التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
838 حديث ثامن عشر لهشام بن عروة

مالك عن هشام بن عروة ، عن أبيه أنه قال : قلت لعائشة أم المومنين وأنا يومئذ حديث السن : أرأيت قول الله - عز وجل - : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) فما على الرجل شيء ألا يطوف بهما ؟ قالت عائشة : كلا لو كان كما تقول لكانت : فلا جناح عليه ألا يطوف بهما ، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار ، كانوا يهلون لمناة ، وكانت مناة حذو قديد ، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأنزل - عز وجل - : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) .


[ ص: 151 ] قال ابن وهب : مناة حجر كان أهل الجاهلية يعبدونه ، وكان في المشلل الجبل الذي تصدر منه إلى قديد .

قال أبو عمر : في هذا الحديث من قول عائشة دليل على وجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج ، وقد بينت عائشة معنى نزول الآية ومخرجها وجاءت بالعلم الصحيح في ذلك وعلى قولها على وجوب السعي بين الصفا والمروة مالك والشافعي وأصحابهما ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور ، وكل هؤلاء يقول : إن السعي بين الصفا والمروة واجب فرضا ، وعلى من نسيه أو نسي شوطا واحدا منه أن ينصرف إليه حيث ذكره في بلده أو غير بلده حتى يأتي به كاملا ، كمن نسي الطواف الواجب طواف الإفاضة سواء ، أو نسي شيئا منه ، ولا خلاف بين علماء المسلمين في وجوب طواف الإفاضة ، وهو الذي يسميه العراقيون طواف الزيارة يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة ، إلا أن منهم من يقول : إن عمل الحج ينوب فيه التطوع عن الفرض على ما بيناه عنهم في غير هذا الموضع .

واختلفوا في وجوب السعي بين الصفا والمروة ، فذهب مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى ما ذكرنا ، وهو مذهب عائشة - رضي الله عنها - ومذهب عروة وغيره ، وكان أنس بن مالك وعبد الله بن الزبير ومحمد بن سيرين يقولون : هو تطوع وليس ذلك بواجب . وروي ذلك عن ابن عباس ، ويشبه أن يكون مذهب أبي بن كعب وابن مسعود ; لأن في مصحف أبي ( ومصحف ) ابن مسعود ( فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ) .

[ ص: 152 ] وقال أبو حنيفة والثوري : من ترك السعي بين الصفا والمروة فعليه دم ، وهو قول الحسن البصري ، إلا أن تلخيص أبي حنيفة في ذلك إن طاف أربعة أشواط وترك ثلاثة فعليه إطعام ثلاثة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة ، وإن ترك شوطين أطعم مسكينين كذلك نصف صاع لكل واحد منهما ، وإن ترك شوطا واحدا أطعم مسكينا واحدا نصف صاع من حنطة ، إلا أن يكون طعامه هذا يبلغ دما ، فإن بلغ دما أطعم من ذلك ما شاء فأجزى عنه ، وإن ترك السعي كله بين الصفا والمروة في الحج ناسيا أو في العمرة فعليه دم .

وروي عن طاوس في هذا المسألة أنه قال : على من ترك السعي بين الصفا والمروة عمرة .

واختلف عن عطاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : أحدها أنه لا شيء على من ترك السعي بين الصفا والمروة ، والآخر أنه عليه دم ، والثالث أنه إن شاء أطعم مساكين ، وإن شاء ذبح شاة فأطعمها المساكين .

قال أبو عمر : قد مضت هذه المسألة مجودة ممهدة مبسوطة بما فيها من الحجة لمن قال بقولنا من جهة الأثر ، إذ لا مدخل فيها للنظر في باب جعفر بن محمد من كتابنا هذا ، فكرهنا إعادة ذلك هاهنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية