صفحة جزء
وحدثني عن مالك عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد أنه قال سمعت أبا هريرة يقول صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر فسلم في ركعتين فقام ذو اليدين فقال أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك لم يكن فقال قد كان بعض ذلك يا رسول الله فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال أصدق ذو اليدين فقالوا نعم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتم ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين بعد التسليم وهو جالس
211 209 - ( مالك عن داود بن الحصين ) بمهملتين مصغر الأموي مولاهم المدني وثقه ابن معين وروى له الستة .

وقال ابن حبان : من أهل الحفظ والإتقان ، ورمي برأي الخوارج ولكن لم يكن داعية .

قال أبو حاتم : لولا أن مالكا روى عنه لترك حديثه ، مات سنة خمس وثلاثين ومائة عن ثنتين وسبعين سنة .

( عن أبي سفيان ) اسمه وهب قاله الدارقطني ، وقال غيره : اسمه قزمان بضم القاف ، وإسكان الزاي ، قال ابن سعد : ثقة قليل الحديث روى له الستة .

( مولى ) عبد الله ( بن أبي أحمد ) بن جحش القرشي الأسدي الصحابي ، وابنه عبد الله ولد في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكره جماعة في ثقات التابعين .

( أنه قال : سمعت أبا هريرة يقول : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) كذا رواه يحيى ، وزاد ابن وهب والقعنبي والشافعي وابن القاسم وقتيبة لنا ففيه تصريح بحضور أبي هريرة القصة ( صلاة العصر ) جزم به في هذه الرواية ، ولمسلم عن أبي سلمة عن أبي هريرة : " بينما أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الظهر " وفي البخاري ومسلم من وجه آخر : الظهر أو العصر بالشك ، ولمسلم : إحدى صلاتي العشي ، قال ابن سيرين : سماهما أبو هريرة ولكن نسيت أنا .

وللبخاري عن ابن سيرين : [ ص: 349 ] وأكثر ظني أنها العصر ، قال الحافظ : والظاهر أن الاختلاف من الرواة ، وأبعد من قال يحمل على أن القصة وقعت مرتين بل روى النسائي من طريق ابن عون عن ابن سيرين أن الشك من أبي هريرة ولفظه : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي ، قال أبو هريرة : ولكن نسيت ، فالظاهر أن أبا هريرة روى الحديث كثيرا على الشك ، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر ، فجزم بها ، وتارة غلب على ظنه أنها العصر فجزم به ، وطرأ الشك في تعيينها أيضا على ابن سيرين وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصة من الأحكام اهـ .

وكذا قال الولي بن العراقي : الصواب أنها قصة واحدة وأن الشك من أبي هريرة لرواية النسائي المذكورة ، وإسنادها صحيح وأن الشك طرأ على ابن سيرين أيضا .

( فسلم في ركعتين فقال ذو اليدين ) الخرباق السلمي بضم السين ( فقال : أقصرت الصلاة ) بفتح القاف وضم الصاد ، أي صارت قصيرة وفي رواية : بضم القاف وكسر الصاد أي أقصرها الله والأولى أكثر وأرجح كما قال النووي ( يا رسول الله أم نسيت ؟ ) ولم يهب السؤال لأنه غلب عليه حرصه على تعلم الدين ، فاستصحب حكم الإتمام ، وأن الوقت قابل للنسخ وبقية الصحابة ترددوا بين استصحاب وتجويز النسخ فسكتوا ، وهاب الشيخان أن يكلماه لأنه غلب عليهما احترامه وتعظيمه مع علمهما أنه يبين بعد ذلك ، والسرعان بنوا على النسخ فخرجوا يقولون قصرت الصلاة ( فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك لم يكن ) أي لم أنس ولم تقصر كما في أكثر طرق حديث أبي هريرة ، وهو يؤيد قول أصحاب المعاني : لفظ كل إذا تقدم على النفي كان نافيا لكل فرد لا للمجموع ؛ لأنه من باب تقوية الحكم فيفيد التأكيد في المسند والمسند إليه ، ولا يصح أن يقال فيه بل كان بعضه بخلاف ما إذا تأخر ، كما لو قيل لم يكن كل ذلك إذ لا تأكيد فيه ، فيصح أن يقال بل كان بعضه ؛ ولذا أجابه ذو اليدين ( فقال : قد كان بعض ذلك يا رسول الله ) وأجابه في رواية أخرى بقوله : " بلى قد نسيت " لأنه لما نفى الأمرين وكان مقررا عند الصحابي أن السهو لا يجوز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان لا القصر ، وهو حجة لمن قال لا يجوز السهو على الأنبياء فيما طريقه التشريع ، وإن كان عياض حكى الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية وخص الخلاف بالأفعال لكنهم تعقبوه ، نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه بل يقع له بيان ذلك إما متصلا بالفعل كما في هذه القصة ، وإما غير متصل .

( فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس ) الذين صلوا معه ( فقال : أصدق ذو اليدين ؟ ) فيما قال ( فقالوا : نعم ) صدق [ ص: 350 ] ( فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتم ) بشد الميم كمل ( ما بقي من الصلاة ) وهو الركعتان ( ثم سجد سجدتين ) للسهو مثل سجوده للصلاة أو أطول كما في الحديث قبله ( بعد التسليم وهو جالس ) ففيه أن الإمام إنما يرجع عن يقينه لكثرة المأمومين لأنه - صلى الله عليه وسلم - سلم من ركعتين معتقدا الكمال فلم يرجع إلا بإخبار الجميع ، وجواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوا .

وقال سحنون إنما : يبني من سلم ركعتين كما في قصة ذي اليدين ؛ لأن ذلك وقع على غير القياس فيقتصر به على مورد النص ، وألزم بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشي فيمنعه مثلا في الصبح ، والذين قالوا يجوز البناء مطلقا قيدوه بما إذا لم يطل الفصل ، واختلفوا في قدر الطول فقيل بالعرف أو الخروج من المسجد أو قدر ركعة ، وعن أبي هريرة : قدر التي وقع فيها السهو ، وفيه أن السلام ونية الخروج من الصلاة سهوا لا يقطع الصلاة ، وأن سجود السهو بعد السلام إذا كان لزيادة لأنه زاد السلام والكلام ، وأن الكلام سهوا لا يقطع الصلاة خلافا للحنفية ، وزعم بعضهم أن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة ضعيف ، فقد ثبت شهود أبي هريرة للقصة كما تقدم وشهدها عمران بن حصين وكل منهما متأخر الإسلام ، وروى معاوية بن خديج بمهملة وجيم مصغر قصة أخرى في السهو ووقع فيها الكلام ثم البناء أخرجها أبو داود وابن خزيمة وغيرهما وكان إسلامه قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهرين .

وقال ابن بطال : يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم ونهينا عن الكلام أي إلا إذا وقع عمدا لمصلحة الصلاة فلا يعارض قصة ذي اليدين ، وفيه أن تعمد الكلام لإصلاح الصلاة لا يبطلها ، وتعقب بأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما تكلم ناسيا ، وأما قول ذي اليدين له قد كان بعض ذلك ، أو بلى قد نسيت ، وقول الصحابة له صدق فإنهم تكلموا معتقدين للنسخ في وقت يمكن وقوعه فيه ، فتكلموا ظنا أنهم ليسوا في صلاة كذا قيل وهو فاسد ، لأنهم تكلموا بعد قوله - صلى الله عليه وسلم - لم تقصر ، والجواب بأنهم لم ينطقوا وإنما أومأوا كما في رواية لأبي داود إطلاق القول على الإشارة مجاز سائغ مدفوع بأن هذا خلاف ظاهر روايات الأكثرين ، وبقول ذي اليدين : بلى قد نسيت أو قد كان بعض ذلك ، فنرجح كونهم نطقوا وانفصل عنه من قال كأن نطقهم جوابا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وجوابه لا تبطل به الصلاة ، وفيه أن اليقين لا يترك إلا باليقين لأن ذا اليدين كان على يقين أنها أربع ، فلما اقتصر على اثنين سأل ولم ينكر عليه سؤاله ، وإن الظن قد يصير يقينا بخبر أهل الصدق بناء على أنه - صلى الله عليه وسلم - رجع لخبر الجماعة ، وفيه أن الإمام يرجع لقول المأمومين في أفعال الصلاة ، ولو لم يتذكر إذا كثروا جدا بحيث يفيد خبرهم العلم ، وبه قال مالك وأحمد وغيرهما ، وفيه غير هذا مما يطول وأخرجه مسلم عن قتيبة بن سعيد عن مالك به .

التالي السابق


الخدمات العلمية