التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1699 [ ص: 225 ] حديث خامس للعلاء بن عبد الرحمن .

مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه قال : سألت أبا سعيد الخدري ، عن الإزار فقال : أنا أخبرك بعلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إزرة المسلم إلى أنصاف ساقيه ، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين ، ما أسفل من ذلك ففي النار - قال ذلك ثلاث مرات - لا ينظر الله عز وجل إلى من جر إزاره بطرا


( هكذا روي هذا الحديث ، عن مالك ، عن العلاء ) لم يختلف عليه فيه أحد ، وكذلك رواه شعبة وغيره ( عنه ) كما رواه مالك .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم ، حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا هارون بن معروف قال : حدثنا ضمرة قال : حدثنا سعدان بن سالم الأيلي ، عن يزيد بن أبي سمية قال : سمعت ابن عمر : فيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار ، فهو في القميص ، يعني ما تحت الكعبين من القميص في النار ، كما قال في الإزار .

وقد روى أبو زهير بن معاوية قال : سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول : أدركتهم وقمصهم إلى نصف الساق ، أو قريب من ذلك ، وكم أحدهم لا يجاوز يده .

[ ص: 226 ] قال أبو عمر :

تكميش الإزار إلى نصف الساق ، كانت العرب تمدح فاعله ، ثم جاء الله بالإسلام فسنه النبي صلى الله عليه وسلم .

قال دريد بن الصمة يرثي أخاه ويمدحه :


قليل التشكي للمصيبات حافظ مع اليوم أدبار الأحاديث في غد     كميش الإزار خارج نصف ساقه
صبور على الضراء طلاع أنجد     صبا ما صبا حتى إذا شاب رأسه
وأحدث حلما قال للباطل ابعد

ورحم الله إسحاق بن سويد حيث يقول :


إن المنافق لا تصفو خليقته     فيها مع الهمز إيماض وإيماء
عابوا على من يرى تشمير أزرهم     وخطة العائب التشمير حمقاء
عدوهم كل قار مومن ورع     وهم لمن كان شريبا أخلاء

.

[ ص: 227 ] وقال : متمم بن نويرة في رثائه لأخيه :


تراه كنصل السيف يهتز للندى وليس     على الكعبين من ثوبه فضل

وقال العرجي ، وهو عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان :


رأتني خضيب الرأس شمرت مئزري     وقد عهدتني أسود الرأس مسبلا
فقالت لأخرى دونها تعرفينه     أليس به قالت بلى ما تبدلا
سوى أنه قد لاحت الشمس لونه     وفارق أشياع الصبا وتبتلا
أماطت كساء الخز عن حر وجهها     وأرخت على الخدين بردا مهلهلا
من اللائي لم يحججن يبغين حسبة     ولكن ليقتلن البريء المغفلا

وأنشد أبو عبيد العجير السلولي :


وكنت إذا داع دعا لمعونة     أشمر حتى ينصف الساق مئزري

[ ص: 228 ] قوله : لمعونة ، أي لضيافة .

قال أبو عبيدة : ثلاثة أحرف جاءت عن العرب على غير قياس : معونة ، وهي من : أعان يعين . ومثوبة وهي من : أثاب يثيب . ومضوفة ، من : أضاف يضيف .

وروي عن عمر بن الخطاب أنه كان يكره فضول الثياب ، ويقول : فضول الثياب في النار .

وسئل سالم بن عبد الله بن عمر عما جاء في إسبال الإزار : أذلك في الإزار خاصة ؟ فقال : بلى في القميص ، والإزار ، والرداء ، والعمامة .

وقال طاوس : الرداء فوق القميص ، والقميص فوق الإزار .

وروي عن نافع أنه سئل ، عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أسفل من الكعبين ففي النار من الثياب ؟ فقال : وما ذنب الثياب ، بل هو من القدمين .

قال أبو عمر :

لا يجوز للرجل أن يجر ثوبه خيلاء وبطرا ، والله أعلم . فإن قيل : إن ابن مسعود كان يسبل إزاره لما ذكره ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود أنه كان يسبل إزاره ، فقيل له ، فقال : إني رجل حمش الساقين . قيل : ذلك لعله أذن له كما أذن لعرفجة أن يتخذ أنفا من ذهب فيتجمل به .

[ ص: 229 ] وذكر أبو بكر ، عن عيسى بن يونس ، عن الأوزاعي ، عن عمرو بن مهاجر قال : كانت قمص عمر بن عبد العزيز وثيابه فيما بين الكعب ، والشراك ، وهذا يحتمل أن يكون عمر ذهب إلى أن يستغرق الكعبين كما إذ قيل في الوضوء : " إلى الكعبين " استغرقهما ، وكان الاحتياط أن يقصر عنهما ، إلا أن معنى هذا مخالف لمعنى الوضوء ، ولكن عمر ليس منهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : لست منهم ، أي لست ممن يجر ثوبه خيلاء وبطرا . وقد مضى هذا المعنى مكررا في مواضع من كتابنا هذا ، والحمد لله .

التالي السابق


الخدمات العلمية