صفحة جزء
باب جامع الترغيب في الصلاة

حدثني يحيى عن مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات في اليوم والليلة قال هل علي غيرهن قال لا إلا أن تطوع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصيام شهر رمضان قال هل علي غيره قال لا إلا أن تطوع قال وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة فقال هل علي غيرها قال لا إلا أن تطوع قال فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلح الرجل إن صدق
25 - باب جامع الترغيب في الصلاة .

425 426 - ( مالك ، عن عمه أبي سهيل ) بضم السين نافع ( ابن مالك ، عن أبيه ) مالك بن أبي عامر الأصبحي ( أنه سمع طلحة بن عبيد الله ) بضم العين ابن عثمان القرشي التيمي ، أحد العشرة ( يقول : جاء رجل ) قال ابن عبد البر وابن بطال وعياض وابن العزلي والمنذري وغيرهم : هو ضمان بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر ، قال الحافظ : والحامل لهم على ذلك إيراد مسلم قصته عقب حديث طلحة ؛ ولأن في كل منهما أنه بدوي ، وأن كلا منهما قال في آخر حديثه : لا أزيد على هذا ولا أنقص ، لكن تعقبه القرطبي بأن سياقهما مختلف ، وأسئلتهما متباينة ، قال : ودعوى أنهما قصة واحدة دعوى فرط وتكلف شطط من غير ضرورة ، قال في المقدمة وهو كما قال ( إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل نجد ) بفتح النون وسكون الجيم ، وهو ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق كما في العباب وغيره ( ثائر ) بمثلثة ؛ أي : متفرق شعر ( الرأس ) من ترك الرفاهية ، ففيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة ، فحذف المضاف للقرينة العقلية ، أو أوقع اسم الرأس على الشعر ، إما مبالغة أو لأن الشعر منه ينبت وثائر بالرفع صفة ويجوز نصبه على الحال ولا تضر إضافته ؛ لأنها لفظية ، قال عياض : فيه [ ص: 605 ] أن ذكر مثل هذا على غير وجه التنقيص ليس بغيبة ( يسمع ) بالياء المضمومة على البناء للمفعول وبالنون المفتوحة على الجمع ( دوي ) بفتح الدال وكسر الواو وشد الياء والرفع أو النصب ( صوته ) قال عياض : وجاء عندنا في البخاري بضم الدال ، والصواب الفتح ( ولا نفقه ) بالنون والياء لا نفهم ( ما يقول ) قال الخطابي : الدوي صوت مرتفع متكرر لا يفهم ، وإنما كان كذلك لأنه نادى من بعد ( حتى دنا ) أي : إلى أن قرب فهمناه ( فإذا هو يسأل عن الإسلام ) أي : عن أركانه وشرائعه بعد التوحيد والتصديق ، أو عن حقيقته ، واستبعد بعدم المطابقة بين السؤال والجواب وهو ( فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ) هن ( خمس صلوات ) أو خذ خمس صلوات ، ويجوز الجر بدلا من الإسلام ، فظهر أن السؤال وقع عن أركان الإسلام وشرائعه ، ووقع الجواب مطابقا له ، ويؤيده رواية إسماعيل بن جعفر ، عن أبي سهيل عند البخاري أنه قال : أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة ؟ فقال : الصلوات الخمس ، وليست الصلوات عين الإسلام ففيه حذف تقديره : إقامة خمس صلوات ( في اليوم والليلة ) فلا يجب شيء غيرها ، خلافا لمن أوجب الوتر أو ركعتي الفجر أو صلاة الضحى أو صلاة العيد أو الركعتين بعد المغرب ، ولم يذكر الشهادة ؛ لأنه علم أنه يعلمها ، أو علم أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية أو ذكرها فلم ينقلها الراوي لشهرتها .

وأما الحج فلأنه لم يكن فرض أو لأنه رآه غير مستطيع أو اختصره الراوي ، ويؤيده رواية البخاري في الصيام من طريق إسماعيل قال : فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام فدخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات ، كما قال عياض ويأتي رده ( قال : هل علي غيرهن ؟ قال : لا إلا أن تطوع ) بشد الطاء والواو أصله تتطوع فأدغمت إحدى التاءين ، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما ، وفيه أن الشروع في التطوع يجب إتمامه ؛ لأن الاستثناء متصل ، قال القرطبي : لأنه نفي وجوب شيء آخر ، والاستثناء من النفي إثبات ولا قائل بوجوب التطوع ، فتعين أن المراد إلا أن تشرع في تطوع فيلزمك إتمامه .

وتعقبه الطيبي بأنه مغالطة ؛ لأن الاستثناء هنا من غير الجنس ، لأن التطوع لا يقال فيه عليك وكأنه قال : لا يجب عليك شيء إلا إن أردت أن تطوع فذلك لك ، وقد علم أن التطوع لا يجب فلا يجب شيء آخر أصلا .

قال في الفتح : كذا قال ، وحرف المسألة دائر على الاستثناء ، فمن قال : إنه متصل تمسك بالأصل ، ومن قال : منقطع احتاج إلى دليل ، ودليله ما للنسائي وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أحيانا ينوي صوم التطوع ثم يفطر ، وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه ، فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام في الصوم وقياسا في الباقي ، ولا يرد [ ص: 606 ] الحج لأنه امتاز عن غيره بالمضي في فاسده فكيف في صحيحه ! انتهى .

وفيه نظر ، فأما أمره لجويرية فيحتمل أنها صامت بغير إذنه واحتاج لها ، وأما فعله فلعله لعذر وإذا احتمل ذلك سقط به الاستدلال ؛ لأن القصتين من وقائع الأحوال التي لا عموم لها وقد قال تعالى : ولا تبطلوا أعمالكم ( سورة محمد : الآية 33 ) وفي الموطأ في كتاب الصيام ومسند أحمد ، عن عائشة : " أصبحت أنا وحفصة صائمتين فأهديت لنا شاة فأكلنا فدخل علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " اقضيا يوما مكانه " والأمر للوجوب فدل على أن الشروع ملزم .

( قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وصيام شهر رمضان " ) بالرفع عطف على خمس صلوات ( قال : هل علي غيره ؟ قال : لا إلا أن تطوع ) فيلزمك إتمامه على الأصل من الاتصال ، ويؤيده الآية أو فلا يلزمك إتمامه إذا شرعت فيه على الانقطاع .

قال الحافظ : وفي استدلال الحنفية نظر لأنهم لا يقولون بفرضية الإتمام بل بوجوبه ، واستثناء الواجب من الفرض منقطع لتباينهما ، وأيضا فالاستثناء عندهم من النفي ليس للإثبات بل مسكوت عنه .

( قال ) الراوي طلحة بن عبيد الله ( وذكر ) له ( رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة ) وفي رواية إسماعيل بن جعفر قال : أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة ؟ قال : فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجملت فيها بيان نصب الزكاة فإنها لم تفسر في الروايتين .

( فقال : هل علي غيرها ؟ قال : لا إلا أن تطوع ، قال ) طلحة ( فأدبر ) من الإدبار أي : تولى ( الرجل وهو يقول ) جملة حالية ( والله ) وفي رواية إسماعيل : والذي أكرمك ، وفيه الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة ، وجواز الحلف في الأمر المهم ( لا أزيد على هذا ولا أنقص منه ) شيئا .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أفلح الرجل " أي : فاز ، قال تعالى : فأولئك هم المفلحون ( سورة الأعراف : الآية 8 ) والفلاح أيضا البقاء ، والمراد به شرعا البقاء في الجنة قاله الباجي ( إن صدق ) في كلامه ، قال ابن بطال : دل على أنه إن لم يصدق فيما التزم لا يفلح ، وهذا بخلاف قول المرجئة ، فإن قيل : كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لم يذكر له جميع الواجبات ولا المنهيات ؟ وأجاب باحتمال أن ذلك قبل ورود فرائض النهي ، وتعجب الحافظ منه لجزمه بأن السائل ضمام وقد وفد سنة خمس ، وقيل : بعد ذلك ؛ وأكثر المنهيات وقع قبل ذلك ، والصواب أن ذلك داخل في عموم قوله في رواية إسماعيل ، فأخبره بشرائع الإسلام ، [ ص: 607 ] وسبقه لذلك عياض قائلا : إن هذه الرواية ترفع الإشكال ، وتعقبه الأبي برجوع لفظ شرائع إلى ما ذكر قبله لأن العام المذكور عقب خاص يرجع إلى ذلك الخاص على الصحيح ، انتهى .

وأقره - عليه السلام - على الحلف مع ورود النكير على من حلف لا يفعل خيرا قال تعالى : ولا يأتل أولو الفضل ( سورة النور : الآية 22 ) وقال - صلى الله عليه وسلم - لمن حلف أن لا يحط عن غريمه : " تألى على الله " قال الباجي : لاحتمال أنه سومح في ذلك ؛ لأنه في أول الإسلام . ا هـ .

وأجاب غيره بأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ، فإن قيل : أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح ، وأما بأن لا يزيد فكيف يصح ؟ ولأن فيه تسويغ التمادي على ترك السنن وهو مذموم ، أجاب النووي بأنه أثبت له الفلاح ؛ لأنه أتى بما عليه ، وليس فيه أنه إذا زاد لا يفلح لأنه إذا أفلح بالواجب بالمندوب مع الواجب أولى ، وبأنه لا إثم على غير تارك الفرائض فهو مفلح وإن كان غيره أكثر فلاحا منه ، ورده الأبي بأنه ليس الإشكال في ثبوت الفلاح مع ترك السنن حتى يجاب بأنه حاصل إذ ليس بعاص ، وإنما الإشكال في أن ثبوته مع عدم الزيادة على الفرض تسويغ لترك السنن .

وقال القرطبي : لم يسوغ له تركها دائما ولكن لقرب عهده بالإسلام اكتفى منه بالواجبات ، وأخره حتى يأنس ، وينشرح صدره ، ويحرص على الخير ، فيسهل عليه المندوبات .

وقال الطيبي : يحتمل أنه مبالغة في التصديق والقبول ، أي : قبلت كلامه قبولا لا مزيد عليه من جهة السؤال ولا نقصان فيه من جهة القبول .

وقال ابن المنير : يحتمل تعلق الزيادة والنقص بالإبلاغ ؛ لأنه كان وافد قومه ليتعلم ويعلمهم ، وقال غيره : يحتمل لا أغير صفة الفرض كمن ينقص الظهر مثلا ركعة أو يزيد المغرب ، ورد الحافظ الاحتمالات الثلاث بقوله في رواية إسماعيل بن جعفر : لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا .

وقال الباجي : يحتمل لا أزيد وجوبا وإن زاد تطوعا أو على اعتقاد وجوب غيره أو في البلاغ ، قال : ورواية مالك أصح من رواية إسماعيل بن جعفر ؛ لأنه أحفظ ، وقد تابعه الرواة ، ولعل إسماعيل نقله بالمعنى ، ولو صح احتمل المعنى لا أتطوع بشيء التزمه واجبا ، انتهى .

هذا ووقع في رواية إسماعيل عند مسلم : أفلح وأبيه إن صدق ، أو دخل الجنة وأبيه إن صدق .

ولأبي داود مثله لكن بحذف " أو " ، وجمع بينه وبين النهي عن الحلف بالآباء بأنه كان قبل النهي ، أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرى على لسانهم عقري وحلقي وما أشبه ذلك ، أو فيه إضمار اسم الرب كأنه قال : ورب أبيه ، وقيل : هو خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لأن النهي عن الحلف بالآباء إنما هو لخوف الله وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يتوهم فيه ذلك ، قال الحافظ : ويحتاج إلى دليل .

وحكى السهيلي عن بعض مشايخه أنه تصحيف وإنما كان : والله فقصرت اللامان ، وأنكره القرطبي وقال : إنه يخرم الثقة بالروايات الصحيحة ، وغفل القرافي فادعى أن الرواية [ ص: 608 ] بلفظ : وأبيه ، لم تصح لأنها ليست في الموطأ ، وكأنه لم يرض الجواب فعدل إلى رد الخبر وهو صحيح لا مرية فيه ، وأقوى الأجوبة الأولان .

قال الباجي : وأدخل مالك هذا الحديث في الترغيب في الصلاة ، فإن أراد قوله : إلا أن تطوع ؛ كان ترغيبا في النافلة ، وإن أراد : أفلح إن صدق ؛ كان ترغيبا في الخمس ، انتهى .

والظاهر أنه أرادهما معا فالترجمة مطلقة ، وأخرجه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس ، ومسلم عن قتيبة بن سعيد كلاهما ، عن مالك به ، وتابعه إسماعيل بن جعفر ، عن أبي سهيل في الصحيحين بنحوه .

التالي السابق


الخدمات العلمية