأسند الفيض إلى العين مبالغة كأنها هي التي فاضت ، قال القرطبي : وفيض العين بحسب حالة الذاكر ، وبحسب ما ينكشف له ، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكى من خشية الله ، وفي حال أوصاف الجمال يكون من الشوق إليه ، قال الحافظ : قد خص بالأول في رواية الجوزقي ، والبيهقي : ففاضت عيناه من خشية الله .

ويشهد له ما رواه الحاكم عن أنس مرفوعا : " من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من [ ص: 545 ] دموعه لم يعذب يوم القيامة .

( ورجل دعته ) ، أي طلبته ، وبه عبر في الصحيحين : ( ذات ) بين الموصوف في رواية البخاري ، ومسلم ، وأحمد فقال : امرأة ذات ( حسب ) ، أي أصل أو مال ; لأنه يطلق عليهما ، وفي الصحيحين : ذات منصب ، أي أصل أو شرف ، ( وجمال ) ، أي مزيد حسن ، زاد في رواية للبخاري : إلى نفسها .

وللبيهقي عن أبي صالح عن أبي هريرة : " فعرضت نفسها عليه " ، والظاهر أنها دعته إلى الفاحشة ، وبه جزم القرطبي ، وقال غيره : يحتمل أنها دعته إلى التزويج بها ، فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها ، أو خاف أن لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها ، والأول أظهر ، ويؤيده الكناية في قوله إلى نفسها ، ولو أريد التزويج لصرح به .

( فقال : إني أخاف الله ) ، زاد في رواية : " رب العالمين " ، والظاهر أنه يقوله بلسانه ، إما ليزجرها عن الفاحشة ، أو ليعتذر إليها ، ويحتمل أن يقوله بقلبه ، قاله عياض ، وإنما يصدر هذا عن شدة خوف من الله ، ومتين تقوى وحياء كما قال القرطبي ; لأن الصبر على الموصوفة بأكمل الأوصاف التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن هي فيها ، وهو الحسب والمنصب المستلزم للجاه والمال مع الجمال ، وقل من يجتمع ذلك فيها من النساء من أكمل المراتب ، لكثرة الرغبة في مثلها ، وعسر تحصيلها لا سيما وقد أغنت من مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها .

( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها ) ، أي كتمها عن الناس ، ونكرها ليشمل ما تصدق به من قليل وكثير ، وظاهره يشمل المندوبة والمفروضة ، لكن نقل النووي عن العلماء : إن إظهار المفروضة أولى من إخفائها ( حتى لا تعلم ) ، بفتح الميم نحو : سرت حتى مغيب الشمس ، وضمها نحو : مرض حتى لا يرجونه ، ( شماله ما تنفق يمينه ) ، أي لو قدرت شماله رجلا متيقظا لما علم صدقة اليمين ، ذكر ذلك مبالغة في الإخفاء ، وضرب المثل بهما لقربهما وملازمتهما ، فهو من مجاز التشبيه ، ويؤيده رواية الجوزقي : تصدق بصدقة كأنما أخفى يمينه من شماله ، أو من مجاز الحذف ، أي ملك شماله ، أو من على شماله من الناس كأنه قيل : مجاور شماله ، وأبعد من قال : المراد بشماله نفسه من تسمية الكل باسم الجزء ، فإنه ينحل إلى أنه لا يعلم نفسه ما تنفق نفسه .

وقيل : المراد : لا يرائي بصدقته ، ولا يكتبها كاتب الشمال .

وحكى القرطبي عن بعض شيوخه أن معناه : أن يتصدق على الضعيف المكتسب في صورة الشراء لترويج سلعته ، أو رفع قيمتها ، واستحسنه ، قال الحافظ : وفيه نظر إن أراد أن هذه الصورة مراد الحديث خاصة ، وإن أراد أنها من صور الصدقة الخفية فمسلم ، ووقع في مسلم : " حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله " ، قال عياض : كذا في جميع نسخ [ ص: 546 ] مسلم التي وصلت إلينا ، وهو مقلوب ، والصواب الأول وهو وجه الكلام ; لأن السنة المعهودة في الصدقة إعطاؤها باليمين ، وقد ترجم عليه البخاري في الزكاة " باب الصدقة باليمين " ، قال : ويشبه أن الوهم فيه ممن دون مسلم ، واستدل لذلك بما نوزع فيه ، وعارضه الحافظ بأنه ليس ممن دونه ولا منه ، بل من شيخه زهير بن حرب ، أو شيخ شيخه يحيى القطان ، وبه جزم أبو حامد بن السراقي ، وفي جزمه نظر ; لأنه في البخاري ، وأحمد ، والإسماعيلي عن يحيى على الصواب ، وأطال في بيان ذلك .

وفي مسند أحمد بإسناد حسن عن أنس مرفوعا : " إن الملائكة قالت : رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال ؟ قال : نعم ، الحديد ، قالت : فهل أشد من الحديد ؟ قال : نعم النار ، قالت : فهل أشد من النار ؟ قال : نعم ، الماء ، قالت : فهل أشد من الماء ؟ قال : نعم الريح ، قالت : فهل أشد من الريح ؟ قال : نعم ابن آدم ، يتصدق بيمينه ، فيخفيها عن شماله " ، وذكر الرجل وصف طردي فالمرأة والخنثى مثله ، إلا في الإمامة العظمى ، ويمكن دخول المرأة في الإمام العادل حيث تكون ربة عيال ، فتعدل فيهم وإلا في ملازمة المسجد ; لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من المسجد ، وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن ، حتى الذي دعته المرأة فإنه يتصور في امرأة دعاها ملك جميل مثلا ، فامتنعت خوفا من الله مع حاجتها ، أو شاب جميل دعاه ملك أن يزوجه ابنته مثلا ، فخشي أن يرتكب منه الفاحشة ، فامتنع مع حاجته إليه .

وظاهر الحديث اختصاص السبعة المذكورين ، ووجهه الكرماني بما حاصله : إن الطاعة إما بين العبد والرب ، أو بينه وبين الخلق ، فالأول باللسان ، وهو الذاكر ، أو بالقلب ، وهو المعلق بالمسجد أو بالبدن ، وهو الناشىء بالعبادة .

والثاني عام وهو العادل ، أو خاص بالقلب وهو التحاب ، أو بالمال وهو الصدقة ، أو بالبدن وهو العفة ، انتهى .

لكن دل استقراء الأحاديث على أن هذا العدد لا مفهوم له ، فإن هذا الحديث رواه مسلم عن يحيى التميمي ، والترمذي من طريق معن بن عيسى كلاهما عن مالك به ، وتابعه عبيد الله بن عمر في الصحيحين ، ورواه أبو نعيم وغيره من وجه آخر ، عن أبي هريرة ، فقال بدل " وشاب نشأ في عبادة الله " ، : ورجل كان في سرية مع قوم فلقوا العدو فانكشفوا فحمى آثارهم ، وفي لفظ : أدبارهم حتى نجوا أو نجا أو استشهد ، قال الحافظ : حسن غريب جدا .

ورواه الحاكم ، والبيهقي من وجه آخر عن أبي هريرة ، فأبدل الشاب بقوله : ورجل تعلم القرآن في صغره ، فهو يتلوه في كبره .

ولعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن سليمان موقوفا ، وحكمه الرفع ، إذ لا يقال رأيا ، فقال بدل الإمام والشاب : ورجل يراعي الشمس لمواقيت الصلاة ، ورجل إن تكلم تكلم بعلم ، وإن سكت سكت عن حلم .

ولابن عدي عن أنس رفعه : أربعة في ظل الله ، فقد عد الشاب ، والمتصدق ، والإمام ، قال : ورجل تاجر اشترى ، وباع فلم يقل إلا [ ص: 547 ] حقا ، وسنده ضعيف ، لكن له طريق آخر عنه مرفوعا : التاجر الصدوق تحت ظل العرش يوم القيامة ، رواه الديلمي وغيره ، وهو ضعيف لكن له شواهد عن سليمان ، وعلي ، وأبي هريرة .

وروى مسلم وغيره عن أبي اليسر مرفوعا : " من أنظر معسرا ، أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " ، وفي زوائد المسند عن عثمان رفعه : " أظل الله عبدا في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، من أنظر معسرا أو ترك لغارم " ، وللطبراني عن شداد رفعه : " من أنظر معسرا ، أو تصدق عليه أظله الله في ظله يوم القيامة " ، والصدقة على المعسر أسهل من الوضع عنه فهي غيرها .

وللطبراني عن جابر مرفوعا : " أظل الله في ظله يوم القيامة من أنظر معسرا ، أو أعان أخرق " ، وفيه ضعف ، والأخرق من لا صنعة له ، ولا يقدر أن يتعلم صنعة .

ولأحمد ، والحاكم ، وغيرهما عن سهل بن حنيف رفعه : " من أعان مجاهدا في سبيل الله ، أو غارما في عسرته ، أو مكاتبا في رقبته ، أظله الله في ظله يوم لا ظل له إلا ظله " ، وإعانة الغارم غير الترك له ; لأنه أخص من إعانته فهذه عشرون .

ولابن عدي ، وصححه الضياء عن عمر مرفوعا : " من أظل رأس غاز أظله الله يوم القيامة " ، ولأبي الشيخ وغيره عن جابر رفعه : " ثلاث من كن فيه أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله : الوضوء على المكاره ، والمشي إلى المساجد في الظلم ، وإطعام الجائع " ، قال الحافظ : غريب وفيه ضعف ، لكن في الترغيب في كل من الثلاثة أحاديث قوية .

ورواه الطبراني عن جابر بلفظ : " من أطعم الجائع حتى يشبع أظله الله تحت ظل عرشه " ، وإشباع الجائع أخص من طلق إطعامه .

ولأبي الشيخ عن علي بإسناد ضعيف مرفوعا : " فمن لزم البيع والشراء ، فلا يذم إذا اشترى ، ولا يحمد إذا باع ، وليصدق الحديث ، ويؤد الأمانة ، ولا يتمنى للمؤمنين الغلاء " ، فإذا كان كذلك كان أحد السبعة الذين في ظل العرش ، وهذا قدر زائد على الصدق ، فيمكن أنها خصلة مستقلة ، وهي السادسة والعشرون .

وللطبراني عن أبي هريرة مرفوعا : " أوحى الله إلى إبراهيم أن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت ظل عرشي " ، وله عن جابر مرفوعا : " ومن كفل يتيما أو أرملة ، أظله الله في ظله يوم القيامة " ولأحمد عن عائشة : " أتدرون من السابق إلى ظل الله يوم القيامة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : الذين إذا أعطوا الحق قبلوه ، وإذا سئلوه بذلوه ، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم " ، قال الحافظ : غريب وفيه ابن لهيعة .

وللحاكم وغيره عن أبي ذر مرفوعا : " الحزين في ظل الله " غريب وفيه ضعف .

ولابن شاهين وغيره عن الصديق رفعه : " الوالي العادل ظل الله ورمحه في الأرض ، فمن نصحه في نفسه ، وفي عباد الله أظله الله بظله يوم لا ظل إلا ظله " ، ولأبي الشيخ وغيره عن الصديق مرفوعا : " من أراد أن يظله الله بظله ، فلا يكن على المؤمنين غليظا ، وليكن بالمؤمنين [ ص: 548 ] رحيما " ، ولابن السني ، والديلمي بإسناد واه عن الصديق ، وعمران بن حصين قالا : " قال موسى لربه : ما جزاء من عزى الثكلى ؟ قال : أظله في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي " ، ولابن أبي الدنيا عن فضيل بن عياض : " بلغني أن موسى قال : أي رب ، من يظل تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك ؟ قال : الذين يعودون المرضى ، ويشيعون الهلكى ، ويعزون الثكلى " ، ولأبي سعيد السكري بإسناد واه جدا عن علي رفعه : " السابقون إلى ظل العرش يوم القيامة طوبى لهم ، قال : من هم ؟ قال : شيعتك يا علي ومحبوك " ، والبيهقي عن أبي الدرداء : " قال موسى : يا رب من يستظل بظلك يوم لا ظل إلا ظلك ؟ قال : أولئك الذين لا ينظرون بأعينهم الزنى ، ولا يبتغون في أموالهم الربا ، ولا يأخذون على أحكامهم الرشا " ، قال الحافظ : غريب ليس في رواته من اتفق على تركه ، والظاهر أن حكمه الرفع ; لأن أبا الدرداء لم يأخذ عن أهل الكتاب .

والتيمي في ترغيبه عن ابن عمر مرفوعا : " ثلاثة يتحدثون في ظل العرش آمنين ، والناس في الحساب : رجل لم يأخذه في الله لومة لائم ، ورجل لم يمد يده إلى ما لا يحل له ، ورجل لم ينظر إلى ما حرم عليه " ، وروى طلحة بن علي بن الصقر عن ابن عباس ، قال : " من قرأ إذا صلى الغداة أول الأنعام إلى ويعلم ما تكسبون نزل إليه أربعون ألف ملك يكتب له مثل أعمالهم " الحديث ، وفيه : " فإذا كان يوم القيامة قال الله : امش في ظلي " .

وأبو الشيخ ، والديلمي عن أنس رفعه : " ثلاثة في ظل العرش يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله : واصل الرحم ، وامرأة مات زوجها وترك أيتاما صغارا ، فقالت : لا أتزوج حتى يموتوا أو يغنيهم الله ، وعبد صنع طعاما ، فأطاب صنعه ، وأحسن نفقته ، فدعا عليه الفقير والمسكين فأطعمهم لوجه الله " ، والطبراني عن أبي أمامة رفعه : " ثلاثة في ظل الله يوم القيامة : رجل حيث توجه علم أن الله معه ، ورجل دعته امرأة إلى نفسها ، فتركها من خشية الله ، ورجل يحب الناس لجلال الله فيه " ، متروك .

وروى الخطيب بسند ضعيف جدا عن أبي سعيد مرفوعا : " إن المؤذنين ممن يظل يوم القيامة " ، وأفرد المؤذن عن مراعي الشمس ; لأنه قد لا يكون مؤذنا .

والديلمي بلا سند عن أنس مرفوعا : " ثلاث تحت ظل العرش يوم القيامة ، يوم لا ظل إلا ظله : من فرج عن مكروب من أمتي ، وأحيا سنتي ، وأكثر الصلاة علي " ، والديلمي عن علي مرفوعا : " إن حملة القرآن في ظل الله مع أنبيائه وأصفيائه " ، ولا يلزم من حمله كونه تعلمه في صغره فهي غير السابقة .

ولأبي يعلى عن أنس رفعه : " إن المريض في ظل العرش " .

والديلمي عن أبي هريرة مرفوعا : " أهل الجوع في الدنيا خوفا من الله يستظلون يوم القيامة " ، والديلمي عن أبي الدرداء رفعه : " يوضع للصائمين موائد من ذهب تحت العرش " ، وفي أمالي ابن ناصر عن أبي سعيد رفعه : " من صام من رجب ثلاثة عشر [ ص: 549 ] يوما وضع الله له مائدة في ظل العرش " ، وهو شديد الوهى ، والحارث بن أبي أسامة عن علي مرفوعا : " من صلى ركعتين بعد ركعتي المغرب قرأ في كل ركعة الفاتحة ، و ( قل هو الله أحد ) خمس عشرة مرة ، جاء يوم القيامة فلا يحجب حتى ينتهي إلى ظل العرش " ، وهذا منكر .

والديلمي عن أنس مرفوعا : " إن أطفال المؤمنين تحت ظل العرش " ، والطبراني برجال ثقات عن ابن عمر مرفوعا : " إن إبراهيم ابنه - صلى الله عليه وسلم - تحت ظل العرش " ، ولأبي نعيم عن وهب : " قال موسى : إلهي من ذكر بلسانه وقلبه ؟ قال : أظله بظل عرشي " ، ولابن عساكر عن ابن مسعود : " إن الله قال لموسى : الذي لا يحسد الناس ، ولا يعق والديه ، ولا يمشي بالنميمة في ظل العرش " ، ولأحمد عن عطاء بن يسار : " أن موسى سأل الله من تؤويه في ظل عرشك ؟ قال : هم الطاهرة قلوبهم البرية أبدانهم ، الذين إذا ذكرت ذكروا بي ، وإذا ذكروا ذكرت بهم ، الذين ينيبون إلى ذكري ويغضون لمحارمي ، ويكلفون بحبي " ، زاد ابن المبارك : " الذين يعمرون مساجدي ، ويستغفروني بالأسحار " ، ولأبي نعيم : " إن الله قال لموسى : الذين أذكرهم ويذكروني في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي " ، والديلمي عن أنس مرفوعا : " يقول الله : قربوا أهل لا إله إلا الله من ظل عرشي ، فإني أحبهم " ، والمراد : خيار المؤمنين كما صرح به القرطبي .

وفي حديث مرفوع : " الشهداء في ظل العرش " ، ولأبي داود صحيحا عن ابن عباس مرفوعا : " إن شهداء أحد أرواحهم في أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش " ، والخطيب وغيره عن ابن عباس مرفوعا : " اللهم اغفر للمعلمين ، وأطل أعمارهم ، وأظلهم تحت ظلك ، فإنهم يعلمون كتابك " ، قال بعض الحفاظ : موضوع .

ولأبي الشيخ ، والديلمي عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعا : " ثلاثة تحت ظل العرش : القرآن يحاج العباد ، والأمانة ، والرحم ينادي ألا من وصلني وصله الله ، ومن قطعني قطعه الله " ، ولأبي نعيم عن كعب الأحبار عن التوراة : " من أمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر ، ودعا الناس إلى طاعتي ، فله صحبتي في الدنيا ، وفي القبر ، وفي القيامة ظلي " ، وفي أمالي ابن البختري عن جابر مرفوعا : " أنا في ظل الرحمن يوم القيامة " ، ويروى عن أحمد في مناقب علي - رضي الله عنه - : " أنه يسير يوم القيامة بلواء الحمد وهو حامله ، والحسن عن يمينه ، والحسين عن يساره ، حتى يقف بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين إبراهيم في ظل العرش " ، وعن أبي موسى رفعه : " أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين يوم القيامة في قبة تحت العرش " ، واعلم أن عد نبينا وإبراهيم وعلي وفاطمة والحسين ، لأنهم أخص من مطلق الأنبياء ، والأصفياء ، كما أن عد إبراهيم ابنه ; لأنه أخص من مطلق أولاد المؤمنين ، وشهداء أحد لأنهم أخص من مطلق الشهداء ، هذا خلاصة ما ذكره الحافظ السخاوي في مؤلفه قائلا : هذا ما يسر الله لي الوقوف عليه في [ ص: 550 ] مدة متطاولة ، وليس ذلك على وجه الحصر فيه ، بل باب الفضل مفتوح ، ووقف بها السيوطي إلى نيف وسبعين ، ونظمها ، واعترضه السخاوي بأنه أدرك ما لا تصريح فيه بالمراد منه في أحاديثه ، وإن أشعرت به كالزهد ، وقضاء الحوائج ، وصالح العبيد ، والإمام المرتضى للمؤمنين ، ولو أريد استيفاء ما شابه ذلك لزادت كثيرا ، وأطال في بيان ذلك ، وقد كنت لخصت تأليف السخاوي في وريقات ، ونظمت هذه الخصال تذييلا على بيت أبي شامة ، وأبيات الحافظ فقلت :


أتى في الموطأ والصحيحين سبعة     يظلهم الله الكريم بظله




أشار لهم نظما إمام زمانه     أبو شامة إذ قال في بيت وصله




محب عفيف ناشىء متصدق     وباك مصل والإمام بعدله




وزاد عليه العسقلاني بعده     ثلاثا من السبعات نظما بقوله




وزد سبعة إظلال غاز وعونه     وإنظار ذي عسر وتخفيف حمله




وحامي غزاة حين ولوا وعون ذي     غرامة حق مع مكاتب أهله




وزد مع ضعف سبعتين إعانة     لا خرق مع أخذ الحق وبذله




وكره وضوء ثم مشي لمسجد     وتحسين خلق ثم مطعم فضله




وكافل ذي يتم وأرملة وهت     وتاجر صدق في المقال وفعله




وحزن وتصبير ونصح ورأفة     تربع بها السبعات من فيض فضله




وقد زادها ستا بضعف ولم تقع     منظمة منه فخذ نظم جمله


فحب على ثم ترك الرشوة     زنا وربا حكم لغير كمثله




ومن أول الأنعام آي ثلاثة     عقيب صلاة الصبح غاية نفله




وأوصلها الشيخ السخاوي أربعا     وتسعين مع ضعف لإسناد جله




مراقب شمس للمواقيت ساكت     بحلم وعن علم يقول وعقله




ومن حفظ القرآن حالة صغره     وفي كبر يتلو وحامل كله




مريض وتشييع لميت عيادة     شهيد ومن في أحد فاز بقتله



[ ص: 551 ]

وعلم بأن الله معه وتاجر     أمين بلا مدح وذم لرحله




ومن لم يمد اليد نحو محرم     عليه ولم ينظر إلى غير حله




محسن طعم للفقير مصدق     على معسر ترك الغريم لعسره




وكافلة أيتامها بعد زوجها     ومشبع جوع ثم واصل أهله




محب الأناسي للجلال مؤذن     ومن لم يخف في الله لوما لعدله




كذا رحم ثم الأمانة بعدها     خيار ذوي التوحيد طيب فعله




مفرج كرب ثم محي لسنة     مصل على الهادي كثيرا بأجله




قران وأهل الجوع خوفا وصائم     ثلاثة عشر من رجب حوله




ومن يقرأ الإخلاص من بعد مغرب     ثلاثين في ثنتين من بعد نفله




وأطفال ذي الإيمان نجل نبينا     وغير حسود لا يعق لأصله




وطاهر قلب ليس يمشي نميمة     بريء ومكلوف بحب لربه




منيب ومذكور بذكر إلهه     لحرمته غضبان داع لسبله




وأمر بمعروف ونهي لمنكر     وذكر بقلب مع لسان لنبله




ومستغفر الأسحار عمار مسجد     كذلك سوام معلم طفله


ومن يذكر الرحمن مع ذكرهم له     كذا أنبياء الله مع أهل صفوه




خليل إله العرش فاطمة كذا     علي ونجلاه وخاتم رسله




عليه صلاة مع سلام به نرى     بحرمته يوم القيام بظله



التالي السابق


الخدمات العلمية