التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
196 حديث ثالث لسمي

مالك ، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قال الإمام : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فقولوا : آمين ; فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه .


هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته بهذا الإسناد ، وروى ابن وهب فيه عن مالك إسنادا آخر ، عن نعيم بن عبد الله المجمر ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قال الإمام : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) [ ص: 16 ] فقولوا : آمين ; فإنه من وافق قوله من أهل الأرض قول أهل السماء ، غفر له ما تقدم من ذنبه .

في هذا الحديث دليل على أن الإمام لا يقول : آمين ، وأن المأموم يقولها دونه ، وهذا الحديث يفسر عند أصحابنا قوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أمن الإمام فأمنوا ، يريد إذا دعا بقوله : ( اهدنا الصراط المستقيم ) إلى آخر السورة ; لأن الداعي يسمى مؤمنا كما يسمى المؤمن داعيا ، واستدلوا بقول الله - عز وجل - لموسى وهارون ( قد أجيبت دعوتكما ) ، وإنما كان هارون مؤمنا وموسى الداعي فيما قال أهل العلم بتأويل القرآن .

وقال بعض من يقول بأن الإمام يقول آمين : إذا قال ( ولا الضالين ) لم يرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما جاء عنه في هذا الحديث أن الإمام لا يقول آمين ; لأنه قد صح عنه قوله : إذا أمن الإمام فأمنوا ، وصح عنه أنه كان إذا قال : ( ولا الضالين ) قال : آمين ، ورفع بها صوته ، وإنما أراد بما جاء عنه في حديث سمي هذا أن يعرفهم بالموضع الذي يقولون فيه آمين ، وهو إذا قال الإمام ( ولا الضالين ) ، ليكون قولهما معا ولا يتقدموه بقول آمين ، والله أعلم .

واحتجوا بقول بلال : يا رسول الله ، لا تسبقني بآمين ، وقد مضى هذا الخبر فيما سلف من هذا الكتاب في باب أبي الزناد وباب ابن شهاب ومضى [ ص: 17 ] من القول في معنى هذا الحديث هناك ما فيه كفاية والحمد لله .

وفي هذا الحديث دلالة على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام إذا جهر لا بأم القرآن ولا بغيرها ; لأن القراءة بها لو كانت عليهم لأمرهم إذا فرغوا من فاتحة الكتاب أن يؤمن كل واحد منهم بعد فراغه من قراءته ; لأن السنة فيمن قرأ بأم القرآن أن يؤمن عند فراغه منها ، ومعلوم أن المأمومين إذا اشتغلوا بالقراءة خلف الإمام لم يكادوا يسمعون فراغه من قراءة فاتحة الكتاب ، فكيف يؤمرون بالتأمين عند قول الإمام ( ولا الضالين ) ويؤمرون بالاشتغال عن استماع ذلك ؟ ! هذا ما لا يصح .

وقد أجمع العلماء على أنه لا يقرأ مع الإمام فيما جهر فيه بغير فاتحة الكتاب ، والقياس أن فاتحة الكتاب وغيرها سواء في هذا الموضع ; لأن عليهم إذا فرغ إمامهم منها أن يؤمنوا ، فوجب عليهم أن لا يشتغلوا بغير الاستماع ، والله أعلم .

‌ ‌وأجمع العلماء على أن مراد الله - عز وجل - من قوله : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) يعني في الصلاة ، وقد مضى القول في معنى هذا الحديث كله ، واختلاف العلماء في تأمين الإمام وحجة كل فريق منهم من جهة الأثر والنظر في ذلك ممهدا مبسوطا في باب ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة من هذا الكتاب ، فلا معنى لتكرير ذلك هاهنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية