التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1883 [ ص: 320 ] حديث رابع وثلاثون لأبي الزناد

مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : والذي نفسي بيده ليأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه .


هكذا في جل الموطآت : ليأخذ ، وروايته لابن نافع ، عن مالك : لأن يأخذه ، وكذلك رواه معن بن عيسى ، عن مالك ، وهو المراد والمقصد ، والمعنى مفهوم ، والحمد لله .

حدثنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى ، قال : حدثنا الحسن بن الخضر الأسيوطي ، قالا : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن شعيب ، قال : حدثنا معن ، قال : حدثنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه .

[ ص: 321 ] في هذا الحديث كراهية السؤال لكل من فيه طاقة على السعي والاكتساب ، وفيه ذم المسألة ، وحمد المعالجة والسعي ، والتحرف في المعيشة ، وقد وردت أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذم المسألة كثيرة صحاح فيها شفاء لمن تدبرها ووقف على معانيها ، وهي تفسر معنى هذا الباب ، وتوضح المراد من حديثه ، والله الموفق للصواب .

فمما يخرج في هذا الباب قوله - صلى الله عليه وسلم - اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا المنفقة ، وقيل المتعففة على حسبما ذكرنا من ذلك في باب نافع من كتابنا هذا ، واليد السفلى السائلة ، وقد ذكرنا طرق هذا الحديث في باب نافع فلا وجه لإعادة ذلك هاهنا .

أخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا أبو داود ، قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبي ، عن صالح ، عن ابن شهاب أن أبا عبيد مولى عبد الرحمن بن أزهر أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن [ ص: 322 ] يحتزم أحدكم بحزمة حطب فيحملها على ظهره فيبيعها خير له من أن يسأل رجلا فيعطيه أو يمنعه .

حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا حفص بن عمر النمري ، قال : حدثنا شعبة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن زيد بن عقبة الفزاري ، عن سمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه ، فمن شاء أبقى على وجهه ، ومن شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدا .

أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا حمزة بن محمد ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن شعيب بن الليث ، عن الليث بن سعد ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، قال : سمعت حمزة بن عبد الله يقول : سمعت عبد الله بن عمر يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يزال الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم .

أخبرنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة [ ص: 323 ] قال : حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن معن ، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري ، عن حمزة بن عبد الله ، عن أبيه أن النبي عليه السلام ، قال : لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم .

وأخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن بكر بن سوادة ، عن مسلم بن مخشي ، عن ابن الفراسي ، أن الفراسي قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله أأسأل ؟ قال : لا ، وإن كنت سائلا لا بد فاسأل الصالحين .

أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا هشام بن عمار ، قال : حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي مسلم الخولاني ، قال : حدثني الحبيب الأمين ، أما هو إلي فحبيب ، وأما هو عندي فأمين عوف بن مالك ، قال : كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعة [ ص: 324 ] أو ثمانية أو تسعة ، فقال : ألا تبايعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ وكنا حديث عهد ببيعته ، قلنا : قد بايعناك ، قالها ثلاثا ، فبسطنا أيدينا فبايعناه ، قال قائل : يا رسول الله إنا قد بايعناك ، فعلام نبايعك ؟ قال : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وتصلوا الصلوات الخمس ، وتسمعوا وتطيعوا ، وأسر كلمة خفية ، قال : لا تسألوا الناس شيئا قال : فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه فما يسأل أحدا يناوله إياه .

حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا عبيد الله بن معاذ ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا شعبة ، عن عاصم ، عن أبي العالية ، عن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يتكفل لي ألا يسأل الناس شيئا وأتكفل له بالجنة ؟ فقال ثوبان : أنا ، فكان لا يسأل أحدا شيئا .

أخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا محمد بن عثمان بن [ ص: 325 ] أبي صفوان الثقفي ، قال : حدثنا أمية بن خالد ، قال : حدثنا شعبة ، عن بسطام بن مسلم ، عن عبد الله بن خليفة ، عن عائذ بن عمرو أن رجلا أتى النبي عليه السلام ، فسأله فأعطاه ، فلما وضع رجله على أسكفة الباب ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو تعلمون ما في السؤال ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئا .

قال أبو عمر : السؤال لا يجوز لمن فيه منة ، وقوة ، وأدنى حيلة في المعيشة إلا أن يسأل ذا سلطان ؛ لأن له عنده حقا فيبيت المال وإن لم يتعين ، أو يسأل في أمر لا بد له منه من حمالة يتحملها أو دين ادانه في واجب أو مباح يسأل من يعرف أن كسبه لا بأس به وهم الصالحون الذين قصد إليهم في حديث الفراسي المذكور في هذا الباب ، والله أعلم .

وفي حديث قبيصة بن المخارق ثلاثة وجوه ، وفي حديث أنس أيضا ثلاثة وجوه تحل فيها المسألة لا ينبغي أن تتعدى إلا إلى ما ذكرنا في حديث سمرة ، والله أعلم .

[ ص: 326 ] حدثنا عبد الرحمن بن يحيى ، حدثنا علي بن محمد ، حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا سحنون بن سعيد ، حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني الليث بن سعد ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع أباه يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم .

حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثنا حفص بن عمر الحوضي وسليمان بن حرب ، قالا : حدثنا شعبة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن زيد بن عقبة الفزاري ، قال : سمعت سمرة بن جندب ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه ، فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا أن يسأل ذا سلطان أو ينزل به أمر لا يجد منه بدا .

ورواه الثوري وأبو عوانة ، عن عبد الملك بن عمير بإسناده مثله سواء .

وأخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن هارون بن رباب ، قال : حدثنا كنانة بن نعيم العدوي ، عن [ ص: 327 ] قبيصة بن مخارق الهلالي ، قال : تحملت حمالة فأتيت النبي عليه السلام ، فقال : أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة وآمر لك بها ، ثم قال : يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لإحدى ثلاث : رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة فسأل حتى يصيبها ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة فسأل حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه قد أصابت فلانا الفاقة ، فحلت له المسألة فسأل حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك ، وما سواهن من المسائل يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا .

قال أبو عمر : هذا واضح في وجوه المسألة مغن عن قول كل قائل ، وبالله التوفيق .

والسداد في هذا الحديث وما كان مثله بكسر السين ، ومعناه البلغة والكفاية ، وكذلك ما سد به الشيء يقال له أيضا سداد بالكسر .

قال العرجي - وهو من ولد عثمان بن عفان - :


أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر

[ ص: 328 ] وأما السداد بالفتح فهو القصد .

أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، قال : حدثنا عيسى بن يونس ، عن الأخضر بن عجلان ، عن أبي بكر الحنفي ، عن أنس بن مالك أن رجلا من الأنصار أتى النبي عليه السلام يسأله ، فقال : أما في بيتك شيء ؟ قال : بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه ، وقعب نشرب فيه الماء ، فقال : ائتني بهما ، فأتاه بهما ، فأخذهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده وقال : من يشتري هذين ؟ فقال رجل : أنا آخذهما بدرهم ، قال : من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا ، قال رجل : أنا آخذهما بدرهمين ، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري ، وقال : اشتر بأحدهما طعاما ، فانبذه إلى أهلك ، واشتر بالآخر قدوما وائتني ، فأتاه به فشد فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عودا بيده ثم قال له : اذهب فاحتطب وبع ، ولا أراك خمسة عشر يوما ، فذهب الرجل يحتطب ويبيع ، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في [ ص: 329 ] وجهك يوم القيامة ، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاث : لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع .

قال أبو عمر : الدم الموجع الحمالة في دم الخطأ ، والفقر المدقع الذي أفضى بصاحبه إلى الدقعاء وهي التراب ، كأنه ألصق ظهره بالأرض من الفقر ، وهو مثل قول الله عز وجل ( مسكينا ذا متربة ) وقد فسرنا معنى المسكين والفقير فيما تقدم من حديث أبي الزناد في كتابنا هذا والحمد لله .

أخبرنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا ابن أبي دليم ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا نصر بن المهاجر ، قال : حدثنا الضحاك بن مخلد ، عن عبد الرحمن بن عبد المؤمن ، عن غالب القطان ، عن بكر بن عبد الله المزني ، عن عمر ، قال : مكسبة فيها بعض الريبة خير من مسألة الناس ، هكذا قال : الريبة ، وإنما حفظناه " الدناءة " .

ذكر العقيلي ، قال : حدثنا الحسن بن سهل ، قال : أخبرنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا [ ص: 330 ] غالب القطان ، عن بكر بن عبد الله المزني ، قال : قال عمر بن الخطاب : مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس .

قال العقيلي : عبد الرحمن بن عبد المؤمن هذا هو عبد الرحمن بن عبد المؤمن بن فيروز المعولي الرامي ، بصري ثقة .

وقال أبو حاتم الرازي : سمعت الحسن بن الربيع يقول : قال لي ابن المبارك : ما حرفتك ؟ قلت : أنا بوراني ، قال : ما بوراني ؟ قلت : لي غلمان يصنعون البواري ، قال : لو لم تكن للصناعة ما صحبتني .

وقال أيوب السختياني : قال لي أبو قلابة : يا أيوب الزم سوقك ، فإن الغنى من العافية .

التالي السابق


الخدمات العلمية