التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1758 [ ص: 60 ]

حديث حاد وستون ليحيى بن سعيد

467 مالك عن يحيى بن سعيد قال : بلغني أن أسعد بن زرارة اكتوى في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الذبحة فمات


وهذا قد روي مسندا من حديث ابن شهاب عن أنس إلا أنه لم يروه بهذا الإسناد ، عن ابن شهاب إلا معمر وحده ، وهو عند أهل الحديث خطأ يقولون : إنه مما أخطأ فيه معمر بالبصرة ، ويقولون : إن الصواب في ذلك حديث ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كوى أسعد بن زرارة .

حدثنا خلف بن القاسم حدثنا الحسن بن رشيق حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كوى أسعد بن زرارة من الشوكة .

قال أبو عمر : الشوكة : الذبحة ، وحدثنا خلف بن القاسم حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الديبلي حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني حدثنا يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن أنس [ ص: 61 ] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كوى أسعد بن زرارة من الشوصة هكذا قال ، وإنما المعروفة من الشوكة ، وهي الذبحة ، وأما الشوصة فهي ذات الجنب ، وقد يكتوى منها أيضا .

أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال : حدثنا إبراهيم بن علي بن محمد بن غالب التمار وأخبرنا خلف بن أحمد قال : حدثنا أحمد بن سعيد بن حزم قالا جميعا : حدثنا أبو عبيد الله محمد بن الربيع بن سليمان الأزدي قال : حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم قال : حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاد أبا أمامة أسعد بن زرارة - وكان رأس النقباء ليلة العقبة - أخذته الشوكة بالمدينة قبل بدر ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : بئس الميت هذا ليهود يقولون ألا دفع عنه ، ولا أملك له ولا لنفسي شيئا ، فأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكوي من الشوكة طوق عنقه بالكي فلم يلبث أبو أمامة إلا يسيرا حتى مات .

حدثنا عبد الرحمن حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب قال : أخبرني يونس بن يزيد وابن سمعان عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاد أسعد بن زرارة وبه الشوكة فلما دخل عليه قال بئس الميت هذا ليهود يقولون لولا دفع عنه ، ولا أملك له ولا لنفسي شيئا فأمر به فكوي فمات [ ص: 62 ] .

قال ابن وهب وأخبرني عمرو بن الحارث أن يحيى بن سعيد حدثه أن أسعد بن زرارة أخذته الذبحة فكواه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال : بئس الميت هذا ليهود فذكر مثله .

واكتوى عبد الله بن عمر من القوة ، وكوى واقدا ابنه ، واكتوى عمران بن حصين .

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الكي من حديث عمران بن حصين

حدثني عبد الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن الفضل أبو جعفر الديبلي حدثنا عبد الحميد بن صبيح حدثنا حماد بن زيد قال : قرأ جرير على أيوب كتابا ، وأنا شاهد لأبي قلابة فلم ينكره : أن زيد بن ثابت كان يرقي من الأذن ، وكان في ذلك الكتاب ، عن أنس بن مالك قال : كويت من ذات الجنب فشهدني أبو طلحة وأنس بن النضر وأبو طلحة كواني .

ورواه أبان العطار عن يحيى بن أبي كبير عن أنس بن مالك أو قال : حدثني أبو قلابة عن أنس بن مالك قال : اكتويت من ذات الجنب ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حي ، وشهدني أبو طلحة وأنس بن النضر وزيد بن ثابت وأبو طلحة كواني .

حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا عبد الله بن رداء حدثنا همام عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين قال نهينا عن الكي قال إسماعيل وحدثنا إبراهيم بن الحجاج حدثنا عبد الوارث حدثنا يونس عن الحسن عن عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الكي [ ص: 63 ] .

قال وحدثنا حجاج حدثنا حماد بن سلمة عن عمران بن حدير عن أبي مجلز عن عمران بن حصين قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الكي .

حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن مطرف عن عمران بن حصين : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى ، عن الكي فاكتوينا فلم نفلح ، ولم ننجح .

وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن الخليل حدثنا أبو النضر حدثنا سليمان بن المغيرة عن سعيد الجريري عن مطرف بن الشخير عن عمران بن حصين قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى ، عن الكي قال فما زال بي البلاء حتى اكتويت فما أفلحت ، ولا أنجحت . قال عمران : وكان يسلم علي فلما اكتويت فقدت ذلك ، ثم راجعه بعد ذلك السلام .

قال أبو عمر : حديث عمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الكي يعارضه حديث أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كوى أسعد بن زرارة وأن أنس بن مالك اكتوى في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينهه عن ذلك ، وحديث جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كوى سعد بن معاذ .

ويحتمل أن يكون حديث عمران بن حصين على الأفضل في إخلاص اليقين ، والتوكل [ ص: 64 ] .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا عمران عن قتادة عن أنس قال : كواني أبو طلحة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا فما نهيت عنه .

وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان قال : حدثني أبو الزبير عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كوى سعد بن معاذ مرتين .

ورواه الليث عن أبي الزبير عن جابر .

وروى ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر : أن أبي بن كعب رمي في أكحله يوم قريظة فبعث إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فكواه .

وروى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مثله في أبي وهو ، عند أهل العلم بالحديث والسير خطأ ، وإنما هو سعد بن معاذ كما روى الثوري وغيره ، عن أبي الزبير عن جابر .

ومما يعارض به أيضا حديث عمران بن حصين في الكي حديث ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن كان الشفاء ففي ثلاث - أو الشفاء في ثلاث - شرطة محجم ، وشربة عسل ، أو كية نار .

أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال : حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا أحمد بن منيع حدثنا مروان بن شجاع الخصيفي عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : الشفاء في ثلاث : في شربة عسل ، أو شرطة محجم ، أو كية نار ورفع الحديث [ ص: 65 ] .

وروى زهير بن معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن كان في شيء مما تتداوون به شفاء فهو في شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو حبات سوداء ، أو لذعة نار ، وما أحب أن أكتوي .

قال أبو عمر : الكي باب من أبواب التداوي والمعالجة ، ومعلوم أن طلب العافية بالعلاج والدعاء مباح بما قدمنا من الأصول في غير موضع من هذا الكتاب ، وحسبك بما أوردنا من ذلك في باب زيد بن أسلم فلا يجب أن يمتنع من التداوي بالكي وغيره إلا بدليل لا معارض له ، وقد عارض النهي عن الكي من الإباحة بما هو أقوى ، وعليه جمهور العلماء ما أعلم بينهم خلافا أنهم لا يرون بأسا بالكي ، عند الحاجة إليه .

قال أبو عمر : فمن ترك الكي ثقة بالله ، وتوكلا عليه كان أفضل لأن هذه منزلة يقين صحيح ، وتلك منزلة رخصة وإباحة .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة وأخبرنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا الحسن بن سلام قال : حدثنا زهير بن حرب قال : حدثنا جرير [ ص: 66 ] جميعا عن منصور قال شعبة : قال : سمعت مجاهدا وقال جرير عن مجاهد قال : حدثنا العقار بن المغيرة بن شعبة عن أبيه ، حدثنا فلم أحفظه فسألت حسان بن أبي وجزة فأخبرني قال : حدثني العقار عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما توكل - وقال شعبة : لم يتوكل - من استرقى ، أو اكتوى .

قال أبو عمر : معناه ، والله أعلم ما توكل حق التوكل من استرقى أو اكتوى ؛ لأن من ترك ذلك توكلا على الله ، وعلما بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن أيام الصحة لا سقم فيها كان أفضل منزلة ، وأعلى درجة ، وأكمل يقينا وتوكلا ، والله أعلم ، وقد قيل : إن الذي نهي عنه من الكي هو ما يكون منه قبل نزول البلاء حفظا للصحة ، وأما بعد نزول ما يحتاج فيه إلى الكي فلا .

وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا عفان قال : حدثنا حماد بن سلمة قال : أخبرنا عاصم عن زر عن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : عرضت علي الأمم في الموسم فرأيت أمتي فأعجبتني كثرتهم ، وهيئتهم قد ملئوا السهل والجبل قال : يا محمد ، إن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب الذين لا يسترقون ، ولا يكتوون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون .

فقام عكاشة بن محصن فقال : يا نبي الله ، ادع الله أن [ ص: 67 ] يجعلني منهم . قال : اللهم اجعله منهم .

ثم قام آخر فقال : ادع الله أن يجعلني منهم . قال : سبقك بها عكاشة
.

قال أبو عمر : ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تجتنب عزائمه ، أو تؤتى عزائمه .

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما ، وقد أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرقى ، ورقى نفسه ، وغيره ، وقال في الطيرة : وما منا إلا من ، ولكن الله يذهبه بالتوكل .

وقد مضى في هذه الأبواب كلها من البيان في كتابنا هذا ما يشفي ويكفي لمن وقف عليه ، وتدبره ، وبالله العون ، والتوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية