التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1666 [ ص: 165 ] حديث خامس عشر لأبي الزناد

مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح ، فإنما لها ما قدر لها .


في هذا الخبر من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يطلق ضرتها لتنفرد به ، فإنما لها ما سبق به القدر عليها ، لا ينقصها طلاق ضرتها شيئا مما جرى به القدر لها ولا يزيدها .

وقال الأخفش : كأنه يريد أن تفرغ صحفة تلك من خير الزوج ، وتأخذه هي وحدها .

قال أبو عمر : وهذا الحديث من أحسن أحاديث القدر عند أهل العلم والسنة ، وفيه أن المرء لا يناله إلا ما قدر له .

[ ص: 166 ] قال الله عز وجل ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) والأمر في هذا واضح لمن هداه الله ، والحمد لله .

وفقه هذا الحديث أنه لا يجوز لامرأة ولا لوليها أن يشترط في عقد نكاحها طلاق غيرها ، ولهذا الحديث وشبهه استدل جماعة من العلماء بأن شرط المرأة على الرجل عند عقد نكاحها أنها إنما تنكحه على أن كل من يتزوجها عليها من النساء فهي طالق شرط باطل ، وعقد نكاحها على ذلك فاسد يفسخ قبل الدخول ; لأنه شرط فاسد دخل في الصداق المستحل به الفرج ففسد ; لأنه طابق النهي .

ومن أهل العلم من يرى الشرط باطلا في ذلك كله والنكاح ثابت صحيح ، وهذا هو الوجه المختار ، وعليه أكثر علماء الحجاز ، وهم مع ذلك يكرهونها ، ويكرهون عقد النكاح عليها ، وحجتهم حديث هذا الباب وما كان مثله ، وحديث عائشة في قصة بريرة يقتضي في مثل هذا جواز العقود وبطلان الشروط ، وهو أولى ما اعتمد عليه في هذا الباب ، ومن أراد أن يصح له هذا الشرط المكروه عند أصحابنا عقده بيمين ، فيلزمه الحنث [ ص: 167 ] في تلك اليمين بالطلاق أو بما حلف به ، وليس من أفعال الأبرار ، ولا من مناكح السلف الأخيار استباحة النكاح بالأيمان المكروهة ومخالفة السنة .

حدثنا محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا ابن الأعرابي ، قال : حدثنا سعدان بن نصر ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن عباد بن عبد الله الأسدي ، عن علي رضي الله عنه ، قال : شرط الله قبل شرطها .

قال أبو عمر : يقول إن الله قد أباح ما ترومون المنع منه .

ومنهم من يرى أن الشرط صحيح لحديث عقبة بن عامر ، عن النبي عليه السلام أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج حدثناه عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، أخبرنا أبو داود ، حدثنا عيسى بن حماد المصري ، حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم من الفروج وهذا [ ص: 168 ] حديث إن كان صحيحا ، فإن معناه والله أعلم ، أحق الشروط أن يوفى به من الشروط الجائزة ما استحللت به الفروج ، فهو أحق ما وفى به المرء وأولى ما وقف عنده ، والله أعلم .

وقد روى الشاميون في هذا عن عمر ما حدثناه محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا ابن الأعرابي ، قال : حدثنا سعدان بن نصر ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن يزيد بن جابر ، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ، عن عبد الرحمن بن غنم ، قال : شهدت عمر يسأل عنه ، فقال : لها دارها ، فإن مقاطع الحقوق عند الشروط ، قال سعدان : وحدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن أبي الشعثاء ، قال : هو بما استحل من فرجها .

قال أبو عمر : معنى حديث عمر وقول أبي الشعثاء : هو فيمن نكح امرأة وشرط لها أن لا يخرجها من دارها ، ونحو هذا مذهب سعد بن أبي وقاص أيضا .

حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف ، حدثنا الحسين بن أحمد بن بزاذ ، حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي ، حدثنا ابن أبي الدنيا ، حدثنا العباس بن طالب ، حدثنا أبو إسحاق الطالقاني ، عن ابن المبارك ، عن داود بن قيس ، قال : حدثتني أمي [ ص: 169 ] - وكانت مولاة نافع بن عتبة بن أبي وقاص - قالت : رأيت سعدا زوج ابنته رجلا من أهل الشام ، وشرط لها أن لا يخرجها ، فأرادت أن تخرج معه فنهاها سعد وكره خروجها ، فأبت إلا أن تخرج ، فقال سعد : اللهم لا تبلغها ما تريد ، فأدركها الموت في الطريق فقالت :


تذكرت من يبكي علي فلم أجد من الناس إلا أعبدي وولائدي

وإلى هذا المعنى ذهب الليث بن سعد ، وطائفة إلى أن الشرط لازم ، والوجه المختار عندنا ما ذكرنا ، وقد روي عن عمر بن الخطاب من رواية المدنيين خلاف ما تقدم عنه من رواية الشاميين ، حدثنا محمد بن عبد الله ، حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا الفضل بن الحباب أبو خليفة ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا الليث بن سعد ، حدثنا كثير بن فرقد ، عن عبيد بن السباق ، أن رجلا شرط عليه في امرأته عند عقدة النكاح ألا يخرجها من دارها ، ولم يذكر عتقا ولا طلاقا ، فأراد بها بلدا آخر ، فخاصمته إلى عمر بن الخطاب ، فقضى عمر أن تتبع زوجها ، وأنه لا شرط لها ، قال : وحدثنا الليث ، حدثنا توبة بن النمر الحضرمي أن عمر بن عبد العزيز كتب في ذلك بمثل ذلك .

[ ص: 170 ] قال أبو عمر : قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا وقال كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل يعني في حكم الله كما قال : ( كتاب الله عليكم ) يعني حكمه وقضاءه ، فكل شرط ليس في حكم الله وحكم رسوله جوازه فهو باطل ، وهذا أصح ما في هذا الباب ، والله الموفق للصواب .

والكلام في شروط النكاح ، وما يلزم منها وما لا يلزم عند العلماء ، موضع غير هذا ، وأما قوله " لتستفرغ صحفتها " فكلام عربي مجاز ، ومعناه لتنفرد بزوجها ، فاعلمه لا وجه له غيره .

التالي السابق


الخدمات العلمية