صفحة جزء
باب النهي عن الصلاة بالهاجرة

حدثني يحيى عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة وقال اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين في كل عام نفس في الشتاء ونفس في الصيف
[ ص: 109 ] 7 - باب النهي عن الصلاة بالهاجرة

وهي نصف النهار عند اشتداد الحر قاله الجوهري وغيره ، والنهي للكراهة ، وهو مأخوذ من مفهوم أحاديث الباب .

27 27 - ( مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ) هذا مرسل يقويه الأحاديث المتصلة التي رواها مالك وغيره من طرق كثيرة قاله أبو عمر ، وقول البوني : قدم المرسل على الحديث بعده وهو مسند لأنه يراهما سواء إذ لا يروي عن غير عدل ، بل قد يكون الراوي إذا ترك ذكر من روى عنه أقوى لأنه استقل بعلم حاله من ذكره لأنه وكله إلى من نقله إليهم مبني على قول ضعيف حكاه في أول التمهيد .

( إن شدة الحر من فيح ) بفتح الفاء وإسكان التحتية وحاء مهملة ( جهنم ) أي من سعة انتشارها وتنفسها ومنه مكان أفيح أي متسع وهذا كناية عن شدة استعارها ، وظاهره أن مثار وهج الحر في الأرض من فيحها حقيقة وعليه الجمهور ، وقيل هو من مجاز التشبيه أي كأنه نار جهنم في الحر فاجتنبوا ضرره ، قال عياض : كلا الحملين ظاهر ، وحمله على الحقيقة أولى ، قال الحافظ : ويؤيده قوله : اشتكت . . . إلخ .

وقال النووي : إنه الصواب لأنه ظاهر الحديث ولا مانع من حمله على حقيقته فوجب الحكم بأنه على ظاهره ، وجهنم اسم أعجمي عند أكثر النحاة ، وقيل عربي ولم يصرف للتأنيث والعلمية سميت بذلك لبعد قعرها كما في المحكم .

( فإذا اشتد ) أصله اشتدد بوزن افتعل من الشدة ثم أدغمت إحدى الدالين في الأخرى ( الحر فأبردوا ) بقطع الهمزة وكسر الراء أي أخروا إلى أن يبرد الوقت ، يقال : أبرد إذا دخل في البرد ، وأظهر إذا دخل في الظهيرة ، ومثله في المكان أنجد وأتهم إذا دخل نجدا وتهامة .

( عن الصلاة ) أي بالصلاة كما جاء في رواية ، وعن تأتي بمعنى الباء كرميت عن القوس أي به ، قاله عياض وبه جزم النووي ، قال عياض : أو زائدة أي أبردوا الصلاة يقال : أبرد الرجل كذا إذا فعله في برد النهار واختاره في القبس ، أو للمجاوزة أي تجاوزوا عن وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر .

وقال الخطابي : أي تأخروا عن الصلاة مبردين أي داخلين في وقت الإبراد .

( وقال ) - صلى الله عليه وسلم - ( اشتكت النار إلى ربها ) حقيقة بلسان المقال [ ص: 110 ] ( فقالت : يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها ) ربها تعالى ( بنفسين ) بفتح الفاء تثنية نفس وهو ما يدخل في الجوف ويخرج منه من الهواء ، فشبه الخارج من حرارتها وبردها إلى الدنيا بالنفس الخارج من جوف الحيوان ، وقيل : شكواها مجاز بلسان الحال ، أو تكلم خازنها أو من شاء الله عنها ، قال ابن عبد البر : لكلا القولين وجه ونظائر ، والأرجح حمله على الحقيقة ، أنطقها الله الذي أنطق كل شيء ، وقال عياض : إنه الأظهر ، والله قادر على خلق الحياة بجزء منها حتى تتكلم أو يخلق لها كلاما يسمعه من شاء من خلقه .

وقال القرطبي : لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقته وإذا أخبر الصادق بأمر جائز لم يحتج إلى تأويله فحمله على حقيقته أولى .

وقال النووي : الصواب الحقيقة ، وجعل الله فيها إدراكا وتمييزا بحيث تكلمت ، وقال بهذا نحوه التوربشتي ، ورجح البيضاوي المجاز فقال : شكواها مجاز عن غليانها ، وأكل بعضها بعضا مجاز عن ازدحام أجزائها ، وتنفسها مجاز عن خروج ما يبرز منها .

وقال الزين بن المنير : المختار الحقيقة لصلاحية القدرة لذلك ولأن استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل له والإذن والقبول والنفس وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز خارج عما ألف من استعماله . ( في كل عام نفس في الشتاء ونفس في الصيف ) هما بالجر على البدل أو البيان ، ويجوز الرفع بتقدير أحدهما والنصب بتقدير أعني .

التالي السابق


الخدمات العلمية