التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
292 [ ص: 331 ] حديث خامس وثلاثون لأبي الزناد

مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ، ثم آمر رجلا فيؤم الناس ، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم ، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء .


روي هذا الحديث عن أبي هريرة من وجوه ، رواه أبو صالح ، ويزيد بن الأصم ، والأعرج ، وغيرهم ، قوله : لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ، أي يجمع .

وفي هذا الحديث من الفقه معرفة يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه كان يحلف على ما يريد بالله ، وفي ذلك رد لقول من قال : لا يحلف بالله صادقا ولا كاذبا ، وفي قوله عليه السلام : من كان حالفا فليحلف بالله كفاية ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحلف كثيرا بالله ثم إن رأى ما هو خير مما حلف عليه [ ص: 332 ] حنث نفسه وكفر ، وفيه الأسوة الحسنة ، وسيأتي هذا المعنى مبينا في باب سهيل من كتابنا هذا إن شاء الله .

وفي هذا الحديث أيضا أن الصلوات يؤذن لها ، وفيه أيضا إجازة إمامة المفضول بحضرة الفاضل ، وفيه إباحة عقوبة من تأخر عن شهود الجماعة لغير عذر ، ولم يكن يتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة إلا منافق أو من له عذر بين ، وقد استدلت به طائفة على أن العقوبة قد تكون في المال ، وجائز أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعاقب بما ذكر في هذا الحديث ، وجائز أن لا يفعل لأن ترك إنفاذ الوعيد عفو وليس بخلف ولا كذب ، وإنما الكذب ما أثم فيه المرء وعصى ربه ، فجائز مثل هذا القول تأديبا للناس ثم الخيار بعد في إنفاذه ، واستدل به داود وأصحابه على أن الصلاة في الجماعة فرض على كل أحد في خاصته كالجمعة ، وأنها لا تجزئ المنفرد إلا أن يصليها في المسجد مع الجماعة ، أو يصليها قبل أن يفرغ الجماعة في المسجد منها ، كقولنا في الجمعة سواء .

واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد .

[ ص: 333 ] وهذا عندنا محمول على الكمال في الفضل كما قال : لا دين لمن لا أمانة له .

وقال : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، أي مستكمل الإيمان ، واحتج أيضا بحديث عتبان بن مالك ، وعمرو بن أم مكتوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهما أو لأحدهما : هل تسمع النداء ؟ قال : نعم ، قال : ما أجد لك رخصة ، وهذا محمول عندنا على الجمعة .

واحتج بحديث هذا الباب قوله : لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ، الحديث قال : ومحال أن يحرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بيوت قوم إلا على ترك الواجب ، وهذا عندنا على أن شهود الجماعة من السنن المؤكدة التي تجب عقوبة من أدمن التخلف عنها من غير عذر ، وقد أوجبها جماعة من أهل العلم فرضا على الكفاية ، وهو قول حسن صحيح لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات ، فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلاة المنفرد في بيته جائزة [ ص: 334 ] لقوله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة .

ففي هذا الحديث جواز صلاة المنفرد ، والخبر بأن صلاة الجماعة أفضل ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : إذا وجد أحدهم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة ، وقال : إذا حضرت الصلاة والعشاء فابدأوا بالعشاء ، وقال : ألا صلوا في الرحال في المطر ، وهذه الآثار كلها تدل على أن الجماعة ليست بفريضة ، وإنما هي فضيلة ، وقد ذكرنا هذه الآثار بأسانيدها في غير موضع من كتابنا هذا ، والحمد لله .

وقد قيل : إن معنى حديث هذا الباب إنما هو في الجمعة لا في غيرها من الصلوات الخمس في الجماعة ، واستدل القائلون بذلك بما رواه معمر وغيره ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أنطلق فأحرق على قوم بيوتهم لا يشهدون الجمعة .

[ ص: 335 ] وقد جاء عن ابن مسعود في الصلوات الخمس غير هذا ، وترتيب الآثار عنه في ذلك على فرض الجمعة وتأكيد فضل الجماعة ، والله أعلم .

ويحتمل أن يكون حديث ابن مسعود مفسرا لحديث أبي هريرة - حديث هذا الباب - فيكون قوله في حديث هذا الباب : ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ، أي صلاة الجمعة .

حدثنا سعيد بن نصر ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا محمد بن وضاح ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا الفضل بن دكين ، عن زهير ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص سمعه منه ، عن عبد الله أن النبي عليه السلام ، قال : القوم يتخلفون عن الجمعة ، لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على قوم يتخلفون عن الجمعة بيوتهم وهذا بين في الجمعة .

وأما التأكيد في الندب إلى الجماعات في الصلوات الخمس فأخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا عبد الله بن المبارك ، عن المسعودي ، عن علي بن الأقمر ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله أنه كان يقول : من سره أن يلقى الله غدا مسلما ، فليحافظ على هؤلاء الصلوات [ ص: 336 ] الخمس حيث ينادى بهن ، فإن الله شرع لنبيه عليه السلام سنن الهدى ، وإنهن من سنن الهدى ، وإني لا أحسب منكم أحدا إلا له مسجدا يصلي فيه في بيته ، فلو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ، وذكر تمام الحديث .

وحدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا هارون بن عباد الأزدي ، قال : حدثنا وكيع ، عن المسعودي ، فذكره بإسناده مثله .

وأخبرنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي الكوفي ، قال : حدثنا جعفر بن عون ، عن إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : عليكم بالصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإنها من سنة نبيكم ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ، ولقد عهدتنا وإن الرجل ليهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه .

فقد صرحت هذه الآثار عن ابن مسعود بأن شهود الجماعة سنة ، ومن تدبرها علم أنها واجبة على الكفاية ، والله أعلم .

[ ص: 337 ] وعبد الله بن مسعود أحد الذين رووا عن النبي عليه السلام فضل صلاة الجمع على صلاة الفذ خمس وعشرون درجة .

حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أحمد بن يونس ، قال : حدثنا زائدة ، قال : حدثنا السائب بن حبيش ، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري ، عن أبي الدرداء ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان ، فعليك بالجماعة ، فإنما يأكل الذئب القاصية قال زائدة : قال السائب : يعني الجماعة .

ورواه ابن المبارك ، عن زائدة بإسناده مثله سواء .

وقال زائدة : قال السائب : يعني بالجماعة الصلاة في الجماعة .

وأما قوله : والذي نفسي بيده لو يعلم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء ، فهذا توبيخ منه لمن تأخر عن شهود العشاء معه ، وتقريع وذم صريح ، وعتب [ ص: 338 ] صحيح ، إذ أضاف إليهم أن أحدهم لو علم أنه يجد من الدنيا العرض القليل ، والتافه الحقير ، والنزر اليسير في المسجد لقصده من أجل ذلك ، وهو يتخلف عن الصلاة فيه ولها من الأجر العظيم ، والثواب الجسيم ما لا خفاء به على مؤمن ، والحمد لله ، وكفى بهذا توبيخا في أثرة الطعام واللعب على شهود صلاة الجماعة ، وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - إنما كان قصدا إلى المنافقين وإشارة إليهم ، ألا ترى إلى قول ابن مسعود : ولقد رأيتنا في ذلك الوقت ، وما يتأخر عنها إلا منافق معلوم نفاقه ، وما أظن أحدا من أصحابه الذين هم أصحابه حقا كان يتخلف عنه إلا لعذر بين هذا ما لا يشك فيه مسلم إن شاء الله .

وضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعظم السمين يريد بضعة اللحم السمين على عظمة المثل في التفاهة ، كما قال عز وجل ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ) يريد الشيء الكثير ، لم يرد القنطار بعينه ( ومنهم من إن تأمنه بدينار ) يريد الشيء الحقير القليل ولم يرد الدينار بعينه لا يؤده إليك .

[ ص: 339 ] وأما المرماتان ، فقيل : هما السهمان ، وقيل : هما حديدتان من حدائد كانوا يلعبون بها وهي ملس كالأسنة ، كانوا يثبتونها في الأكوام والأغراض ، ويقال لها فيما زعم بعضهم : المذاجي .

وقال أبو عبيد : يقال إن المرماة ما بين ظلفي الشاة ، قال : وهذا حرف لا أدري ما وجهه إلا أن هذا تفسيره ، ويروى المرماتين بكسر الميم وبفتحها ، واحدها مرماة مثل مرماة ، ذكر ذلك الأخفش وغيره .

التالي السابق


الخدمات العلمية