صفحة جزء
وحدثني عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب قالت فسلمت عليه فقال من هذه فقلت أم هانئ بنت أبي طالب فقال مرحبا بأم هانئ فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد ثم انصرف فقلت يا رسول الله زعم ابن أميعلي أنه قاتل رجلا أجرته فلان بن هبيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ قالت أم هانئ وذلك ضحى
359 357 - ( مالك عن أبي النضر ) بفتح النون وسكون المعجمة سالم بن أبي أمية ( مولى عمر بن عبيد الله ) بضم العين ( أن أبا مرة ) بضم الميم وشد الراء ( مولى عقيل بن أبي طالب ) حقيقة أو مجازا ، وللأويسي والقعنبي والتنيسي مولى أم هانئ .

( أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول : ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ) لمكة في رمضان سنة ثمان ( فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب ) جملتان حاليتان ، وفيه ستر المحارم عند الاغتسال وذلك مباح حسن ، وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي دليل عن أم هانئ : " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة واغتسل وصلى ثماني ركعات فلم أر صلاة قط أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود " ، فظاهر هذا أن الاغتسال وقع في بيتها ، قال الحافظ : ويجمع بينهما بأن ذلك تكرر منه ، ويؤيده ما رواه ابن خزيمة من طريق مجاهد عن أم هانئ أن أبا ذر ستره لما اغتسل ، وفي هذه الرواية أن فاطمة سترته ، ويحتمل أنه نزل في بيتها بأعلى مكة وكانت هي في بيت آخر بمكة فجاءت إليه فوجدته يغتسل فيصح القولان ، وأما الستر فيحتمل أن أحدهما ستره في ابتداء الغسل والآخر في أثنائه ، ( قالت : فسلمت عليه فقال ) [ ص: 524 ] بعد رد السلام ولم تذكره للعلم به ، قال أبو عمر : فيه جواز السلام على من يغتسل ورده عليه ، ( من هذه ؟ ) يدل على أن الستر كان كثيفا وعلم أنها امرأة لأن ذلك الموضع لا يدخل عليه فيه الرجال ، واحتج به من رد شهادة الأعمى لأنه صلى الله عليه وسلم لم يميز صوت أم هانئ مع علمه بها ، قال الباجي : ولا حجة له فيه لأن من يجيز ذلك لا يقول أن كل من يسمع يميز صوته .

( فقلت : أم هانئ بنت أبي طالب ) فيه إيضاح الجواب غاية التوضيح كما في ذكر الكنية والنسب هنا ، ( فقال : مرحبا بأم هانئ ) بباء الجر وفي رواية يا أم هانئ بياء الندا والأولى رواية الأكثر كما في المشارق أي لقيت رحبا وسعة ، وفيه كرم الأخلاق وتأنيس الأهل .

( فلما فرغ من غسله ) بضم الغين ( قام فصلى ثماني ركعات ) بكسر النون وفتح الياء مفعول فصلى حال كونه ( ملتحفا ) . أي ملتفا ( في ثوب واحد ) زاد كريب عن أم هانئ : يسلم من كل ركعتين أخرجه ابن خزيمة ، وفيه رد على من تمسك به لصلاتها موصولة سواء صلى ثمانية أو أقل ، وللطبراني عن ابن أبي أوفى أنه صلى ركعتين فسألته امرأته فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح ركعتين ورأتأم هانئ بقية الثمان وهذا يقوي أنه صلاها مفصولة ، ( ثم انصرف ) من صلاته ( فقلت : يا رسول الله زعم ) أي قال أو ادعى ( ابن أم علي ) وهي شقيقته أمهما فاطمة بنت أسد بن هاشم لكن خصت الأم لأنها آكد في القرابة ، ولأنها بصدد الشكاية في إخفار ذمتها فذكرت ما بعثها على الشكوى حيث أصيبت من محل يقتضي أن لا تصاب منه لما جرت العادة أن الأخوة من جهة الأم أشد في الحنان والرعاية من غيرها ، قال ابن عبد البر : كانوا يسمون كل شقيق بابن أم دون الأب ليدلوا على قرب المحل من النفس إذ جمعهم بطن واحد قال هارون : ( يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ) ( سورة طه : الآية 94 ) ، ( ابن أم إن القوم استضعفوني ) ( سورة الأعراف : الآية 150 ) وهما شقيقان .

( أنه قاتل رجلا أجرته ) بالراء أي أمنته ، وفيه إطلاق اسم الفاعل على من عزم على التلبس بالفعل وفي تأخيرها سؤال حاجتها حتى قضى صلاته جميل أدب وحسن تناول .

( فلان ) بدل من رجلا أو من الضمير المنصوب ، وبالرفع بتقدير هو فلان ( ابن هبيرة ) بضم الهاء وفتح الموحدة ابن أبي وهب بن عمر المخزومي زوج أم هانئ ولدت منه أولادا منهم هانئ الذي كنيت به ، قال الحافظ : وعند أحمد والطبراني من طريق أخرى عن أبي مرة عن أم هانئ أني قد أجرت حموين لي ، قال أبو العباس بن شريح وغيره : هما جعدة بن هبيرة ورجل آخر من مخزوم كانا فيمن قاتل خالد بن الوليد ولم [ ص: 525 ] يقبلا الأمان فأجارتهما أم هانئ فكانا من أحمائها .

وقال ابن الجوزي : إن كان ابن هبيرة منها فهو جعدة كذا قال وجعدة فيمن له روية ولم يصح له صحبة ، وذكره من حيث الرواية في التابعين البخاري وابن حبان وغيرهما ، فكيف يتهيأ لمن هذا سبيله في صغر السن أن يكون عام الفتح مقاتلا حتى يحتاج إلى الأمان ؟ ثم لو كان ابن أم هانئ لم يهم علي بقتله لأنها كانت قد أسلمت وهرب زوجها وترك ولدها عندها ، وجوز ابن عبد البر أن يكون ابنا لهبيرة من غيرها مع نقله أن أهل النسب لم يذكروا لهبيرة ولدا من غير أم هانئ ، وجزم ابن هشام في تهذيب السيرة بأن اللذين أجارتهما أم هانئ هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية المخزوميان ، وروى الأزرقي بسند فيه الواقدي في حديث أم هانئ هذا أنهما الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة ، وحكى بعضهم أنهما الحارث وهبيرة بن أبي وهب وليس بشيء لأن هبيرة هرب عند فتح مكة إلى نجران ، فلم يزل بها مشركا حتى مات كما جزم به ابن إسحاق وغيره ، فلا يصح ذكره فيمن أجارته أم هانئ .

والذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفا كأنه كان فيه فلان ابن عم هبيرة فسقط لفظ عم ، أو كان فيه فلان قريب هبيرة فتغير لفظ قريب بلفظ ابن ، وكل من الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية وعبد الله بن أبي ربيعة يصح وصفه بأنه ابن عم هبيرة وقريبه لكون الجميع من بني مخزوم .

( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أجرنا من أجرت ) أي أمنا من أمنت ( يا أم هانئ ) قال ابن عبد البر : فيه جواز أمان المرأة وإن لم تكن تقاتل ، وبه قال الجمهور منهم الأئمة الأربعة ، وقال ابن الماجشون : إن أجازه الإمام جاز وإلا رد لقوله : أجرنا من أجرت .

وأجاب الجمهور بأنه إنما قال ذلك تطييبا لنفسها بإسعافها وإن كانت صادفت حكم الله في ذلك ، وقد خرج قاسم بن أصبغ هذا الحديث بلفظ : " أتاني يوم الفتح حموان فأجرتهما فأتى علي يريد قتلهما ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالأبطح بأعلى مكة ، فقلت : يا رسول الله إني أمنت حموين لي وإن ابن أمي عليا يريد قتلهما ، فقال : ما كان له ذلك " ، وفي رواية : " ليس له ذلك قد أجرنا من أجرت " ، ففي قوله : ليس له ذلك دليل على صحة هذا القول ، ويدل عليه الحديث الآخر : " المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم " إذ معنى يسعى بذمتهم يجوز تأمين المسلم ولو كان ذميا أو امرأة أو عبدا اهـ .

وحكى ابن المنذر الإجماع على جواز تأمين المرأة إلا ابن الماجشون وحكاه غيره عن سحنون أيضا .

( قالت أم هانئ : وذلك ضحى ) أي صلاة ضحى ففيه إثبات استحباب الضحى ، وقال قوم : إنه لا دلالة فيه على ذلك .

قال عياض : لأنها إنما أخبرت عن وقت صلاته ، قالوا : وإنما هي سنة الفتح وقد صلاها خالد بن الوليد في بعض فتوحه كذلك ، وقال السهيلي : هذه الصلاة تعرف عند العلماء بصلاة الفتح وكان الأمراء يصلونها إذا فتحوا بلدا ، قال ابن [ ص: 526 ] جرير : صلاها سعد بن أبي وقاص حين افتتح المداين في إيوان كسرى ، قال وهي ثمان ركعات لا يفصل بينها وتصلى بإمام .

قال السهيلي : ومن سننها أيضا أن لا يجهر فيها بالقراءة ، والأصل فيها صلاته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ، وقيل : إنها كانت قضاء عما شغل عنه تلك الليلة من حزبه ، وتعقب ذلك النووي بأن الصواب صحة الاستدلال به لما رواه أبو داود وغيره من طريق كريب عن أم هانئ : " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثمان ركعات يسلم من كل ركعتين " ولمسلم في كتاب الطهارة من طريق أبي مرة عنها : " ثم صلى ثمان ركعات لسبحة الضحى " ، وروى ابن عبد البر في التمهيد من طريق عكرمة بن خالد عن أم هانئ قالت : " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح مكة فنزل بأعلى مكة فصلى ثمان ركعات فقلت : ما هذه الصلاة ؟ قال : هذه صلاة الضحى " واستدل به على أن أكثر الضحى ثمان ركعات ، واستبعده السبكي ولكن وجه بأن الأصل في العبادة التوقيف وهذا أكثر ما ورد من فعله صلى الله عليه وسلم ، وورد أنه صلى الضحى ركعتين كما في الصحيح من حديث عتبان والطبراني وابن عدي عن ابن أبي أوفى .

وفي مسلم عن عائشة : " كان صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعا " ، وفي الطبراني عن جابر : " أنه صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ست ركعات " ، وورد من قوله زيادة على ذلك كحديث أنس مرفوعا : " من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا في الجنة " أخرجه الترمذي واستغربه وضعفه النووي في شرح المهذب ، قال الحافظ : وليس في إسناده من أطلق عليه الضعف ، وللطبراني عن أبي الدرداء مرفوعا : " من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين ، ومن صلى أربعا كتب من القانتين ، ومن صلى ستا كفي ذلك اليوم ، ومن صلى ثمانيا كتب من العابدين ، ومن صلى ثنتي عشرة ركعة بنى الله ل ه بيتا في الجنة " وفي إسناده ضعف أيضا .

وله شاهد عن أبي ذر ثم البزار وفي إسناده ضعف أيضا ، لكن إذا ضما إلى حديث أنس قوي وصلح للاحتجاج به ، ونقل الترمذي عن أحمد أن أصح شيء ورد في الباب حديث أم هانئ وهو كما قال ، وقد أخرجه البخاري في مواضع عن عبد الله بن مسلمة وعن إسماعيل بن أبي أويس وعن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى أربعتهم عن مالك به وله طرق .

وفي مسلم عن عبد الله بن الحارث الهاشمي : سألت وحرصت على أن أحدا من الناس يخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم سبح سبحة الضحى فلم أجد غير أم هانئ حدثتني فذكر الحديث .

وعبد الله بن الحارث هو ابن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ذكر في الصحابة لأنه ولد على عهده صلى الله عليه وسلم ، وبين في رواية ابن ماجه وقت سؤاله فقال : سألت في زمن عثمان والناس متوافرون .

التالي السابق


الخدمات العلمية