التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
728 [ ص: 249 ] حديث ثالث لحميد بن قيس مرسل

مالك ، عن حميد بن قيس ، عن عطاء بن أبي رباح أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو بحنين ، وعلى الأعرابي قميص وبه أثر صفرة ، فقال : يا رسول الله إني أهللت بعمرة فكيف تأمرني أن أصنع ؟ ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : انزع قميصك هذا ، واغسل هذه الصفرة عنك ، وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك .


هذا حديث مرسل عند جميع رواة الموطأ فيما علمت ، ولكنه يتصل من غير رواية مالك من طرق صحيحة ثابتة ، عن عطاء بن أبي رباح ، وهو محفوظ من حديث يعلى بن أمية ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

رواه عن عطاء بن أبي رباح جماعة منهم أبو الزبير وعمرو بن دينار وقتادة وابن جريح وقيس بن سعد وهمام بن يحيى ومطر وإبراهيم بن يزيد وعبد الملك بن أبي سليمان ومنصور بن المعتمر وابن أبي ليلى والليث بن سعد ، وأحسنهم رواية له عن عطاء وأتقنهم ابن جريح وعمرو بن دينار وإبراهيم بن يزيد وقيس بن سعد وهمام بن يحيى ، فإن هؤلاء كلهم رووه عن عطاء ، عن صفوان بن يعلى بن أمية ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الصواب فيه ، وغيرهم رواه عن عطاء ، عن يعلى ، وليس بشيء .

[ ص: 250 ] حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد ، قال : حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري ، وحدثنا سعيد بن نصر واللفظ بحديثه ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قالا : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، قال : حدثنا همام ، قال : حدثنا عطاء ، قال : حدثنا صفوان بن يعلى بن أمية ، عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر الخلوق ، أو قال : صفرة ، فقال : كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ؟ ، قال : فأنزل على النبي صلى الله عليه وسلم واستتر بثوب ، قال : وكان يعلى ، يقول : وددت أني قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أنزل عليه الوحي ، فقال عمر : يا يعلى أيسرك أن تنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أنزل عليه ، قال : قلت : نعم ، فرفع طرف الثوب فنظرت إليه ، فإذا له غطيط وأحسبه كغطيط البكر ، قال : فلما سري عنه ، قال : أين السائل عن العمرة ، اخلع عنك الجبة واغسل عنك أثر الخلوق - أو قال : أثر الصفرة - واصنع في عمرتك كما صنعت في حجك ، قال : وأتاه رجل آخر قد عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنيته التي عض بها فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم .

حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى ، قال : حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق التمار ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا محمد بن كثير ، قال : حدثنا همام ، قال : سمعت عطاء ، قال : أخبرنا صفوان بن يعلى بن أمية ، عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو بالجعرانة . فذكره سواء .

وذكر عبد الرزاق ، قال : أخبرنا إبراهيم بن يزيد أنه سمع عطاء ، يقول : أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية أن يعلى ، قال لعمر : وددت أني رأيت رسول الله حين يوحى إليه ، فلما كان بالجعرانة أتاه أعرابي وعليه جبة ، وهو متضمخ بخلوق ، وقد أحرم بعمرة ، فقال : أفتني يا رسول الله ، وأوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثل حديث همام بن يحيى [ ص: 251 ] في هذه القصة إلى آخرها ، ولم يذكر قصة العاض يد الرجل .

أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد ، قال : حدثنا حضرة بن محمد بن علي ، قال : حدثنا محمد بن شعيب بن علي ، قال : أخبرني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثني أبي ، قال : سمعت قيس بن سعد يحدث ، عن عطاء ، عن صفوان بن يعلى ، عن أبيه ، قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ، وهو بالجعرانة وعليه جبة ، وهو مصفر لحيته ورأسه ، فقال : يا رسول الله إني أحرمت بعمرة وأنا كما ترى ، قال : انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة ، وما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك .

حدثنا سعيد بن نصر قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم ، قال : حدثنا جعفر بن محمد الصائغ ، قال : حدثنا محمد بن سابق ، قال : حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن أبي الزبير ، عن عطاء ، عن صفوان بن أمية ، أنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم متضمخا بالخلوق وعليه مقطعات ، فقال : كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي ؟ ، قال : فأنزل الله وأتموا الحج والعمرة لله ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين السائل عن العمرة ؟ ، فقال له : ألق عنك ثيابك واغتسل واستنق ما استطعت ، وما كنت صانعه في حجك فاصنعه في عمرتك هكذا جاء في هذا الحديث صفوان بن أمية نسبة إلى جده ، وهو صفوان بن يعلى بن أمية رجل تميمي ، وليس بصفوان بن أمية الجمحي ، وقد نسبناهما في كتاب الصحابة والحمد لله .

وحدثنا [ ص: 252 ] سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ، قال : حدثنا الحميدي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا عمرو بن دينار ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن صفوان بن يعلى بن أمية ، عن أبيه ، قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة فأتاه رجل عليه مقطعة ، يعني جبة ، وهو متضمخ بالخلوق ، فقال : يا رسول الله إني أحرمت بالعمرة وعلي هذه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما كنت تصنع في حجك ؟ ، قال : كنت أنزع هذه وأغسلها بالخلوق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك .

حدثنا عبد الرحمن بن مروان ، قال : حدثنا الحسن بن يحيى القاضي القلزمي بالقلزم ، قال : حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود ، قال : حدثنا علي بن خشرم ، قال : حدثنا عيسى بن يونس ، عن ابن جريج ، عن عطاء أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى بن أمية كان يقول لعمر بن الخطاب : ليتني أرى رسول الله حين ينزل عليه ، فبينا هو مع رسول الله في ناس من أصحابه فيهم عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل عليه جبة ، وهو متضمخ بطيب ، فقال : يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة معه بعدما تضمخ بطيب ؟ فسكت ساعة ، فجاءه الوحي ، فأشار عمر إلى يعلى بيده أن تعال ، فجاءه وأدخل رأسه ، فإذا النبي عليه السلام محمر الوجه يغط كذلك ساعة ، ثم سري عنه ، فقال : أين السائل عن العمرة ؟ فالتمس الرجل فأتي به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات ، وأما الجبة فانزعها ، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك ، قال ابن جريح : كان عطاء يأخذ في الطيب بهذا الحديث ، فكان يكره الطيب عند الإحرام ويقول : إن كان به شيء منه فليغسله ، وكان يأخذ بشأن صاحب الجبة ، وكان صاحب الجبة قبل حجة [ ص: 253 ] الوداع ، قال ابن جريح : والآخر فالآخر من أمر رسول الله أحق .

وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان ، قال : أخبرنا الحسين بن يحيى ، قال : أخبرنا ابن الجارود ، قال : حدثنا محمد بن يحيى ، قال : حدثنا عثمان بن الهيثم ، قال : حدثنا ابن جريح ، قال : كان عطاء يأخذ بشأن صاحب الجبة ، وكان شأن صاحب الجبة قبل حجة الوداع ، قال : والآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق ، قال ابن جريح : وكان شأن صاحب الجبة أن عطاء أخبرني أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول لعمر : ليتني أرى نبي الله حين ينزل عليه ، فلما كان النبي عليه السلام بالجعرانة ، وعلى النبي عليه السلام ثوب قد ظلل به ومعه ناس من أصحابه إذ جاءه رجل عليه جبة متضمخ بطيب . فذكر الحديث بتمامه .

قال أبو عمر : روى هذا الحديث عن ابن جريح جماعة منهم يحيى بن سعيد القطان . وقال فيه نوح بن حبيب ، عن القطان ، عن ابن جريح بإسناده كما ذكرنا . وأما الجبة فاخلعها ، وأما الطيب فاغسله ، ثم أحدث إحراما . ذكره أحمد بن شعيب النسائي ، عن نوح بن حبيب .

وقال : لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث : " ثم أحدث إحراما " غير نوح بن حبيب ، قال : ولا أحسبه محفوظا ، والله أعلم .

قال أبو عمر : أما قوله في حديث مالك : إن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 254 ] وهو بحنين ، فالمراد منصرفه من غزوة حنين ، والموضع الذي لقي فيه الأعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الجعرانة ، وهو بطريق حنين بقرب ذلك معروف ، وفيه قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين ، والآثار المذكورة كلها تدلك على ما ذكرناه ، ولا تنازع في ذلك إن شاء الله .

وأما قوله : وعلى الأعرابي قميص ، فالقميص المذكور في حديث مالك هو الجبة المذكورة في حديث غيره ، ولا خلاف بين العلماء أن المخيط كله من الثياب ، لا يجوز لباسه للمحرم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم المحرم عن لباس القمص والسراويلات ، وسيأتي ذكر هذا المعنى في حديث نافع إن شاء الله .

وأما قوله : وبه أثر صفرة ، فقد بان بما ذكرنا من الآثار أنها كانت صفرة خلوق ، وهو طيب معمول من الزعفران ، وقد نهى رسول الله المحرم عن لباس ثوب مسه ورس ، أو زعفران . وأجمع العلماء على أن الطيب كله محرم على الحاج والمعتمر بعد إحرامه ، وكذلك لباس الثياب ، واختلفوا في جواز الطيب للمحرم قبل الإحرام بما يبقى عليه بعد الإحرام ، فأجاز ذلك قوم ، وكرهه آخرون ، واحتج بهذا الحديث كل من كره الطيب عند الإحرام وقالوا : لا يجوز لأحد إذا أراد الإحرام أن يتطيب قبل أن يحرم ، ثم يحرم ; لأنه كما لا يجوز للمحرم بإجماع أن يمس طيبا بعد أن يحرم ، فكذلك لا يجوز له أن يتطيب ، ثم يحرم ; لأن بقاء الطيب عليه كابتدائه له بعد إحرامه سواء ، لا فرق بينهما ، واحتجوا بأن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص كرهوا أن يوجد من المحرم شيء من ريح الطيب ، ولم يرخصوا لأحد أن يتطيب عند إحرامه ، ثم يحرم ، وممن قال بهذا من العلماء عطاء بن أبي رباح وسالم بن عبد الله على اختلاف عنه ومالك بن أنس وأصحابه ومحمد بن الحسن [ ص: 255 ] رواه ابن سماعة عنه ، وهو اختيار أبي جعفر الطحاوي ، ومن حجة من قال بهذا القول من طريق النظر أن الإحرام يمنع من لبس القمص والسراويلات والخفاف والعمائم ، ويمنع من الطيب ، ومن قتل الصيد وإمساكه ، فلما أجمعوا أن الرجل إذا لبس قميصا ، أو سراويل قبل أن يحرم ، ثم أحرم ، وهو عليه أنه يؤمر بنزعه ، وإن لم ينزعه وتركه كان كمن لبسه بعد إحرامه لبسا مستقبلا ويجب عليه في ذلك ما يجب عليه لو استأنف لبسه بعد إحرامه ، وكذلك لو اصطاد صيدا في الحل ، وهو حلال فأمسكه في يده ، ثم أحرم ، وهو في يده أمر بتخليته ، وإن لم يخله كان إمساكه له بعد أن أحرم كابتدائه الصيد وإمساكه في إحرامه ، قالوا : فلما كان ما ذكرنا ، وكان الطيب محرما على المحرم بعد إحرامه كحرمة هذه الأشياء كان ثبوت الطيب عليه بعد إحرامه ، وإن كان قد تطيب به قبل إحرامه كتطيبه بعد إحرامه ، ولا يجوز في القياس والنظر عندهم غير هذا ، واعتلوا في دفع ظاهر حديث عائشة بما رواه إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه ، قال : سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال : لأن أطلى بالقطران أحب إلي من أن أصبح محرما تنضخ مني ريح الطيب ، قال : فدخلت على عائشة ، فأخبرتها بقول ابن عمر ، فقالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف على نسائه ، ثم أصبح محرما ، قالوا : فقد بان بهذا في حديث عائشة أن رسول الله [ ص: 256 ] صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه بعد التطيب ، وإذا طاف عليهن اغتسل لا محالة ، فكان بين إحرامه وتطيبه غسل ، قالوا : فكأن عائشة إنما أرادت بهذا الحديث الاحتجاج على من كره أن يوجد من المحرم بعد إحرامه ريح الطيب كما كره ذلك ابن عمر .

وأما بقاء نفس الطيب على المحرم فلا .

قال أبو عمر : هذا ما احتج به من كره الطيب للمحرم من طريق الآثار ، ومن طريق النظر .

وقال جماعة من أهل العلم : لا بأس أن يتطيب المحرم عند إحرامه قبل أن يحرم بما شاء من الطيب مما يبقى عليه بعد إحرامه ومما لا يبقى .

وممن قال بهذا من العلماء أبو حنيفة وأبو يوسف والثوري والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهويه وأبو ثور وجماعة ، وجاء ذلك أيضا عن جماعة من الصحابة ، منهم سعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبو سعيد الخدري وعائشة وأم حبيبة وعبد الله بن الزبير ومعاوية ، فثبت الخلاف في هذه المسألة بين الصحابة ومن بعدهم ، وكان عروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير والحسن البصري وخارجة بن زيد لا يرون بالطيب كله عند الإحرام بأسا .

والحجة لمن ذهب هذا المذهب حديث عائشة ، قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه قبل أن يحرم ، ولحله قبل أن يطوف بالبيت . هذا لفظ القاسم بن محمد ، عن عائشة . ومثله رواية عطاء ، عن عائشة في ذلك .

وقال الأسود عن عائشة إنها كانت تطيب النبي صلى الله عليه وسلم بأطيب ما تجد من الطيب ، قالت : حتى إني لأرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته .

وروى موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عائشة ، قالت : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغالية الجيدة عند إحرامه . رواه [ ص: 257 ] أبو زيد بن أبي الغمر ، عن يعقوب بن عبد الرحمن الزهري ، عن موسى بن عقبة .

وروى هشام بن عروة ، عن أخيه عثمان بن أبي عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عائشة قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه بأطيب ما أجد ، وربما قالت : بأطيب الطيب لحرمه وحله . وقالوا : لا معنى لحديث ابن المنتشر ; لأنه ليس ممن يعارض به هؤلاء الأئمة ، فلو كان مما يحتج به ما كان في لفظه حجة ; لأن قوله : طاف على نسائه - يحتمل أن يكون طوافه لغير جماع ، وجائز أن يكون طوافه عليهن ليعلمهن كيف يحرمن ، أو لغير ذلك .

والدليل على ذلك ما رواه إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : كان يرى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث ، وهو محرم . قالوا : والصحيح في حديث ابن المنتشر ما رواه شعبة ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه أنه سأل ابن عمر ، عن الطيب عند الإحرام فقال : لأن أتطيب بقطران أحب إلي من أن أفعل ، قال : فذكرته لعائشة ، فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن قد كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف على نسائه ، ثم يصبح محرما ينضخ طيبا . قالوا : والنضخ في كلام العرب اللطخ والجري والظهور ، قال الله عز وجل : فيهما عينان نضاختان ، قال النابغة :


من كل نهكتة نضخ العبير بها لا الفحش يعرف من فيها ولا الزور

يريد لطخ العبير بها .

قالوا : ولا معنى لحديث الأعرابي في هذا ; لمعان : منها أنه يحتمل أن يكون الأعرابي تطيب بعد ما أحرم ، ومنها أنه كان عام حنين وتطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه [ ص: 258 ] في حجة الوداع ، فلو كان ما تطيب به الأعرابي يومئذ مباحا للرجال في حال الإحلال محظرا عليهم في الإحرام كان ذلك منسوخا بفعله عام حجة الوداع صلى الله عليه وسلم .

قالوا : وقد صح وعلم أن الطيب الذي كان على الأعرابي يومئذ كان خلوقا ، والخلوق لا يجوز للرجال في حال الحل ، ولا في حال الإحرام واحتجوا فيما ذهبوا إليه من هذا بحديث عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل . رواه حماد بن زيد وشعبة وإسماعيل بن علية وهشيم ، كلهم عن عبد العزيز بن صهيب واحتجوا أيضا في ذلك بما رواه أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن جديه ، قالا : سمعنا أبا موسى الأشعري يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقبل صلاة رجل في جسده شيء من خلوق وبما رواه يوسف بن صهيب ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا تقربهم الملائكة المتخلق والسكران والجنب وبحديث الحسن ، عن عمران بن حصين ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا وطيب الرجال ريح لا لون ، وطيب النساء لون لا ريح .

وروى حميد ، عن أنس ، عن النبي عليه السلام مثله ونحوه .

قال أبو عمر : أما مالك رحمه الله فلم ير بلبس الثياب المزعفرة بأسا للرجال والنساء . ذكر ابن القاسم ، عن مالك ، قال : رأيت محمد بن المنكدر يلبس المصبوغ بالزعفران والثوب المورد ورأيت ابن هرمز يلبس الثوب [ ص: 259 ] بالزعفران . والحجة لهؤلاء في ذلك حديث مالك ، عن سعيد المقبري ، عن عبيد بن جريح أنه قال لابن عمر : ورأيتك تصبغ بالصفرة ، يعني ثيابك ، فقال ابن عمر : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها . وسيأتي هذا الحديث وما للعلماء في ذلك من القول في باب سعيد بن أبي سعيد إن شاء الله .

وقد ذكرنا الاختلاف في لباس الثياب المزعفرة للرجال فيما تقدم من كتابنا هذا في باب حميد الطويل وسيأتي منه ذكر صالح في باب سعيد بن أبي سعيد إن شاء الله .

قالوا : وما روي عن عمر رحمه الله في كراهيته للطيب على المحرم فيحتمل أن يكون لئلا يراه جاهل فيظن أنه تطيب بعد الإحرام فيستجيز بذلك الطيب بعد الإحرام ، وكان عمر كثير الاحتياط في مثل هذا ، ألا ترى أنه نهى طلحة بن عبيد الله عن لبس الثوب المصبوغ بالمدر خوفا أن يراه جاهل فيستجيز بذلك لبس الثياب المصبغة ، قالوا : وفي لفظ عمر لمعاوية : عزمت عليك لترجعن إلى أم حبيبة فلتغسله عنك - دليل على أنه لم يكن ذلك عنده محرما ; لأن من أتى ما لا يحل ليس يقال له عزمت عليك لتتركن ما لا يحل لك ، لا سيما في عمر ومعاوية ، فقد كان عمر يضرب بالدرة على أقل من هذا أجل من معاوية وأسن ، قالوا : ولو صح عن عمر ما ذهب إليه من كره الطيب عند الإحرام لم تكن فيه حجة لوجود الاختلاف بين الصحابة في ذلك والمصير إلى السنة فيه .

وروى سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن سالم بن عبد الله أنه ذكر قول عمر في الطيب ، ثم قال : قالت عائشة : أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه ، قال سالم : وسنة رسول الله أحق أن تتبع .

وروى الثوري ، عن منصور ، عن سعيد بن جبير ، قال : كان ابن عمر لا يدهن إلا بالزيت حين يريد أن يحرم ، قال منصور : فذكرت ذلك لإبراهيم ، فقال : ما تصنع بهذا ؟ [ ص: 260 ] حدثني الأسود ، عن عائشة أنها قالت : كان يرى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو محرم .

وروى مالك ، عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن أبي بكر وربيعة بن أبي عبد الرحمن أن الوليد بن عبد الملك سأل سالم بن عبد الله وخارجة بن زيد بن ثابت بعد أن رمى الجمرة وحلق رأسه وقبل أن يفيض ، عن الطيب ، فنهاه سالم ، وأرخص له خارجة بن زيد .

قال إسماعيل بن إسحاق : جاء عن عائشة بالإسناد الصحيح أنها قالت : كنت أطيب رسول الله لحرمه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت . وقد كانت عائشة تفتي بذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم .

حدثنا إبراهيم بن الحجاج ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، عن موسى بن عقبة ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أن أباه كان يكره الطيب عند الإحرام ، وكان يعلم أن عائشة كانت تفتي بأنه لا بأس بالطيب عند الإحرام .

قال إسماعيل : وجاء عن عمر بالأسانيد الصحاح أنه كره الطيب عند الإحرام وبعد رمي الجمرة [ ص: 261 ] قبل الطواف بالبيت وأمر معاوية أن تغسل أم حبيبة عنه الطيب .

وقال في خطبته بعرفة : إذا رميتم الجمرة ونحرتم فقد حل لكم ما حرم عليكم ، إلا النساء والطيب ، لا يمس أحد طيبا ولا نساء حتى يطوف بالبيت ، وهذا بمحضر جماعة الصحابة ، فما رد قوله ذلك عليه أحد ، ولا أنكره منكر ، وجاء عن عثمان في ذلك مثل مذهب عمر ، وعن ابن عمر مثل ذلك .

ولا يقع في القلب أنهم جهلوا ما روت عائشة ، ولا أنهم يقصدون لخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه يمكن أن يكون علموا نسخ ذلك ، وإذا كان ذلك ممكنا فالاحتياط التوقف ، فمن اتقى ذلك فقد احتاط لنفسه .

قال : وأما التابعون فاختلفوا في ذلك أيضا ، فذهبت جماعة منهم إلى ما روي عن عائشة ، وجماعة إلى ما روي عن عمر .

وقال أبو ثابت : قلت لابن القاسم : هل كان مالك يكره أن يتطيب إذا رمى جمرة العقبة قبل أن يفيض ؟ ، قال : نعم ، قلت : فإن فعل ، أترى عليه الفدية ؟ ، قال : لا أرى عليه شيئا لما جاء فيه .

وقال مالك : لا بأس أن يدهن المحرم قبل أن يحرم وقبل أن يفيض بالزيت والبان غير المطيب مما لا ريح له .

قال أبو عمر : لا معنى لمن قاس الطيب على الثياب والصيد ; لأن السنة قد فرقت بين ذلك فأجازت التطيب عند الإحرام بما يرى بعد الإحرام في المفارق والشعر ويوجد ريحه من المحرم وحظرت على المحرم أن يحرم وعليه شيء من المخيط ، أو بيده شيء من الصيد ، ومن جعل الطيب قياسا على الثياب والصيد فقد جمع بين ما فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر المسلمين بينه .

وقد شبه بعض الفقهاء الطيب قبل الإحرام بالواطئ قبل الفجر يصبح جنبا بعد الفجر ، ولم يكن له أن ينشئ الجنابة بعد الفجر ، وهو قياس صحيح إن شاء الله ، ولكن إنكاره للمحرم أن يشم الطيب بعد إحرامه إذا أجاز التطيب قبل الإحرام مناقض تارك للقياس ; لأن الاستمتاع من رائحة الطيب لمن [ ص: 262 ] تطيب قبل إحرامه أكثر من شمه من غيره ، والله أعلم .

وهم لا يجيزون مس الطيب اليابس ، ولا حمله في الخرق إذا ظهر ريحه ، وهذا كله دليل على صحة قول من كره الطيب للمحرم ، وهو الاحتياط ، وبالله التوفيق .

واختلف الفقهاء فيمن تطيب بعد إحرامه جاهلا ، أو ناسيا ، فكان مالك يرى الفدية على كل من قصد إلى التطيب بعد إحرامه عامدا ، أو ناسيا ، أو جاهلا إذا تعلق بيده ، أو ببدنه شيء منه والطيب المسك والكافور والزعفران والورس وكل ما كان معروفا عند الناس بأنه طيب لطيب رائحته .

وأما شم الرياحين والمرور في سوق الطيب ، وإن كان ذلك مكروها عنده ، فإنه لا شيء على من وصل إليه رائحته إذا لم يعلق بيديه ، أو بدنه منه شيء .

وقال الشافعي : إن تطيب جاهلا ، أو ناسيا ، فلا شيء عليه ، وإن تطيب عامدا فعليه الفدية ، قال : والفرق في التطيب بين الجاهل والعامد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي ، وقد أحرم وعليه خلوق بنزع الجبة وغسل الصفرة ، ولم يأمره بفدية ، ولو كانت عليه فدية لأمره بها كما أمره بنزع الجبة .

لم يختلف قول الشافعي في الجاهل ، واختلف قوله في الناسي يلبس ، أو يتطيب ناسيا ، فمرة أوجب عليه الفدية ، ومرة لم ير عليه فدية ، وفي هذا الحديث رد على من زعم من العلماء أن الرجل إذا أحرم وعليه قميص كان عليه أن يشقه ، وقالوا : لا ينبغي أن ينزعه كما ينزع الحلال قميصه ; لأنه إذا فعل ذلك غطى رأسه ، وذلك لا يجوز له ، فلذلك أمر بشقه ، وممن قال بهذا من العلماء الحسن والشعبي والنخعي وأبو قلابة وسعيد بن جبير على اختلاف عنه .

ذكر سعيد بن منصور ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا يونس ، عن الحسن ، قال هشيم : وأخبرني مغيرة ، عن إبراهيم والشعبي أنهم قالوا : إذا أحرم الرجل وعليه قميصه فليخرقه حتى يخرج منه .

وروى شعبة ، عن المغيرة ، عن إبراهيم ، قال : إذا أحرم الرجل وعليه قميص فليخرقه ، قال أحدهما : يشقه . وقال الآخر : [ ص: 263 ] يخلعه من قبل رجليه ، وذكر الطحاوي ، قال : حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، قال : حدثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، قال : يخرقه ، ولا ينزعه . هكذا قال . وهو عندي خطأ ; لأن الثوري روى عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، قال : ينزع ثيابه ، ولا يخرقها ، وهو الصحيح إن شاء الله ، عن سعيد بن جبير . ذكره عبد الرزاق وغيره ، عن الثوري ، وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : إن أحرم في قميص شقه .

قال أبو عمر : احتج من ذهب إلى هذا المذهب بما رواه عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة أنه سمع ابني جابر يحدثان عن أبيهما بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه شق قميصه حتى خرج منه ، فقيل له ، فقال : واعدتهم يقلدون هديي اليوم فنسيت .

ذكره عبد الرزاق ، عن داود بن قيس ، عن عبد الرحمن بن عطاء ، ورواه أسد بن موسى ، عن حاتم بن إسماعيل ، عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة ، عن عبد الملك بن جابر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم جالسا فقد قميصه من جيبه حتى إذا أخرجه من رجليه ، فنظر القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على كذا وكذا ، فلبست قميصي ونسيت ، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي ، وكان [ ص: 264 ] بعث ببدنه وأقام بالمدينة .

وقال جمهور فقهاء الأمصار : ليس على من نسي فأحرم وعليه قميصه أن يخرقه ، ولا يشقه ، وممن قال ذلك مالك وأصحابه والشافعي ، ومن سلك سبيله وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والثوري وسائر فقهاء الأمصار وأصحاب الآثار .

وحجتهم في ذلك حديث عطاء ، عن صفوان بن يعلى بن أمية ، عن أبيه في قصة الأعرابي الذي أحرم وعليه جبة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزعها ، وهو الحديث المذكور في هذا الباب ، ولا خلاف بين أهل العلم بالحديث أنه حديث ثابت صحيح ، وحديث جابر الذي يرويه عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة عندهم حديث ضعيف لا يحتج به ، وهو عندهم أيضا مع ضعفه مردود بالثابت عن عائشة أنها قالت : كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يقلده ويبعث به ، فلا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي ، وإن كان جماعة العلماء قالوا : إذا أشعر هديه ، أو قلده فقد أحرم .

وقال آخرون : إذا كان يريد بذلك الإحرام ، وسنذكر هذا المعنى مجردا في باب عبد الله بن أبي بكر إن شاء الله .

وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، عن صفوان بن يعلى بن أمية ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل أحرم في قميص : انزع عنك القميص واغسل عنك الطيب حسبته قال ثلاث مرات ، قال قتادة : فقلت لعطاء : إن ناسا يقولون : إذا أحرم في قميصه فليشقه ، قال : لا لينزعه إن الله لا يحب الفساد .

وروى سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عطاء بإسناده مثله سواء ، وذكر عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : من أحرم في قميص فلينزعه ولا يشقه .

قال أبو عمر : ليس نزع القميص بمنزلة اللباس في أثر ، ولا نظر ، فأما الأثر فقد ذكرناه في قصة الأعرابي .

وأما النظر ، فإن المحرم لو حمل على رأسه شيئا لم يعد ذلك من لبس القلنسوة ، وكذلك من تردى بإزار وحلل [ ص: 265 ] به بدنه لم يحكم له بحكم لباس المخيط ، وفي هذا دليل على أنه إنما نهى عن لباس الرأس القلنسوة في حال الإحرام اللباس المعهود ، وعن لباس الرجل القميص اللباس المعهود ، وعلم أن النهي إنما وقع في ذلك وقصد به إلى من قصد وتعمد فعل ما نهي عنه من اللباس في حال إحرامه اللباس المعهود في حال إحلاله ، فخرج بما ذكرنا ما أصاب الرأس من القميص المنزوع ، هذا ما يوجب النظر إن شاء الله .

وأما قوله وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك فكلام خرج على لفظ العموم والمراد به الخصوص ، وقد تبين ذلك في سياقة ابن عيينة له ، عن عمرو بن دينار حيث قال : فقال له النبي عليه السلام : ما كنت تصنع في حجك ؟ ، قال : كنت أنزع هذه - يعني الجبة - وأغسل هذا الخلوق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك ، أي من هذا الذي ذكرت من نزع القميص وغسل الطيب ، فخرج كلامه صلى الله عليه وسلم في حديث مالك وما كان مثله - على جواب السائل فيما قصده بالسؤال عنه .

وهذا إجماع من العلماء أنه لا يصنع المعتمر عمل الحج كله ، وإنما عليه أن يتم عمل عمرته ، وذلك الطواف والسعي والحلاق والسنن كلها . والإجماع يدلك على أن قوله في هذا الحديث وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك كلام ليس على ظاهره وأنه لفظ عموم أريد به الخصوص على ما وصفنا من الاقتصار به على جواب السائل في مراده ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية