صفحة جزء
وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا
291 288 - ( مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ) هكذا لجميع رواة الموطأ ، ورواه [ ص: 460 ] عبد الملك بن زياد النصيبي ويحيى بن محمد بن عباد عن مالك عن الزهري عن أبي سلمة ، ورواه الشافعي وروح بن عبادة وعمار بن مطر عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج ( عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة ) بالتاء وفي رواية بحذفها ( وعشرين جزءا ) ولا بد من تقدير أي صلاة أحدكم في جماعة ، وإلا فظاهره أن صلاة كل الجماعة أفضل من صلاة الواحد وليس بمراد ، ويدل على التقدير رواية صلاة الرجل ، وفي رواية جويرية بن أسماء عن مالك بهذا الإسناد : " فضل صلاة الجماعة على صلاة أحدكم خمس وعشرون صلاة " ، ومعنى الدرجة أو الجزء حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للجميع لما في مسلم في بعض طرقه بلفظ : صلاة الجماعة تعدل خمسا وعشرين من صلاة الفذ .

وفي أخرى : صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده .

ولأحمد بسند حسن عن ابن مسعود نحوه وقال في آخره : كلها مثل صلاته وهو مقتضى لفظ أبي هريرة في البخاري ومسلم حيث قال : لا تضعف لأن الضعف كما قال الأزهري المثل أي ما زاد وليس بمقصور على المثلين ، يقال : هذا ضعف الشيء أي مثله أو مثلاه فصاعدا لكن لا يزاد على العشرة ، وظاهر قوله تضعف ، وقوله في رواية أخرى تزيد ، أن صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد وتزيد عليها العدد المذكور فيكون لمصلي الجماعة ثواب ست أو ثمان وعشرين صلاة من صلاة المنفرد .

قال ابن عبد البر : يحتمل لفظ الحديث صلاة النافلة ، والمتخلف عن الفريضة لعذر ، والمتخلف عنها بلا عذر لكن ، لما قال : "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة " علم أنه لم يرد النافلة ولما قال : من غلبه على صلاته نوم كتب له أجرها .

وقال : إذا كان للعبد عمل يعمله فمنعه منه مرض أمر الله كاتبيه أن يكتبا ما كان يعمل في صحته .

وما في معنى ذلك من الأحاديث علم أن المتخلف لعذر لم يقصد تفضيل غيره عليه ، فإذا بطل هذان الوجهان صح أن المراد من تخلف بلا عذر وأنه لم يفاضل بينهما إلا وهما جائزان غير أن أحدهما أفضل من الآخر انتهى .

ومر الجمع بين هذا وما قبله باثني عشر وجها وأن ذلك لا يدرك بقياس ، قال التوربشتي : ولعل الفائدة هي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة والاقتداء بالإمام وإظهار شعائر الإسلام وغير ذلك ، وتعقب بأن هذا لا يفيد المطلوب ، لكن أشار الكرماني إلى احتمال أن أصله كون المكتوبات خمسا فأريد المبالغة في تكثيرها فضربت في مثلها فصارت خمسا وعشرين ، ثم ذكر للسبع مناسبة أيضا من جهة ركعات عدد الفرائض وروايتها ، وقال غيره : الحسنة بعشر للمصلي منفردا فإذا انضم إليه آخر بلغت عشرين ثم زيد بقدر عدد الصلوات الخمس أو بعدد أيام الأسبوع قال [ ص: 461 ] الحافظ : ولا يخفى فساد هذا ، وقيل : الأعداد عشرات ومئين وألوف وخير الأمور الوسط فاعتبرت المائة والعدد المذكور ربعها وهذا أشد فسادا مما قبله .

وقال السراج البلقيني : ظهر لي في هذين العددين شيء لم أسبق إليه ، لأن لفظ ابن عمر صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ ومعناه الصلاة في الجماعة كما في حديث أبي هريرة : صلاة الرجل في الجماعة يعني في بعض الإشارة في البخاري وغيره ، قال : وعلى هذا فكل واحد من المحكوم له بذلك صلى في جماعة ، وأدنى الأعداد التي يتحقق فيها ذلك ثلاثة حتى يكون كل واحد صلى في جماعة ، وكل واحد منهم أتى بحسنة وهي بعشرة فتحصل من مجموعه ثلاثون فاقتصر في الحديث على الفضل الزائد وهي سبعة وعشرون دون الثلاثة التي هي أصل ذلك انتهى .

قال الحافظ : وظهر لي في الجمع بين العددين أن أقل الجماعة إمام ومأموم ، فلولا الإمام ما سمي المأموم مأموما وكذا عكسه ، فإذا تفضل الله تعالى على من صلى جماعة بزيادة خمس وعشرين درجة حمل الخبر الوارد بفضلها على الفضل الزائد ، والخبر الوارد بلفظ سبع وعشرين على الأصل والفضل ، وقد خاض قوم في تعيين الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة وما جاءوا بطائل ، قاله ابن الجوزي .

لكن في حديث أبي هريرة إشارة إلى بعضها يعني : قوله : " وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة ، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ، اللهم صل عليه اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة " رواه الشيخان ، ويضاف إليه أمور أخرى وردت في ذلك وقد نقحتها وحذفت ما لا يختص بصلاة الجماعة ، فأولها : إجابة المؤذن بنية الصلاة جماعة ، والتبكير إليها في أول الوقت ، والمشي إلى المسجد بالسكينة ، ودخول المسجد داعيا ، وصلاة التحية ثم دخوله كل ذلك بنية الصلاة في جماعة ، وانتظار الجماعة ، وصلاة الملائكة عليه ، وشهادتهم له وإجابة الإقامة ، والسلامة من الشيطان إذا انفرد عند الإقامة .

حادي عشرها : الوقوف منتظرا إحرام الإمام أو الدخول معه في أي هيئة وجده عليها .

ثاني عشرها : إدراك تكبيرة الإحرام لذلك .

ثالث عشرها : تسوية الصفوف وسد فرجها .

رابع عشرها : جواب الإمام عند قوله سمع الله لمن حمده .

خامس عشرها : الأمن من السهو غالبا وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتح عليه .

سادس عشرها : حصول الخشوع والسلامة مما يلهي غالبا .

سابع عشرها : تحسين الهيئة غالبا .

ثامن عشرها : احتفاف الملائكة به .

تاسع عشرها : التدرب على تجويد القراءة وتعلم الأركان والأبعاض .

العشرون : إظهار شعار الإسلام .

الحادي والعشرون : إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل .

الثاني والعشرون : السلامة من صفة النفاق ومن إساءة غيره [ ص: 462 ] الظن بأنه تارك الصلاة رأسا .

الثالث والعشرون : نية رد السلام على الإمام .

الرابع والعشرون : الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر وعود بركة الكامل على الناقص .

الخامس والعشرون : قيام نظام الألفة بين الجيران وحصول تعاهدهم في أوقات الصلوات .

فهذه خمس وعشرون خصلة ورد في كل منها أمر أو ترغيب يخصه ، وبقي منها أمران يختصان بالجهرية وهما : الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها ، والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمينه تأمين الملائكة ، وبهذا يترجح أن السبع تختص بالجهرية ولا يرد على الخصال المذكورة أن بعضها يختص ببعض من صلى جماعة دون بعض كالتبكير في أول الوقت ، وانتظار الجماعة ، وانتظار إحرام الإمام ونحو ذلك ، لأن أجر ذلك يحصل لقاصده بمجرد النية ولو لم يقع ، ومقتضى الخصال المذكورة اختصاص التضعيف بالمسجد وهو الراجح في نظري ، وعلى تقدير أن لا يختص بالمسجد فإنما يسقط مما ذكرته ثلاثة : المشي والدخول والتحية ، فيمكن أن تعوض من بعض ما ذكر مما يشتمل على خصلتين متقاربتين أقيمتا مقام خصلة واحدة كالأخيرتين ، لأن منفعة الاجتماع على الدعاء والذكر غير منفعة عود بركة الكامل على الناقص ، وكذا فائدة قيام نظام الألفة غير فائدة حصول التعهد ، وكذا فائدة أمن المأمومين من السهو غالبا غير فائدة تنبيه الإمام إذا سها ، فهذه ثلاثة تعوض بها الثلاثة المذكورة فيحصل المطلوب ، قال : ودل حديث الباب على تساوي الجماعات في الفضل سواء كثرت أو قلت ، لأنه ذكر فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة فيدخل فيه كل جماعة ، قاله بعض المالكية يعني ابن عبد البر وقواه بما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي قال : إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعة لهما التضعيف وهو مسلم في أصل الحصول لكنه لا ينفي مزيد الفضل لما كان أكثر لا سيما مع وجود النص المصرح به وهو ما رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وغيره عن أبي بن كعب مرفوعا : " صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وما كثر فهو أحب إلى الله " وله شاهد قوي في الطبراني من حديث قباث بن أشيم وهو بفتح القاف والموحدة بعد الألف مثلثة وأبوه بمعجمة بعدها تحتانية بوزن أحمر ، وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال : " فضل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد خمس وعشرون درجة فإن كانوا أكثر فعلى عدد من في المسجد ، فقال رجل : وإن كانوا عشرة آلاف ؟ قال : نعم " وهذا موقوف له حكم الرفع لأنه لا يقال بالرأي لكنه غير ثابت انتهى .

وهذا الحديث أخرجه مسلم عن يحيى عن مالك به ، ورواه الشيخان من رواية شعيب عن الزهري عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة به بزيادة علمت .

التالي السابق


الخدمات العلمية