التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1863 حديث عاشر لسهيل بن أبي صالح

مرسل ، متصل من وجوه

مالك ، عن سهيل بن أبي صالح السمان ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله يرضى لكم ثلاثا ، ويسخط لكم ثلاثا ، يرضى لكم : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ، ويسخط لكم : قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال .


هكذا روى يحيى هذا الحديث مرسلا لم يذكر أبا هريرة ، وتابعه ابن وهب من رواية يونس بن عبد الأعلى عنه ، والقعنبي ، ومطرف وابن نافع ، وأسنده عن ابن وهب أحمد بن صالح ، والربيع بن سليمان ، ذكرا فيه أبا هريرة .

[ ص: 270 ] وكذلك رواه ابن بكير ، وأبو المصعب ، ومصعب الزبيري ، وعبد الله بن يوسف التيمي ، وسعيد بن عفير ، وابن القاسم ، ومعن بن عيسى ، وأبو قرة موسى بن طارق ، والأويسي ، وابن عبد الحكم ، والحنيني ، وأكثر الرواة ، عن مالك ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسندا .

حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا عمر بن محمد بن القاسم ، ومحمد بن أحمد بن كامل ، ومحمد بن أحمد بن المسور ، قالوا : حدثنا بكر بن سهل ، قال : حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا مالك ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله يرضى لكم ثلاثا ، ويكره لكم ثلاثا ، يرضى لكم : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ، ويكره لكم : قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال .

والحديث مسند محفوظ وغيره ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة كذلك رواه حماد بن سلمة وغيره ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس لهذا الحديث في الموطأ غير هذا الإسناد ، وعند مالك فيه إسناد آخر ، رواه عنه عبد العزيز بن أبي رواد ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، وأخشى أن يكون هذا الإسناد غير محفوظ ، وأن يكون خطأ ; لأن ابن أبي رواد هذا قد روى عن مالك أحاديث أخطأ فيها ، أشهرها خطأ : أنه روى عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إنما الأعمال بالنيات الحديث ، وهذا خطأ لا شك فيه عند أحد من أهل العلم بالحديث ، وإنما حديث الأعمال بالنيات ، عند مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة بن وقاص ، عن عمر ليس له غير هذا الإسناد ، وكذلك رواه الناس ، عن يحيى بن سعيد [ ص: 271 ] وأما حديث ابن أبي رواد في هذا الباب ، فحدثناه أحمد بن عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا محمد بن قاسم ، قال : حدثنا مالك بن عيسى ، قال : حدثنا حاجب بن سليمان ، قال : حدثنا ابن أبي رواد ، قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يحب الله لكم ثلاثا ، ويسخط لكم ثلاثا ، يحب لكم : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وأن تنصحوا ولاة الأمر ويسخط لكم ثلاثا : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال .

قال أبو عمر :

أما حديث سهيل فمحفوظ ، ولعل حديث أبي الزناد أن يكون له أصل ، والله أعلم .

حدثنا أحمد بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن عيسى ، قال : حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي ، وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا مطرف بن عبد الرحمن ، قالا : حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، وحدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد ، حدثنا يحيى بن أيوب ، وأحمد بن حماد ، قالا : حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، عن مالك ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا ، يرضى لكم : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ، ويسخط لكم : قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال .

[ ص: 272 ] في هذا الحديث ضروب من العلم ، منها : أن الله يحب من عباده الإخلاص في عبادته في التوحيد ، وسائر الأعمال كلها التي يعبد بها ، وفي الإخلاص طرح الرياء كله ; لأن الرياء شرك أو ضرب من الشرك .

قال أهل العلم بالتأويل : إن قول الله عز وجل ( فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) نزلت في الرياء .

ويدخل في الإخلاص أيضا التوكل على الله ، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع على الحقيقة غيره ; لأنه لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، لا شريك له .

وفيه الحض على الاعتصام ، والتمسك بحبل الله في حال اجتماع وائتلاف وحبل الله في هذا الموضع فيه قولان ، أحدهما : كتاب الله ، والآخر : الجماعة ، ولا جماعة إلا بإمام ، وهو عندي معنى متداخل متقارب ; لأن كتاب الله يأمر بالألفة ، وينهى عن الفرقة قال الله عز وجل ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ) الآية ، وقال ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) .

وروى يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة في قوله ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) الآية ، قال : حبل الله الذي أمر أن يعتصم به : القرآن ، وقال قتادة : إن الله قد كره إليكم الفرقة ، وقدم إليكم فيها وحذركموها ، ونهاكم عنها ، ورضي لكم بالسمع والطاعة والألفة والجماعة ، فارضوا لأنفسكم بما رضي الله لكم ، فقد ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان [ ص: 273 ] يقول : من فارق جماعة المسلمين قيد شبر ، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه .

وروى معمر ، عن قتادة في قوله ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) ، قال : بعهد الله وأمره ، وروى ابن عيينة ، عن جامع بن أبي راشد ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) قال : القرآن .

وابن عيينة أيضا ، عن إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : حبل الله هو القرآن .

وقيس بن الربيع ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) قال : حبل الله وصراط الله المستقيم كتاب الله .

وأبو معاوية ، عن الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا القرآن هو حبل الله .

فهذا قول ، والقول الثاني : روى بقي ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، قال : حدثنا هشيم ، عن العوام بن حوشب ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن مسعود ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) قال حبل الله الجماعة .

قال بقي : وحدثنا عثمان بن أبي شيبة ، قال : حدثنا محمد بن الحسن الأسدي ، عن هشيم ، عن العوام بن حوشب ، عن الشعبي ، عن عبد الله في قوله ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) الآية قال : الحبل الذي أيد الله به الجماعة ، قال : وحدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن الشعبي ، عن ثابت بن قطبة ، قال : قال عبد الله بن مسعود في خطبته : أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة ، فإنها حبل الله الذي أمر به ، وإن ما تكرهون في الجماعة ، خير مما تحبون في الفرقة .

[ ص: 274 ] وروى الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن عمرو بن ميمون ، قال : قال عبد الله بن مسعود : الجماعة القائل بالحق ، وإن كان وحده .

وفيما أجاز لنا أبو ذر الهروي ، قال : حدثنا علي بن عمر بن محمد بن سادان الشكري ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد البغوي ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمر ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا مجالد ، عن الشعبي ، عن ثابت بن قطبة ، قال : خطبنا ابن مسعود خطبة لم يخطبنا قبلها ولا بعدها ، فقال : أيها الناس ، اتقوا الله ، وعليكم بالطاعة والجماعة ، فإنهما حبل الله الذي أمر به ، وأن ما تكرهون في الجماعة ، خير مما تحبون في الفرقة ، وأن الله عز وجل لم يخلق شيئا من الدنيا ، إلا جعل له نهاية فينتهي إليه ، وأن الإسلام بدأ فثبت ، ويوشك أن ينقص ويزيد إلى يوم القيامة ، وآية ذلك أن تقطعوا أرحامكم ، وأن تفشوا فيكم الفاقة حتى لا يخاف الغني إلا الفقر ، وحتى لا يجد الفقير من يعطف عليه ، حتى يرى الرجل أخاه وابن عمه فقيرا لا يعطف عليه ، وحتى يقوم السائل يسأل فيما بين الجمعتين ، فلا يوضع في يده شيء ، فبينما الناس كذلك إذ خارت الأرض خورة مثل خوار البقر ، يحسب كل قوم إنما خارت من ساحتهم ، ثم يكون رجوع ، ثم تخور الثانية بأفلاذ كبدها ، قيل : وما أفلاذ كبدها ؟ قال : أمثال هذه السواري من الذهب والفضة ، فمن يومئذ لا ينفع الذهب والفضة إلى يوم القيامة ، حتى لا يجد الرجل من يقبل منه ماله صدقة .

قال أبو عمر :

الظاهر في حديث سهيل هذا في قوله ( ويرضى لكم أن تعتصموا بحبل الله جميعا ) أنه أراد الجماعة ، والله أعلم وهو أشبه بسياقة الحديث .

[ ص: 275 ] وأما كتاب الله ، فقد أمر الله عز وجل بالتمسك والاعتصام به في غير ما آية وغير ما حديث ، غير أن هذا الحديث المراد به - والله أعلم - الجماعة على إمام يسمع له ويطاع ، فيكون ولي من لا ولي له في النكاح ، وتقديم القضاة للعقد على الأيتام وسائر الأحكام ، ويقيم الأعياد والجمعات ، وتؤمن به السبل ، وينتصف به المظلوم ، ويجاهد عن الأمة عدوها ، ويقسم بينها فيئها ; لأن الاختلاف والفرقة هلكة ، والجماعة نجاة ، قال ابن المبارك ، رحمه الله :


إن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا     كم يرفع الله بالسلطان مظلمة
في ديننا رحمة منه ودنيانا     لولا الخلافة لم تؤمن لنا سبل
وكان أضعفنا نهبا لأقوانا

وروى شعبة ، عن عمر بن سليمان بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان ، عن أبيه ، عن زيد بن ثابت ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في حديث ذكره : ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم .

وهذا حديث ثابت في معنى حديث سهيل في هذا الباب ، وهو يفسره ، وقد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة ، منهم جبير بن مطعم ، وعبد الله بن مسعود ، وأنس بن مالك ، وقد ذكرنا طرقه في كتاب العلم .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن عبد السلام ، قال : حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن عمر بن سليمان ، قال : سمعت عبد الرحمن بن أبان ، يحدث عن أبيه ، قال : خرج زيد بن ثابت من عند مروان نصف النهار ، قلت ما بعث فيه [ ص: 276 ] هذه الساعة إلا لشيء سأله عنه فسألته ، فقال : سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ورب حامل فقه ليس بفقيه . ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ، ومن كانت الدنيا نيته ، فرق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن كانت الآخرة نيته ، جمع الله أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة . وسألنا عن الصلاة الوسطى وهي الظهر .

حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، قال : حدثنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بخيف منى ، فقال : نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ، ثم أداها إلى من لم يسمعها ، فرب حامل فقه لا فقه له ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن : إخلاص العلم لله ، ولزوم الجماعة ، ومناصحة ولاة الأمر ، فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة .

ورواه عيسى بن يونس ، عن محمد بن إسحاق بإسناده مثله ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - دعا لمن حفظ مقالته هذه فوعاها ، ثم أداها تأكيدا منه في حفظها وتبليغها ، وهي قوله : ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، ولزوم الجماعة ، ومناصحة أولي الأمر .

[ ص: 277 ] فأما قوله : ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن ، فمعناه لا يكون القلب عليهن ومعهن غليلا أبدا ، يعني : لا يقوى فيه مرض ولا نفاق ، إذا أخلص العمل لله ، ولزم الجماعة ، وناصح أولي الأمر .

وأما قوله : فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ، أو هي من ورائهم محيطة ، فمعناه عند أهل العلم : أن أهل الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات [ ص: 278 ] إمامهم ، ولم يكن لهم إمام ، فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إماما لأنفسهم ، اجتمعوا عليه ورضوه ، فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق ، يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام ، إذا لم يكن معلنا بالفسق والفساد ، معروفا بذلك ; لأنها دعوة محيطة بهم يجب إجابتها ، ولا يسع أحدا التخلف عنها ; لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة وفساد ذات البين .

حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ، وأحمد بن زهير - واللفظ للترمذي - قالا : حدثنا ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا عبد الملك بن عمير ، عن مرة ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نضر الله عبدا سمع مقالتي - فذكر الحديث - وفيه ثلاث لا يغل عليهن قط مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة المسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم .

هكذا قال : ومناصحة المسلمين ، وإنما المحفوظ في هذا الحديث خاصة ، ومناصحة ولاة المسلمين ، وإن كانت مناصحة المسلمين قد وردت في غيرما حديث .

حدثنا محمد بن خليفة ، قال : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثنا إبراهيم بن موسى الجوزي ، قال : حدثنا داود بن رشيد ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، وحجر الكلاعي ، قالا : دخلنا على العرباض بن سارية وهو الذي نزل فيه ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ) . [ ص: 279 ] الآية . وهو مريض فقلنا : إنا جئناك زائرين وعائدين ومقتبسين ، فقال عرباض : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الغداة ، ثم أقبل علينا فوعظنا بموعظة بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقال قائل : يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع ، فما تعهد إلينا ؟ قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة - وإن كان عبدا حبشيا - فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .

وروى الحارث الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : آمركم بخمس أمرني الله بهن : الجماعة ، والسمع ، والطاعة ، والهجرة ، والجهاد .

حدثناه قاسم بن محمد ، قال : حدثنا خالد بن سعد ، قال : حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور ، قال : حدثنا محمد بن سنجر ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا أبان ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن أبي كثير - أن زيدا حدثه ، أن أبا سلام حدثه ، أن الحارث الأشعري حدثه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله أمر يحيى بن زكرياء بخمس كلمات يعمل بهن ، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، وأنه كان يبطئ بهن ، وأن عيسى بن مريم ، قال له : إن الله أمرك بخمس كلمات تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، فإما أن تأمرهم ، وإما أن نأمرهم ، قال : يا أخي إنك إن تسبقني بهن خشيت أن أعذب أو يخسف بي ، فجمع الناس في بيت المقدس ، حتى امتلأ ، وقعد الناس على الشرف ، فقال : إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن ، وآمركم أن تعملوا بهن : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ; وإن مثل من أشرك كمثل رجل اشترى عبدا من [ ص: 280 ] خالص ماله بذهب أو ورق ، فقال : هذه داري ، وهذا عملي ، فاعمل وأد إلي ، فجعل العبد يعمل ويؤدي إلى غير سيده ، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك ; وإن الله خلقكم ورزقكم ، فلا تشركوا به شيئا ; وآمركم بالصلاة ، فإذا صليتم ، فلا تلتفتوا ، فإن الله ينصب وجهه لعبده ما لم يلتفت في صلاته ; وإن الله أمركم بالصيام ، وإن مثل الصيام كمثل رجل معه صرة فيها مسك في عصابة كلهم يعجبه أن يجد ريحها ، وإن الصيام عند الله أطيب من ريح المسك ، وآمركم بالصدقة ، وإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوه إلى عنقه ، وقربوه ليضربوا عنقه ، فقال لهم : هل لكم أن أفدي نفسي منكم ، فجعل يعطيهم القليل والكثير ، حتى فدى نفسه منهم ; وآمركم بذكر الله كثيرا ، وإن مثل ذلك كرجل أصابه العدو سراعا في إثره حتى أتى على حصن حصين ، فأحرز نفسه فيه ، وكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن : الجماعة ، والسمع ، والطاعة ، والهجرة ، والجهاد في سبيل الله ، فمن فارق الجماعة قيد شبر ، فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه إلا أن يرجع ، ومن دعا بدعوى الجاهلية ، فإنه من حثاء جهنم ، قال رجل : وإن صام وصلى ؟ قال : وإن صام وصلى ، ادعوا بدعوى الله الذي سماكم المؤمنين عباد الله .

قال أبو عمر :

كذا قال حثاء جهنم ، وغيره يرويه : جثاء جهنم - بالجيم - وذلك كله خطأ عند أهل العلم باللغة ، وقد أنكره أبو عبيدة وغيره ، وقال أبو عبيد : إنما هو من حثاء جهنم ، وهو كما قال أبو عبيد .

[ ص: 281 ] حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ، حدثنا يحيى بن معين بمكة ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن حبيب بن الزبير ، قال : سمعت عبد الله بن أبي الهذيل ، قال : كان عمرو بن العاصي يتخولنا ، فقال رجل من بكر بن وائل : لئن لم تنته قريش ، لنضعن هذا الأمر في جمهور من جماهير العرب غيرهم ، فقال عمرو بن العاصي : كذبت ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة .

وروي من حديث أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس بمعنى واحد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات ، فميتته جاهلية .

وروى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سمعه يقول : من نزع يدا من طاعة ، فلا حجة له ، ومن مات ولا طاعة عليه ، كان ميتته ضلالة .

وروى أبو إدريس الخولاني ، عن حذيفة ، قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الزم جماعة المسلمين وإمامهم ، قلت : فإن لم يكن جماعة ولا إمام ؟ قال : تعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض على شجرة حتى يدركك الموت ، وأنت كذلك .

وروى النعمان بن بشير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب .

والآثار المرفوعة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب كثيرة جدا ، وكذلك عن الصحابة أيضا .

وروى أبو صادق ، عن علي بن أبي طالب أنه قال : إن الإسلام ثلاث أثافي : الإيمان ، والصلاة ، والجماعة ، فلا تقبل الصلاة إلا بإيمان ، ومن آمن صلى وجامع ، ومن فارق الجماعة قيد شبر ، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه .

[ ص: 282 ] حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا صبيح بن عبد الله الفرغاني ، قال : حدثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن الأوزاعي ، قال : كان يقال : خمس كان عليها أصحاب محمد والتابعون لهم بإحسان : لزوم الجماعة ، واتباع السنة ، وعمارة المساجد ، وتلاوة القرآن ، والجهاد في سبيل الله .

قال أبو عمر :

الآثار المرفوعة في هذا الباب كلها تدل على أن مفارقة الجماعة ، وشق عصا المسلمين ، والخلاف على السلطان المجتمع عليه ، يريق الدم ويبيحه ويوجب قتال من فعل ذلك ، فإن قيل : قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ، فمن قال لا إله إلا الله حرم دمه ، قيل لقائل ذلك : لو تدبرت قوله في هذا الحديث : إلا بحقها ، لعلمت أنه خلاف ما ظننت ، ألا ترى أن أبا بكر الصديق قد رد على عمر ما نزع به من هذا الحديث ، وقال : من حقها الزكاة ، ففهم عمر ذلك من قوله ، وانصرف إليه ، وأجمع الصحابة عليه ، فقاتلوا مانعي الزكاة ، كما قاتلوا أهل الردة ، وسماهم بعضهم أهل ردة على الاتساع ; لأنهم ارتدوا عن أداء الزكاة ، ومعلوم مشهور عنهم أنهم قالوا : ما تركنا ديننا ، ولكن شححنا على أموالنا ، فكما جاز قتالهم عند جميع الصحابة على منعهم الزكاة ، وكان ذلك عندهم في معنى قوله عليه السلام : إلا بحقها ، فكذلك من شق عصا المسلمين وخالف إمام جماعتهم ، وفرق كلمتهم ; لأن الفرض الواجب اجتماع كلمة أهل دين الله المسلمين على من خالف دينهم من الكافرين ، حتى تكون كلمتهم واحدة وجماعتهم غير مفترقة ، ومن الحقوق المريقة للدماء المبيحة للقتال : الفساد [ ص: 283 ] في الأرض ، وقتل النفس ، وانتهاب الأهل والمال ، والبغي على السلطان ، والامتناع من حكمه . هذا كله داخل تحت قوله : إلا بحقها ، كما يدخل في ذلك الزاني المحصن ، وقاتل النفس بغير حق ، والمرتد عن دينه .

وقد أمر الله عز وجل بقتال الفئة الباغية بقوله ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) وفي قوله فقاتلوا دليل على أن الباغي إذا انهزم عن القتال ، أو ضعف عنه بما لحقه من الآفات المانعة للقتال ، حرم دمه ; لأنه غير مقاتل ، ولم نؤمر بقتاله إلا إذا قاتل ; لأن الله تعالى قال فقاتلوا ولم يقل فاقتلوا ، والمقاتلة إنما تكون لمن قاتل - والله أعلم - لأنها تقوم من اثنين ، وعلى هذا كان حكم علي - رضي الله عنه - فيمن بغى عليه ، وتلك كانت سيرته فيهم - رضي الله عنه - وعلى ذلك جمهور العلماء ، وللكلام في هذه المسألة غير هذا ، إن شاء الله .

وقال نعيم بن حماد : قلت لسفيان بن عيينة : أرأيت قوله : من ترك الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ؟ فقال : من فارق الجماعة خلع طاعة الله والاستسلام لأمره وللرسول ولأولي الأمر ، قال : ولا أعلم أحدا عوقب بأشد من عقوبتهم ، ثم قال ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) الآية ، هذا في أهل الإسلام .

[ ص: 284 ] وأما قوله : تناصحوا من ولاه الله أمركم ، ففيه إيجاب النصيحة على العامة لولاة الأمر ، وهم الأئمة والخلفاء ، وكذلك سائر الأمراء ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين النصيحة - ثلاثا - قيل : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله عز وجل ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم . وهذا حديث رواه مالك ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك رواه كل من رواه عن مالك .

وزعم ابن الجارود وغيره أن مالكا وهم في إسناده ; لأن سفيان بن عيينة رواه عن سهيل بن أبي صالح ، عن عطاء بن يزيد ، عن تميم الداري :

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن وضاح ، قال : حدثنا حامد بن يحيى ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا سهيل بن أبي صالح ، قال : أخبرني عطاء بن يزيد الليثي صديقا كان لأبي من أهل الشام أنه سمع تميم الداري قال ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الدين النصيحة ، إن الدين النصيحة ، إن الدين النصيحة ، قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم .

قال سفيان : وكان عمرو بن دينار ، حدثناه أولا عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، فلقيت سهيلا فسألته ليحدثنيه عن أبيه فأكون أنا وغيري فيه سواء ، فقال سهيل : أنا سمعته من الذي سمعه منه ، أي أخبرنيه عطاء بن يزيد الليثي صديقا كان لأبي من أهل الشام .

[ ص: 285 ] قال أبو عمر :

وكذلك رواه سفيان الثوري وحماد بن سلمة والضحاك بن عثمان وغيرهم ، عن سهيل ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن تميم الداري ، والحديث عندي صحيح من الوجهين ; لأن محمد بن عجلان قد رواه ، عن القعقاع بن حكيم ، وزيد بن أسلم ، وعبيد الله بن مقسم ، كلهم عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

رواه الليث ، عن محمد بن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، والقعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، ورواه سليمان بن بلال ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع ، وعبيد الله بن مقسم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، وهذا كله يعضد رواية مالك ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، والله أعلم .

ففي هذا الحديث أن من الدين النصح لأئمة المسلمين ، وهذا أوجب ما يكون فكل من واكلهم وجالسهم ، وكل من أمكنه نصح السلطان ، لزمه ذلك إذا رجا أن يسمع منه .

وروى معمر ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد ، قال : قال رجل لعمر بن الخطاب : ألا أخاف في الله لومة لائم خير لي ، أم أقبل على أمري ؟ فقال : أما من ولي من أمر المسلمين شيئا ، فلا يخف في الله لومة لائم ، ومن كان خلوا ، فليقبل على نفسه ، ولينصح لأميره .

وسئل مالك بن أنس : أيأتي الرجل إلى السلطان فيعظه وينصح له ويندبه إلى الخير ؟ فقال : إذا رجا أن يسمع منه ، وإلا فليس ذلك عليه .

[ ص: 286 ] قال أبو عمر :

إنما فر من فر من الأمراء ; لأنه لا يمكنه أن ينصح لهم ، ولا يغير عليهم ، ولا يسلم من متابعتهم .

روى كعب بن عجرة وغيره ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : سيكون بعدي أمراء ، فمن دخل عليهم وصدقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم ، فليس مني ، ولست منهم ، ولا يرد علي الحوض ، ومن لم يصدقهم بكذبهم ، ولم يعنهم على ظلمهم ، فهو مني ، وأنا منه ، وسيرد علي الحوض .

وروى أبو سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن أفضل الجهاد كلمة حق - أو قال : كلمة عدل - عند ذي سلطان جائر . رواه ابن عيينة وغيره ، عن علي بن زيد ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد .

وأخبرنا أحمد بن قاسم بن عيسى ، قال : حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، أخبرنا حماد بن سلمة ، عن أبي غالب ، عن أبي أمامة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أفضل الجهاد من قال كلمة حق عند ذي سلطان جائر .

وقد ذكرنا خبر بلال بن الحارث في باب محمد بن عمرو من هذا الكتاب ، وهو في معنى الكلام عند السلطان على حسبما فسرناه هناك ، وقد كان الفضيل بن عياض يشدد في هذا فيقول : ربما دخل العالم على السلطان ، ومعه دينه ، فيخرج وما معه منه شيء ، قالوا : كيف ذلك ؟ قال : يمدحه في وجهه ويصدقه في كذبه .

وذكر أحمد بن حنبل ، عن ابن المبارك ، قال : لا تأتهم ، فإن أتيتهم فاصدقهم ، قال : وأنا أخاف ألا أصدقهم .

[ ص: 287 ] قال أبو عمر :

إن لم يكن يتمكن نصح السلطان ، فالصبر والدعاء ، فإنهم كانوا ينهون عن سب الأمراء .

أخبرنا محمد بن خليفة ، قال : حدثنا محمد بن الحسين البغدادي ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الحميد ، قال : حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : حدثنا يحيى بن يمان ، قال : حدثنا سفيان ، عن قيس بن وهب ، عن أنس بن مالك ، قال : كان الأكابر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهوننا ، عن سب الأمراء .

وحدثنا محمد بن خليفة ، قال : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي داود ، قال : حدثنا عيسى بن محمد أبو عمير الرملي ، عن ضمرة ، عن رجاء بن أبي سلمة ، عن عبادة بن نسي ، قال : وقف أبو الدرداء على باب معاوية فحجبه ، لشغل كان فيه ، فكأن أبا الدرداء وجد في نفسه ، فقال : من يأت أبواب السلطان قام وقعد ، ومن يجد بابا مغلقا يجد إلى جنبه بابا رجا فتحا ، إن سأل أعطي ، وإن استعاذ أعيذ ، وإن أول نفاق المرء طعنه على إمامه .

وحدثنا محمد بن خليفة ، قال : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي ، قال : حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : حدثنا يحيى بن يمان ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، قال : ما سب قوم أميرهم إلا حرموا خيره .

أخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر ، قال : حدثنا أحمد بن سعيد بن حزم ، قال : حدثنا محمد بن أحمد ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر نصر بن مهاجر ، قال : حدثنا الفيض بن إسحاق ، عن زهير بن معاوية ، عن الأعمش ، قال : قال حذيفة : إذا كان والي القوم خيرا منهم لم يزالوا في علياء ، وإذا كان واليهم شرا منهم - أو قال شرهم - لم يزدادوا إلا سفالا .

[ ص: 288 ] وذكر البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعا : إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ، وحينئذ ترفع الأمانة .

قال أبو عمر :

ويجب على الإمام من النصح لرعيته كالذي يجب عليهم له ، قال - صلى الله عليه وسلم - : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام الذي على الناس راع عليهم ، وهو مسئول عنهم . الحديث . رواه ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وروى ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما من أمير يؤمر على عشرة إلا يسأل عنهم يوم القيامة .

وروى الحسن عن معقل بن يسار ، قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من استرعاه الله رعية ، ومات ، وهو لها غاش ، حرم الله عليه الجنة .

حدثناه أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، أخبرنا أبو الأشهب عن الحسن ، فذكره .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، وأحمد بن قاسم ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، والحارث بن أبي أسامة ، قالا : حدثنا هوذة ، قال : حدثنا عوف عن الحسن ، قال : مرض معقل بن يسار مرضا ثقل فيه ، فأتاه زياد يعوده ، فقال : إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من استرعي رعية فلم يحطهم بنصيحة ، لم يجد ريح الجنة ، وريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام .

[ ص: 289 ] حدثنا محمد بن خليفة ، قال : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثنا ابن شاهين ، قال : حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي ، قال : حدثنا إسحاق بن سهل ، عن المغيرة بن مسلم ، عن قتادة ، عن أبي الدرداء ، قال : لا إسلام إلا بطاعة ، ولا خير إلا في الجماعة ، والنصح لله وللخليفة وللمؤمنين عامة .

وأما قوله ويكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، فمعنى : قيل وقال - والله أعلم - الحديث بما لا معنى له ولا فائدة فيه من أحاديث الناس التي أكثرها غيبة ولغط وكذب ، ومن أكثر من القيل والقال مع العامة ، لم يسلم من الخوض في الباطل ، ولا من الاغتياب ، ولا من الكذب ، والله أعلم .

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع . ومكتوب في حكمة داود وفي صحف إبراهيم : من عد كلامه من عمله ، قل كلامه إلا فيما يعنيه . وفي المثل السائر : التقي ملجم . وقد مضى قوله - صلى الله عليه وسلم - : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت في باب سعيد بن أبي سعيد ، ومضى هناك في الصمت ، وحفظ اللسان بعض ما يكفي إن شاء الله .

وأما قوله : وكثرة السؤال فمعناه عند أكثر العلماء التكثير في السؤال من المسائل والنوازل والأغلوطات وتشقيق المولدات ، وقد أوضحنا هذا الباب وبسطناه ، وأشبعنا القول فيه من جهة الأثر في كتاب العلم .

[ ص: 290 ] وقال مالك أما نهي رسول الله عن كثرة السؤال ، فلا أدري أهو الذي أنهاكم عنه من كثرة المسائل - فقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها - أم هو مسألة الناس .

قال أبو عمر :

الظاهر في لفظ هذا الحديث كراهة السؤال عن المسائل إذا كان ذلك على الإكثار ، لا على الحاجة عند نزول النازلة لأن السؤال في مسألة الناس إذا لم يجز ، فليس ينهى عن كثرته دون قلته ، بل الآثار في ذلك آثار عموم لا تفرق بين القلة والكثرة لمن كره له ذلك ، وقد مضى في معنى السؤال وما يجوز منه ولمن يجوز أبواب كافية في هذا الكتاب .

وأما حديث هذا الباب فمعناه - والله أعلم - ما ذكرنا على أنه قد اختلف فيه على ما وصفنا ، وكان الأصل في هذا : أنهم كانوا يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء ويلحون فيها ، فينزل تحريمها ، قال الله عز وجل ( ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم ) .

ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عما لم يحرم ، فحرم على الناس من أجل مسألته .

وروي عن الزهري ومجاهد وقتادة وعكرمة - بمعنى واحد - أنهم قالوا : كانوا يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوه يوما فأكثروا عليه ، فقام مغضبا ، وقال : سلوني فوالله لا تسألوني أو لا يسألني أحد عن شيء في مقامي هذا إلا أخبرته ، ولو سألني عن أبيه لأخبرته ، فقام عبد الله بن حذافة ، فقال : من أبي ؟ فقال : أبوك [ ص: 291 ] حذافة ، قال الزهري ، فقالت أمه : ما رأيت ولدا أعق منك ، أكنت تأمن أن تكون أمك قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها ؟ وقام رجل فقال : الحج واجب في كل عام ، أم مرة واحدة ؟ فقال : بل مرة واحدة ، ولو قلتها لوجبت ، وقام سعد مولى شيبة فقال : من أنا يا رسول الله ؟ قال : أنت سعد مولى شيبة بن ربيعة ، وقام رجل من بني أسد فقال : أين أنا يا رسول الله ؟ قال : أنت في النار ، فقام عمر فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، نعوذ بالله من غضب الله ، وغضب رسوله ، فنزلت عند ذلك ( ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) الآية . .

ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ، قال ابن جريج ، عن عطاء ، وعمرو بن دينار ، عن عبيد بن عمير : أن الله حرم أشياء ، وأحل أشياء ، فما حرم فاجتنبوه ، وما أحل فاستحلوه ، وما سكت عنه فهو عفو فلا تسألوا عنه .

وقال آخرون : معنى نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كثرة السؤال ، أراد سؤال المال ، والإلحاح فيه على المخلوقين ، واستدلوا بعطفه على ذلك قوله ، وإضاعة المال ، وبما رواه المغيرة بن شعبة وعمار بن ياسر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن الله كره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ، ومنع وهات ، ووأد البنات ، وعقوق الأمهات ، قالوا : فقوله : ومنع وهات ، هو من باب السؤال ، والمنع في المال ، لا في العلم ، قالوا : فكذلك نهيه عن كثرة السؤال ، والله أعلم .

حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى ، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، أخبرنا هشيم ، قال أخبرنا غير واحد ، منهم مغيرة ، عن الشعبي ، عن وراد - كاتب المغيرة بن شعبة - أن معاوية كتب إلى المغيرة : اكتب إلي بحديث سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكتب إليه المغيرة : إني [ ص: 292 ] سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير - ثلاث مرات - وكان ينهى عن قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ومنع وهات ، وعقوق الأمهات ، ووأد البنات .

قال أبو عمر :

قد مضى فيما يحل من السؤال وما لا يحل ، أبواب كافية فيما سلف من هذا الكتاب ، والسؤال إذا لم يحل ، فلا يحل منه الكثير ولا القليل ، وإذا كان جائزا حلالا ، فلا بأس بالإكثار منه ، حتى يبلغ إلى الحد المنهي عنه ، والله أعلم .

وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكره كثرة المسائل ويعيبها ، والانفكاك عندي من هذا المعنى والانفصال من هذا السؤال والإدخال : أن السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله ، فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ، ونفي الجهل عن نفسه ، باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه ، فلا بأس به ، فشفاء العي السؤال ، ومن سأل معنتا غير متفقه ولا متعلم ، فهذا لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره ، وقد أوضحنا هذه المعاني كلها في كتاب العلم ، بما لا سبيل إلى ذكره هاهنا .

وأما قوله : وإضاعة المال ، فللعلماء في تأويل معناه ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه أراد بذكر المال هاهنا : الحيوان من ملك اليمين ، أن يحسن إليهم ولا يضيعون فيهلكون ، وهذا قول رواه السري بن إسماعيل ، عن الشعبي .

[ ص: 293 ] واحتج من ذهب هذا المذهب بحديث أنس وأم سلمة أن عامة وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حضرته الوفاة كانت قوله : الصلاة الصلاة ، وما ملكت أيمانكم .

والقول الثاني : إضاعة المال بترك إصلاحه والنظر فيه وكسبه .

واحتج من قال هذا : بقول قيس بن عاصم لبنيه حين حضرته الوفاة : يا بني عليكم بالمال ، واصطناعه ; فإن فيه منبهة للكريم ، ويستغنى به عن اللئيم . وبقول عمرو بن العاصي في خطبته ، حيث قال : يا معشر الناس إياي وخلالا أربعا ، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة ، وإلى الضيق بعد السعة ، وإلى المذلة بعد العز ، إياي وكثرة العيال ، وإخفاض الجلال ، والتضييع للمال ، والقيل والقال ، في غير درك ولا نوال .

والقول الثالث : إضاعة المال : إنفاقه في غير حقه من الباطل والإسراف والمعاصي ، لا جعلنا الله ممن يستعين بنعمه على معاصيه ، آمين برحمته .

حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا علي ، حدثنا أحمد ، حدثنا سحنون ، حدثنا ابن وهب ، حدثنا إبراهيم بن نشيط ، قال : سألت عمر مولى عفرة عن الإسراف ، ما هو ؟ قال : كل شيء أنفقته في غير طاعة الله فهو سرف ، وإضاعة المال .

أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد أن أباه حدثه ، قال : حدثنا عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا بقي بن مخلد ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا يعلى بن عبيد ، عن محمد بن سوقة ، عن سعيد بن جبير ، أنه سأله رجل عن إضاعة المال ، فقال : أن يرزقك الله فتنفقه فيما حرم الله عليك . وهكذا قال مالك .

التالي السابق


الخدمات العلمية