التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1777 [ ص: 279 ] حديث أول لخبيب بن عبد الرحمن متصل صحيح

مالك ، عن خبيب بن عبد الرحمن الأنصاري ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي سعيد الخدري ، أو عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا ، ورجل ذكر الله عز وجل خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته ذات حسب وجمال ، فقال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه


هكذا في رواية يحيى ، وأكثر رواة الموطأ في هذا الحديث " إمام عادل " ، وقد رواه بعضهم : عدل ، وهو المختار عند أهل اللغة ، يقال رجل عدل ورجال عدل وامرأة عدل ، وكذلك رضا سواء ، قال زهير : فهم رضا وهم عدل ، ويجوز عادل على اسم الفاعل ، يقال عدل فهو عادل كما يقال ضرب فهو ضارب ، إلا أن للعادل في اللغة معاني مختلفة ، منها العدول عن الحق ، ومنها الإشراك بالله عز وجل ، وليس هذان المعنيان من هذا الحديث في شيء ، ومن الشاهد على أنه يقال لفاعل العدل عادل قول الشاعر : [ ص: 280 ]

ومن كان في إخوانه غير عادل فما أحد في العدل منه بطامع

حدثنا خلف بن قاسم ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد وأحمد بن إبراهيم بن أحمد بن عطية ، قالا : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر القطان ، قال : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، قال : أخبرنا مالك ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي سعيد ، أو عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وذكر الحديث .

وروى هذا الحديث عن مالك كل من نقل الموطأ عنه فيما علمت على الشك في أبي هريرة وأبي سعيد ، إلا مصعبا الزبيري وأبا قرة موسى بن طارق فإنهما قالا فيه : عن مالك ، عن خبيب ، عن حفص ، عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعا ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

أخبرنا خلف بن قاسم وعلي بن إبراهيم ، قالا : حدثنا الحسن بن رشيق ، حدثنا المفضل بن محمد ، حدثنا علي بن زياد ، حدثنا موسى بن طارق ، قال : ذكر مالك ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ، قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل فذكر الحديث ، سواء كلفظ يحيى .

وحدثنا محمد ، قال : حدثنا علي بن عمر ، حدثنا أبو بكر الشافعي ، حدثنا إبراهيم الحربي ، حدثنا مصعب ، حدثنا مالك ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة وأبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : [ ص: 281 ] سبعة يظلهم الله في ظله ثم ذكره ، وكذلك رواه أبو معاذ البلخي ، عن مالك ، ورواه الوقار عن ثلاثة من أصحاب مالك ، عن مالك ، عن خبيب ، عن حفص ، عن أبي سعيد الخدري وحده لم يذكر أبا هريرة على الجمع ، ولا على الشك .

أخبرنا علي بن إبراهيم ، قال : حدثنا الحسن بن رشيق ، قال : حدثنا أبو محمد سعيد بن أحمد بن زكرياء كاتب العمري زكرياء بن يحيى الوقار ، حدثنا عبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم ويوسف بن عمر بن يزيد ، كلهم يقول : حدثني مالك بن أنس ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم بن عمر ، قال : سمعت أبا سعيد الخدري ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله وساق الحديث إلى آخره ، عن أبي سعيد وحده ، ولم يتابع الوقار على ذلك عنهم وإنما هو في الموطأ عنهم على الشك في أبي هريرة ، أو أبي سعيد ، والحديث محفوظ لأبي هريرة بلا شك من رواية خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة ، ومن غير هذا الإسناد أيضا ، والذي رواه عن خبيب ، عن حفص ، عن أبي هريرة من غير شك عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، وهو أحد أئمة أهل الحديث الأثبات في الحفظ والنقل . رواه عن عبيد الله جماعة ، منهم حماد بن زيد وابن المبارك ويحيى القطان وأنس بن عياض ، كلهم رواه عنه كما وصفت لك .

حدثنا خلف بن القاسم وأحمد بن فتح وعبد الرحمن بن يحيى ، قالوا : حدثنا حمزة بن محمد الكناني بمصر ، قال : حدثنا العباس بن حماد [ ص: 282 ] بن فضالة البصري بالبصرة وعلي بن سعيد الرازي ، قالا : حدثنا محمد بن عبيد بن خباب ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمر ، قال : حدثني خالي خبيب بن عبد الرحمن ، عن جدي حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله إمام مقتصد وشاب نشأ في عبادة الله حتى توفي على ذلك وذكر الحديث .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا بكر بن حماد ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى القطان ، عن عبيد الله بن عمر ، قال : حدثني خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا على ذلك ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال ، فقال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة وأخفاها حتى لم تعلم شماله ما أنفقت يمينه .

قال أبو عمر : هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال وأعمها وأصحها إن شاء الله ، وحسبك به فضلا ; لأن العلم محيط بأن كل من كان في ظل الله يوم القيامة لم ينله هول الموقف ، والظل في هذا الحديث يراد به [ ص: 283 ] الرحمة ، والله أعلم .

ومن رحمة الله الجنة ، قال الله عز وجل : أكلها دائم وظلها .

وقال : وظل ممدود .

وقال : في ظلال وعيون .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث المقداد بن الأسود أنه قال : تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم على قدر ميل ، أو كمقدار ميل - قال - فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق ، فمنهم من يكون فيه إلى كعبيه ، ومنهم من يكون فيه إلى ركبتيه ، ومنهم من يكون فيه إلى حقويه ، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما ، وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه . ورواه يحيى وحمزة وبقية بن الوليد ، عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر ، قال : حدثني سليم بن عامر الخبايري ، قال : حدثنا المقداد بن الأسود ، هذا لفظ حديث يحيى بن حمزة ، وفيه قال سليم بن عامر : والله ما أدري ما يعني بالميل ، أمسافة الأرض أم الميل الذي يكتحل به .

قال أبو عمر : من كان في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله نجا من هول ذلك الموقف إن شاء الله ، والله أعلم .

جعلنا منهم برحمته آمين .

[ ص: 284 ] ويدخل تحت قوله عليه السلام إمام عادل بالمعنى دون اللفظ كل من لزمه الحكم بين اثنين . ويوضح لك ذلك حديث عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الحديث ، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين ، الذين يعدلون في أهليهم ، وما ملكت أيمانهم ، وما ولوا .

وروى أبو مدلة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : الإمام العادل لا ترد دعوته .

وقال علي بن أبي طالب رحمه الله على المنبر في يوم الجمعة : أيها الرعاء إن لرعيتكم حقوقا الحكم بالعدل ، والقسم بالسوية ، وما من حسنة أحب إلى الله من حكم إمام عادل .

وفي فضل الإمام العادل وفضل الشاب الناسك وفضل المشي إلى المسجد والصلاة فيه وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، وفي المتحابين في الله ، وفي البغض في الله والحب في الله ، وفي العين الباكية من خوف الله مع قول الله : ولمن خاف مقام ربه جنتان وفي العفة فضلها ، وفي ذم الزنا وأنه من الكبائر ، وما انضاف إلى هذا المعنى من قصة ذي الكفل ، وفي فضل الصدقة في السر مع قول الله عز وجل وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم وفي تضعيف الله الصدقة المقبولة من الكسب الطيب إلى سائر ما ينتظم بهذه المعاني آثار كثيرة جدا تحتمل أن يفرد لها كتاب ، فضلا عن أن ترسل في باب ، ومن طلب العلم لله فالقليل يكفيه إن شاء الله ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية