التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1811 [ ص: 219 ] عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة الأنصاري المازني - مدني ثقة

روى عنه مالك ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وابن عيينة ، لمالك عنه في الموطأ خمسة أحاديث منها ثلاثة مسندة ، واثنان مرسلان ، أحدهما : عن سليمان بن يسار ، والآخر عن نفسه .

حديث أول لعبد الرحمن بن أبي صعصعة

مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري أنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعب الجبال ، ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن .


هكذا وقع في هذه الرواية شعب الجبال ، وهو عندهم غلط ، وإنما يرويه الناس شعف الجبال ، وشعف الجبال عند أهل اللغة : رؤوسها ، وشعفة كل شيء : أعلاه .

[ ص: 220 ] قال الأخفش : الشعف : أطراف الجبال وظهورها وأعلاها ، الواحدة شعفة .

قال الشاعر :


كنا كزوج من حمام ترتقي شعف الجبال     ترعى النهار ولا تراع
بذي حابل أو نصال

وأما الشعب ، فهو عندهم ما انفرج بين الجبلين ، وقد قيل في قوله شعب الجبال : ما تشعب منها وما توعر ، وهذا الحديث إنما ورد خبرا عن حال آخر الزمان ، وما المحمود في ذلك الوقت لكثرة الفتن ، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يحض في أول الإسلام على لزوم الخواص للجماعات والجمعات ، ويقول : من بدا جفا ، والحديث المذكور في هذا الباب من أحسن حديث في العزلة والفرار من الفتنة ، والبعد عن مواضعها من الحواضر وغيرها ، والفتنة المذكورة في هذا الحديث تحتمل أن تكون فتنة الأهل والمال ، وفتنة النظر إلى أهل الدنيا ، وفتنة الدخول إلى السلطان ، وغير ذلك من أنواع الفتن ، ولم يرد الفتنة النازلة بين المسلمين الحاملة على القتال في طلب الإمارة دون غيرها من الفتن ، بل أراد بقوله : يفر بدينه من الفتن جميع أنواع الفتن - والله أعلم - ، وفي ذلك دليل على فضل العزلة والانفراد في آخر الزمان كزماننا هذا ، وقد ذكرنا لمعا في العزلة ، وفضلها ، وفضل اعتزال الناس ، ولزوم البيوت في باب أبي طوالة من هذا الكتاب ، وذكرنا هناك آثارا مرفوعة حسانا تدل على فضل العزلة أيضا والجهاد ، فلا معنى لإعادتها هاهنا ، وفي هذا الحديث حض على كسب الغنم ، وفي ذلك فضل لها ، وتبرك بها ، إلى ما روي فيها عن أبي هريرة أنها من دواب الجنة ، وفي ذلك فضل لرعيها ومعاناتها ، وما من نبي إلا وقد رعى الغنم .

[ ص: 221 ] حدثنا خلف بن القاسم قال : حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد الحلبي القاضي قال : حدثنا عمر بن حفص العسكري قال : حدثنا أبو مصعب بن سعيد الضرير بحلب إملاء قال : حدثنا عيسى بن يونس ، عن مسعر ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن عبد الرحمن بن عوف قال : مررنا بثمر الأراك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : عليكم بالأسود منه ، فإني قد كنت أجتنيه وأنا أرعى الغنم ، قالوا : يا رسول الله ورعيت ؟ قال : نعم ، ما من نبي إلا وقد رعى قال أبو عمر :

قال الله عز وجل وما تلك بيمينك ياموسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي الآية .

أخبرنا أحمد بن محمد قال : حدثنا وهب بن مسرة ، وأخبرنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قالا : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن عبد الله الأنصاري ، عن أبيه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن .

حدثنا خلف بن القاسم ، حدثنا عمر بن محمد بن القاسم ، ومحمد بن أحمد بن كامل ، ومحمد بن أحمد بن المسور ، قالوا : حدثنا بكر بن سهل ، حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري أنه قال : [ ص: 222 ] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن .

حدثنا خلف بن القاسم قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن المفسر قال : حدثنا علي بن غالب بن سالم ، حدثنا علي بن المديني قال : حدثنا معاذ بن هشام صاحب الاستوائي قال : حدثني أبي ، عن محمد بن جحادة ، عن نعيم بن أبي هند الأشجعي ، عن أبي حازم ، عن حسين بن خارجة قال : لما قتل عثمان أشكلت علي الفتنة ، فقلت : اللهم أرني أمرا أتمسك به قال : فرأيت فيما يرى النائم الدنيا والآخرة ، فقلت : لو تسنمت هذا الحائط لعلي أهبط على قتلى أشجع فيخبروني ؟ فهبطت الحائط ، فإذا أنا بأرض ذات شجر ، وإذا بنهر ، فقلت : أنتم الشهداء ؟ قالوا : لا بل نحن الملائكة قال : قلت : فأين الشهداء ؟ قالوا : اصعد إلى الدرجات العلى قال : فصعدت درجة الله أعلم بما فيها ، ثم صعدت أخرى فإذا محمد - صلى الله عليه وسلم - وإبراهيم عنده شيخ ، وإذا محمد - صلى الله عليه وسلم - يقول : أستغفر لأمتي قال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنهم أهرقوا دماءهم وقتلوا إمامهم ، فهلا فعلوا كما فعل خليلي سعد ؟ قال : فقلت : لقد رأيت رؤيا لعل الله عز وجل أن ينفعني بها ، أنطلق فأنظر مع من كان سعد فأكون معه قال : فأتيت سعدا فقصصتها عليه ، فما أكبر بها فرحا ، وقال : لقد خاب من لم يكن له إبراهيم خليلا قال : فقلت : أي الطائفتين ؟ قال : ما أنا في واحدة منهما قال : فما تأمرني قال : هل لك من غنم ؟ قلت : لا قال : فاشتر غنما فكن فيها .

التالي السابق


الخدمات العلمية