التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1709 [ ص: 56 ] حديث ثالث لسعيد بن أبي سعيد

مالك ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : خمس من الفطرة : تقليم الأظفار ، وقص الشارب ، وحلق العانة ، ونتف الإبط ، والاختتان .


هذا الحديث في الموطأ موقوف عند جماعة الرواة ، إلا أن بشر بن عمر رواه عن مالك ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرفعه وأسنده ، وهو حديث محفوظ ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسندا صحيحا ، رواه ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولصحته مرفوعا ذكرناه ، والحمد لله .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن عبد السلام ، قال : حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا بشر بن عمر ، قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس من الفطرة : تقليم الأظفار ، وقص الشارب ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، والاختتان .

وكذلك ذكره ابن الجارود ، عن عبد الرحمن بن يوسف ، عن بندار ويحيى بن حكيم جميعا ، عن بشر بن عمر ، عن مالك ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 57 ] ورواه محمد بن يحيى الذهلي ، عن بشر بن عمر ، عن مالك ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة موقوفا ، لم يتجاوز به أبا هريرة ، وهو الصحيح في رواية مالك ، إن شاء الله .

وقد روي ، عن مالك مرفوعا رواية بشر بن عمر :

حدثنا خلف بن قاسم ، قال : حدثنا أحمد بن الحسن بن إسحاق بن عتبة الرازي ، قال : حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح بن صفوان السهمي ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لهيعة ، عن عيسى بن موسى بن حميد بن أبي الجهم العدوي ، عن مالك بن أنس ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة يأثره ، قال : الفطرة : قص الشارب ، وتقليم الأظفار ، ونتف الإبط ، وحلق العانة .

وأما رواية الزهري فصحيح رفعه فيها :

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا بكر بن حماد ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة .

وأخبرنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا جعفر بن محمد الصائغ ، قال : حدثنا سليمان بن داود ، قال أخبرنا إبراهيم بن سعد جميعا ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : الفطرة خمس : الختان ، والاستحداد ، وقص الشارب ، وتقليم الأظفار ، ونتف الإبط .

وكذلك رواه أبو داود الطيالسي ، عن زمعة بن صالح ، عن الزهري بإسناده مثله .

وقد روي أن قص الشارب والختان مما ابتلي به إبراهيم الخليل عليه السلام .

ذكر سنيد ، عن ابن علية ، عن أبي رجاء أنه سأل الحسن ، عن قوله عز [ ص: 58 ] وجل وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال : ابتلاه بالكوكب فرضي ، وابتلاه بالقمر فرضي ، وابتلاه بالشمس فرضي ، وابتلاه بالنار فرضي ، وابتلاه بالهجرة فرضي ، وابتلاه بالختان فرضي .

وذكر عن أبي سفيان ، عن معمر ، عن الحسن مثله ، قال معمر وقال قتادة : قال ابن عباس : ابتلاه الله بالمناسك ، قال : وقال آخرون : ابتلاه الله بالطهر ، وقص الشارب .

قال أبو عمر :

قص الشارب والختان من ملة إبراهيم ، لا يختلفون في ذلك .

ذكر مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد أنه قال : كان إبراهيم أول من ضيف الضيف ، وأول الناس اختتن ، وأول الناس قص شاربه ، وأول الناس رأى الشيب ، فقال : يا رب ما هذا ، فقال الله : وقار يا إبراهيم ، فقال : رب زدني وقارا .

وروى الأوزاعي ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال اختتن إبراهيم ، وهو ابن عشرين ومائة سنة ، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة .

وروى هذا الحديث غير الأوزاعي جماعة عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد ، عن أبي هريرة موقوفا ، وهو مرفوع من حديث ابن عجلان ، عن [ ص: 59 ] أبيه ، عن أبي هريرة ومن حديث المغيرة الحزامي ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وأجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن ، وقال أكثرهم الختان من مؤكدات سنن المرسلين ، ومن فطرة الإسلام التي لا يسع تركها في الرجال .

وقالت طائفة : ذلك فرض واجب ; لقول الله عز وجل ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا . قال قتادة : هو الاختتان .

قال أبو عمر :

ذهب إلى هذا بعض أصحابنا المالكيين ، إلا أنه عندهم في الرجال ، وقد يحتمل أن تكون ملة إبراهيم المأمور باتباعها : التوحيد ; بدليل قوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا .

وقد روى أبو إسحاق ، عن حارثة بن مضرب ، عن علي : أن سارة لما وهبت هاجر لإبراهيم فأصابها ، غارت سارة فحلفت ليغيرن منها ثلاثة أشياء ، فخشي إبراهيم أن تقطع أذنيها أو تجذع أنفها ، فأمرها أن تخفضها وتثقب أذنيها .

وروي عن أم عطية أنها كانت تخفض نساء الأنصار .

وروى حجاج بن أرطاة ، عن ابن أبي المليح ، عن أبيه ، عن شداد بن أوس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الختان سنة للرجال ، مكرمة للنساء .

واحتج من جعل الختان سنة بحديث أبي المليح هذا ، وهو يدور على حجاج بن أرطاة ، وليس ممن يحتج بما انفرد به ، والذي أجمع المسلمون عليه : الختان في الرجال على ما وصفنا .

[ ص: 60 ] وذكر ابن إسحاق وغيره ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن أبي سفيان بن حرب في حديث هرقل : أنه أصبح مهموما ، يقلب طرفه إلى السماء ، فقال : له بطارقته لقد أصبحت أيها الملك مهموما ، فقال لهم : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر ، قالوا : لا يهمنك ، إنا لا نعرف أمة تختتن إلا اليهود ، وهم في سلطانك وتحت يديك ، فابعث إلى كل من لك عليه سلطان في بلادك ، فليضرب أعناق من تحت يديه من اليهود ، واسترح من هذا الغم ، فبيناهم على أمرهم ذلك ، إذ أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان ، يخبر عن خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما استخبره هرقل ، قال : اذهبوا فانظروا ، أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه ، فإذا هو مختتن ، فسأله عن القوم ، فقال : هم يختتنون ، فقال هرقل : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . في حديث طويل .

وتواترت الروايات عن جماعة العلماء أنهم قالوا : ختن إبراهيم ابنه إسماعيل لثلاث عشرة سنة ، وختن ابنه إسحاق لسبعة أيام .

وروي عن فاطمة رضي الله عنها أنها كانت تختن ولدها يوم السابع .

وقال الليث بن سعد : يختن الصبي ما بين سبع سنين إلى عشر .

وقال ابن حنبل : لم أسمع في ذلك شيئا .

وقال الميموني : قلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد بن حنبل - مسألة سئلت عنها ختان ختن صبيا ، فلم يستقص ؟ قال : إذا كان الختان جاوز نصف الحشفة إلى فوق فلا يعيد ; لأن الحشفة تغلظ ، وكلما غلظت ارتفع الختان ; فأما إذا كان الختان دون النصف ، فكنت أرى أن يعيد ، قلت : فإن الإعادة شديدة جدا ، وقد يخاف عليه من الإعادة ، فقال : لا أدري ، ثم قال لي أحمد : [ ص: 61 ] فإن هاهنا رجلا ولد له ابن مختون فاغتم لذلك غما شديدا ، فقلت له : إذا كان الله قد كفاك هذه المؤنة ، فما غمك بهذا ؟

قال أبو عمر :

في هذا الباب حديث مسند غريب ، حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد ، حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف ، حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني ، قال : حدثني الوليد بن مسلم ، عن شعيب يعني ابن أبي حمزة ، عن عطاء الخراساني ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن عبد المطلب ، ختن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم سابعه ، وجعل له مأدبة ، وسماه محمدا . قال يحيى بن أيوب : طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري .

وكره جماعة من العلماء الختان يوم السابع ، فروي عن الحسن أنه قال : أكرهه خلافا على اليهود .

وقال ابن وهب : قلت لمالك ، أترى أن يختن الصبي يوم السابع ، فقال : لا أرى ذلك ، إنما ذلك من عمل اليهود ، ولم يكن هذا من عمل الناس إلا حديثا ، قلت لمالك : فما حد ختانه ؟ قال : إذا أدب على الصلاة ، قلت له عشر سنين أو أدنى من ذلك ، قال : نعم ، وقال الختان من الفطرة .

وقال ابن القاسم : قال مالك : من الفطرة ختان الرجل والنساء .

قال مالك : وأحب للنساء من قص الأظفار ، وحلق العانة ، مثل ما هو على الرجال . ذكره الحارث بن مسكين وسحنون ، عن ابن القاسم .

وقال سفيان بن عيينة : قال لي سفيان الثوري : أتحفظ في الختان وقتا ؟ قلت : لا ، قلت : وأنت لا تحفظ فيه وقتا ، قال : لا .

[ ص: 62 ] واستحب جماعة من العلماء في الرجل الكبير يسلم أن يختتن ، ذكر يونس ، عن ابن شهاب ، قال كان الرجل إذا أسلم أمر بالختان ، وإن كان كبيرا .

وكان عطاء يقول : لا يتم إسلامه حتى يختتن ، وإن بلغ ثمانين سنة .

وروي عن ابن عباس ، وجابر بن زيد ، وعكرمة أن الأغلف لا تؤكل ذبيحته ، ولا تجوز شهادته .

وروي عن الحسن أنه كان يرخص للشيخ الذي يسلم ألا يختتن ، ولا يرى به بأسا ، ولا بشهادته وذبيحته وحجه وصلاته ، وعامة أهل العلم على هذا ولا يرون بذبيحته بأسا .

قال أبو عمر :

حديث يزيد في حج الأغلف لا يثبت ، والصواب فيه ما عليه جماعة العلماء ، فهذا ما بلغنا عن العلماء في الختان ، وأما قص الشارب فيذكر فيه أيضا ما روينا عنهم في ذلك ، وبالله عوننا لا شريك له .

اختلف الفقهاء في قص الشارب وحلقه ، فذهب قوم إلى حلقه واستئصاله لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - أحفوا الشوارب في حديث ابن عمر .

وقد حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم ، حدثنا ابن وضاح ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبدة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انهكوا الشوارب واعفوا اللحى .

وذهب آخرون إلى قصه لحديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب ، ولما روي أن إبراهيم عليه السلام أول من قص شاربه ، وقد أمر الله [ ص: 63 ] نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتبع ملة إبراهيم حنيفا ، وقد أجمعوا أنه لابد للمسلم من قص شاربه أو حلقه ، روى زيد بن أرقم ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال من لم يأخذ من شاربه فليس منا .

حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر ، قال : حدثنا مسلمة بن القاسم ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي ، قال : حدثنا محمد بن عيسى المدائني ، قال : حدثنا شعيب بن حرب ، قال : حدثنا يوسف بن صهيب ، عن حبيب بن يسار ، عن زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يأخذ من شاربه فليس منا .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه ، أن قاسم بن أصبغ حدثهم ، قال : حدثنا بكر بن حماد ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى - يعني القطان - ، عن يوسف بن صهيب ، عن حبيب بن يسار ، عن زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يأخذ من شاربه فليس منا .

وروى الحسن بن صالح ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقص شاربه ، ويذكر أن إبراهيم كان يقص شاربه .

وروته طائفة منهم زائدة ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس موقوفا .

وأما اختلاف الفقهاء في قص الشارب وحلقه ، فقال مالك في الموطأ : يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة ، وهو الإطار ، ولا يجزه فيمثل بنفسه .

وذكر ابن عبد الحكم عنه قال : وتحفى الشوارب وتعفى اللحى ، وليس إحفاء الشارب حلقه ، وأرى أن يؤدب من حلق شاربه .

وقال ابن القاسم عنه : إحفاء الشوارب عندي مثله ، قال مالك : وتفسير حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في إحفاء الشوارب إنما هو الإطار ، وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه .

[ ص: 64 ] وذكر أشهب ، عن مالك أنه قال في حلق الشارب : هذه بدع ، وأرى أن يوجع ضربا من فعله .

وقال مالك : كان عمر بن الخطاب إذا كربه أمر نفخ فجعل رجل يراده ، وهو يفتل شاربه .

وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا محمد بن فطيس ، قال : حدثنا يحيى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أصبغ بن الفرج ، قال : حدثنا عيسى بن يونس ، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، عن أبيه ، قال : السنة في الشارب الإطار ، قال الطحاوي : ولم نجد عن الشافعي شيئا منصوصا في هذا ، وأصحابه الذين رأيناهم المزني والربيع كانا يحفيان شواربهما ، ويدل ذلك على أنهما أخذا ذلك عن الشافعي .

قال : وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد ، فكان مذهبهم في شعر الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير .

وذكر ابن خواز بنداد ، عن الشافعي ، أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة سواء .

وقال الأثرم : رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدا ، وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشوارب ، فقال : يحفي كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أحفوا الشوارب .

وذكر ابن وهب ، عن الليث بن سعد ، قال : لا أحب لأحد أن يحلق شاربه جدا حتى يبدو الجلد ، وأكرهه ، ولكن يقصر الذي على طرف الشارب ، وأكره أن يكون طويل الشاربين .

[ ص: 65 ] قال أبو عمر :

روت عائشة وأبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر من الفطرة ، منها قص الشارب ، وفي إسناديهما مقال ، وكذلك حديث عمار بن ياسر في ذلك أيضا ، وأحسن ذلك : ما حدثناه عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا يحيى بن معين ، حدثنا وكيع ، عن زكرياء بن أبي زائدة ، عن مصعب بن شيبة ، عن طلق بن حبيب ، عن أبي الزبير ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسواك ، والاستنشاق بالماء ، وقص الأظفار ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء يعني الاستنجاء بالماء ، قال زكرياء : قال مصعب : نسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة .

قال الطحاوي : وروى المغيرة بن شعبة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ من شاربه على سواك ، وهذا لا يكون معه إحفاء .

وروى عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجز شاربه ، قال : وهذا الأغلب فيه الإحفاء ، وهو محتمل الوجهين .

وروى نافع ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أحفوا الشوارب واعفوا اللحى .

وروى العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : جزوا الشوارب وأرخوا اللحى ، قال وهذا يحتمل الإحفاء أيضا .

وقد روى عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال أحفوا الشوارب واعفوا اللحى فبان بهذا أن الجز في حديثه الآخر الإحفاء .

[ ص: 66 ] وذكر الطحاوي هذه الآثار كلها بأسانيدها من طرق ، وذكر أيضا بالأسانيد ، عن أبي سعيد الخدري ، وأبي أسيد ، ورافع بن خديج ، وسهل بن سعد ، وعبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وأبي هريرة ، أنهم كانوا يحفون شواربهم ، وقال إبراهيم بن محمد بن حاطب : رأيت ابن عمر يحفي شاربه ، كأنه ينتفه ، وقال بعضهم : حتى يرى بياض الجلد .

وقال الطحاوي : لما كان التقصير مسنونا ، عند الجميع في الشارب كان الحلق فيه أفضل قياسا على الرأس ، قال : وقد دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمحلقين ثلاثا ، وللمقصرين واحدة ، فجعل حلق الرأس أفضل من تقصيره ، فكذلك الشارب ، قال : وما احتج به مالك أن عمر كان يفتل شاربه إذا غضب أو اهتم ، فجائز أن يكون كان يتركه حتى يمكن فتله ، ثم يحلقه ، كما ترى كثيرا من الناس يفعله .

قال أبو عمر :

إنما في هذا الباب أصلان ، أحدهما : أحفوا الشوارب وهو لفظ مجمل محتمل للتأويل ، والثاني : قص الشارب وهو مفسر ، والمفسر يقضي على المجمل ، مع ما روي فيه أن إبراهيم أول من قص شاربه ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قص الشارب من الفطرة يعني فطرة الإسلام وهو عمل أهل المدينة ، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب ، والله الموفق للصواب .

وقد كان أبو بكر محمد بن أحمد بن الجهم يقول : الشارب إنما هو أطراف الشعر الذي يشرب به الماء ، قال : وإنما اشتق له لفظ شارب لقربه من موضع شرب الماء .

وذكر خبر سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقص من شاربه ، وكان إبراهيم خليل الله يقص شاربه أو من شاربه .

[ ص: 67 ] وهذا الحديث حدثناه سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، عن حسن بن صالح ، عن سماك ، فذكره .

وحدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا وكيع ، عن مسعر ، قال : حدثني أبو صخرة ، عن المغيرة بن عبد الله الثقفي ، عن المغيرة بن شعبة ، قال : ضفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة فأمر بجنب فشوي ، ثم أخذ الشفرة فجعل يجز منها ، فجاء بلال فآذنه بالصلاة ، فألقى الشفرة ، فقال : ماله تربت يداه ، وكان شاربي قد وفى بعضه ، فقصه لي على سواك .

وروى ابن وهب ، عن حي بن عبد الله المعافري ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن إبراهيم أول رجل اختتن ، وأول رجل قص شاربه ، وقلم أظفاره ، واستن ، وحلق عانته .

وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ، قال ابتلاه الله بالطهارة : خمس في الرأس ، وخمس في الجسد : قص الشارب ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وفرق الرأس ، وفي الجسد : تقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والاختتان ، ونتف الإبط ، وغسل مكان الغائط والبول بالماء .

وذكر مطر ، عن أبي العالية ، قال ابتلي إبراهيم بعشرة أشياء ، هن في الإنسان سنة : الاستنشاق ، وقص الشارب ، والسواك ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظفار ، وغسل البراجم ، والختان ، وحلق العانة ، وغسل الدبر والفرج .

فهذا ما انتهى إلينا في قص الشارب وحلقه ، وقد روى هشيم ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، أنه قال : من السنة قص الأظفار ، والأخذ [ ص: 68 ] من الشارب ، وحلق العانة ، ونتف الإبط ، وأخذ العارضين ، ولم أجد أخذ العارضين إلا في هذا الخبر ، وسيأتي ذكر إعفاء اللحية والحكم في ذلك في باب أبي بكر بن نافع من هذا الكتاب إن شاء الله .

وأما قص الأظفار وحلق العانة ، فمجتمع على ذلك أيضا ، إلا أن من أهل العلم من وقت في حلق العانة أربعين يوما ، وأكثرهم على أن لا توقيت في شيء من ذلك ، وبالله التوفيق .

ومن وقت ذهب إلى حديث حدثناه أحمد بن فتح ، قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حامد بن ثرثال ، قال : حدثنا الحسن بن الطيب ، قال : حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق الجرمي وقطن بن بشير قالا : ، حدثنا جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران الجوني ، عن أنس بن مالك ، قال : وقت لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حلق العانة ، وقص الشارب ، وتقليم الأظفار ، ونتف الإبط في كل أربعين يوما . وهذا حديث ليس بالقوي من جهة النقل ، ولكنه قد قال به قوم .

وذكره سنيد ، قال : حدثنا جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران الجوني ، عن أنس بن مالك ، قال : وقت لنا ، فذكره سواء ، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا أبو معاوية الغلابي غسان بن المفضل ، قال : حدثنا عمر بن علي بن مقدم ، قال : قال سفيان بن حسين أتدري ما السمت الصالح ؟ ليس هو بحلق الشارب ، ولا تشمير الثوب ، وإنما هو لزوم طريق القوم ، إذا فعل ذلك ، قيل : قد أصاب السمت ، وتدري ما الاقتصاد ؟ هو المشي الذي ليس فيه غلو ولا تقصير .

التالي السابق


الخدمات العلمية