صفحة جزء
وحدثني عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سأل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فقالت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا فقالت عائشة فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر فقال يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي
265 262 - ( مالك عن سعيد بن أبي سعيد ) كيسان ( المقبري ) بفتح الميم وسكون القاف وضم الموحدة وفتحها نسبة إلى المقبرة لأنه كان مجاورا لها ( عن أبي سلمة ) إسماعيل أو عبد الله أو اسمه كنيته ( ابن عبد الرحمن بن عوف ) الزهري التابعي ابن الصحابي ( أنه سأل عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان ؟ فقالت : ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة ) أي غير ركعتي الفجر كما في رواية القاسم عنها ، وفيه أن صلاته كانت متساوية في جميع السنة ولا ينافي ذلك حديثها كان - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر يتهجد فيه ما لا يتهجد في غيره لأنه يحمل على التطويل في الركعات دون الزيادة في العدد وما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس كان - صلى الله عليه وسلم - يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر فإسناده ضعيف ، وقد عارضه هذا الحديث الصحيح مع [ ص: 432 ] كون عائشة أعلم بحال النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلا من غيرها .

قال الحافظ : وظهر لي أن الحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة أن التهجد والوتر مختص بصلاة الليل ، وفرائض النهار الظهر وهي أربع ، والعصر وهي أربع ، والمغرب وهي ثلاث وتر النهار ، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد جملة وتفصيلا .

وأما مناسبة ثلاثة عشر فبضم صلاة الصبح لكونها نهارية إلى ما بعدها انتهى .

وتعقب بأن الصبح نهارية لقوله تعالى : وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ( سورة البقرة : الآية 187 ) والمغرب ليلية لحديث : " إذا أقبل الليل من ها هنا فقد أفطر الصائم " ويرد بقوله - صلى الله عليه وسلم - : " صلاة المغرب وتر النهار فأوتروا صلاة الليل " إسناده صحيح كما قاله الحافظ العراقي ، فأضيفت إلى النهار لوقوعها عقبه فهي نهارية حكما ليلية حقيقة كما يأتي قريبا .

( يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ) أي إنهن في نهاية من كمال الحسن والطول مستغنيات بظهور ذلك عن السؤال عنه .

( ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ) يعني أربعا في الطول والحسن وترتيل القراءة ونحو ذلك ، فلا ينافي أنه كان يجلس في كل ركعتين ويسلم لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " صلاة الليل مثنى مثنى " ومحال أن يأمر بشيء ويفعل خلافه وإلى هذا ذهب فقهاء وجماعة من أهل العراق وذهب قوم إلى أن الأربع لم يكن بينهما سلام ، وقال بعضهم : ولا جلوس إلا في آخرها ويرد عليه أن في رواية عروة عن عائشة : " أنه كان يسلم من كل ركعتين " ذكره في التمهيد اهـ .

( ثم يصلي ثلاثا ) يوتر منها بواحدة كما في حديثها فوقه والركعتان شفع ( فقالت عائشة : فقلت ) بفاء العطف على السابق ( يا رسول الله أتنام قبل أن توتر ؟ ) بهمزة الاستفهام الاستخباري لأنها لم تعرف النوم قبل الوتر لأن أباها كان لا ينام حتى يوتر وكان يوتر أول الليل ، فكان مقررا عندها أن لا نوم قبل الوتر فأجابها - صلى الله عليه وسلم - بأنه ليس كغيره ( فقال : يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ) لأن القلب إذا قويت حياته لا ينام إذا نام البدن ولا يكون ذلك إلا للأنبياء كما قال - صلى الله عليه وسلم - " إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا " ولذا قال ابن عباس وغيره من العلماء : رؤيا الأنبياء وحي ولو سلط النوم على قلوبهم كانت رؤياهم كرؤيا من سواهم ، ولذا كان - صلى الله عليه وسلم - ينام حتى ينفخ ويسمع غطيطه ثم يصلي ولا يتوضأ لأن الوضوء إنما يجب بغلبة النوم على القلب لا على العين ، ولا يعارض نومه بالوادي لأن رؤية الفجر متعلق بالعين لا [ ص: 433 ] بالقلب كما مر مبسوطا .

قال ابن عبد البر : في هذا الحديث تقديم وتأخير لأن السؤال بعد ذكر الوتر ومعناه أنه كان ينام قبل صلاته وهذا يدل على أنه كان يقوم ثم ينام ثم يقوم ثم ينام ثم يقوم فيوتر ، ولذا جاء الحديث : " أربعا ثم أربعا ثم ثلاثا " أظن ذلك ، والله أعلم ، من أجل أنه كان ينام بينهن فقال : أربعا ثم أربعا تعني بعد نوم ثم ثلاث بعد نوم ولذا قالت : أتنام قبل أن توتر ؟ وقد قالت أم سلمة : " كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى ثم يصلي قدر ما ينام ثم ينام قدر ما صلى " الحديث ، يعني فهذا شاهد لحمل خبر عائشة على ما ذكر .

وأخرجه البخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف ، وفي الصوم عن إسماعيل ، وفي الصفة النبوية عن القعنبي ومسلم عن يحيى وأصحاب السنن الثلاثة عن قتيبة ، ومن طريق ابن القاسم وابن مهدي والترمذي من طريق معن الثمانية عن مالك به .

التالي السابق


الخدمات العلمية