التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
510 [ ص: 1 ] حديث ثامن لزيد بن أسلم يجري مجرى المتصل

وهو صحيح من وجوه

مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان ، فإذا ارتفعت فارقها ، ثم إذا استوت قارنها ، فإذا زالت فارقها ، فإذا دنت للغروب قارنها ، فإذا غربت فارقها . ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في تلك الساعات .


هكذا قال يحيى في هذا الحديث ، عن مالك ، عن عبد الله الصنابحي ، وتابعه القعنبي ، وجمهور الرواة عن مالك ، وقالت [ ص: 2 ] طائفة ; منهم مطرف ، وإسحاق بن عيسى الطباع ، فيه : عن مالك عن زيد ، عن عطاء ، عن أبي عبد الله الصنابحي . واختلف عن زيد بن أسلم في ذلك من حديثه هذا ، فطائفة قالت عنه في ذلك : عبد الله الصنابحي كما قال مالك في أكثر الروايات عنه ، وقالت طائفة أخرى : عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي عبد الله الصنابحي . وممن قال ذلك معمر ، وهشام بن سعد ، والدراوردي ، ومحمد بن مطرف أبو غسان ، وغيرهم ، وما أظن هذا الاضطراب جاء إلا من زيد بن أسلم ، والله أعلم .

ذكر عبد الرزاق عن معمر ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي عبد الله الصنابحي ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان ، أو قال يطلع معها قرن الشيطان ، فإذا ارتفعت فارقها ، فإذا كانت في وسط السماء قارنها ، فإذا دلكت ، أو قال : زالت ، فارقها ، فإذا دنت للغروب قارنها ، فإذا غربت فارقها ، فلا تصلوا هذه الثلاث ساعات .

وقال البخاري : ابن أبي مريم ، عن أبي غسان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن الصنابحي أبي عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوضوء وفضله . وكذلك قال الليث بن سعد ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد [ ص: 3 ] بن أبي هلال ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي عبد الله الصنابحي ، فذكر حديث النهي عن الصلاة في الثلاث ساعات . والصواب عندهم قول من قال فيه : " أبو عبد الله ، وهو عبد الرحمن بن عسيلة تابعي ثقة ليست له صحبة " .

وروى زهير بن محمد هذا الحديث عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن عبد الله الصنابحي ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره ، وهذا خطأ عند أهل العلم ، والصنابحي لم يلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وزهير بن محمد لا يحتج به إذا خالفه غيره وقد صحف فجعل كنيته اسمه ، وكذلك فعل كل من قال فيه عبد الله ، لأنه أبو عبد الله .

وقد قال فيه : الصلت بن بهرام عن الحرث بن وهب ، عن أبي عبد الرحمن الصنابحي ، فهذا صحف أيضا فجعل اسمه كنيته ، وكل هذا خطأ وتصحيف . والصواب ما قاله مالك فيه في رواية مطرف ، وإسحاق بن عيسى الطباع ، ومن رواه كروايتهما عن مالك في قولهم في عبد الله الصنابحي أن كنيته أبو عبد الله ، واسمه عبد الرحمن ، والله المستعان .

وقد روي عن ابن معين أنه قال : عبد الله الصنابحي يروي عنه المدنيون يشبه أن تكون له صحبة ، وأصح من هذا عن ابن معين أنه سئل عن أحاديث الصنابحي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال مرسلة ليست له صحبة .

[ ص: 4 ] قال أبو عمر :

صدق يحيى بن معين ، ليس في الصحابة أحد يقال له عبد الله الصنابحي ، وإنما في الصحابة الصنابح الأحمسي ، وهو الصنابح بن الأعسر كوفي ، روى عنه قيس بن أبي حازم أحاديث ; منها حديثه في الحوض ، ولا في التابعين أيضا أحد يقال له عبد الله الصنابحي ، فهذا أصح قول من قال إنه أبو عبد الله ; لأن أبا عبد الله الصنابحي مشهور في التابعين ، كبير من كبرائهم ، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة ، وهو جليل ، كان عبادة بن الصامت كثير الثناء عليه .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا هارون بن معروف ، قال : حدثنا ضمرة ، قال : حدثنا جابر بن أبي سلمة ، والعلاء بن هارون ، عن ابن عون ، عن رجاء بن حيوة ، عن محمود بن الربيع ، قال : كنا عند عبادة بن الصامت نعوده ، إذ جاء أبو عبد الله الصنابحي فلما رآه عبادة ، قال : لئن شفعت لأشفعن لك ، ولئن قدرت لأنفعنك ، ولئن سئلت لأشهدن لك ، ثم قال : من سره أن ينظر إلى رجل كأنه رفع فوق سبع سماوات ثم رد ، فعمل على ما رأى ، فلينظر إلى أبي عبد الله - يعني الصنابحي - .

[ ص: 5 ] قال أحمد بن زهير : وحدثنا قتيبة ، قال : حدثنا الليث ، عن محمد بن عجلان ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن ابن محيريز ، عن الصنابحي ، قال : دخلت على عبادة بن الصامت ، وهو في الموت ، فبكيت . فقال : مهلا ، لم تبكي ؟ فوالله لئن استشهدت لأشهدن لك ، وذكر نحوه وحديث ضمرة أتم . وذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن الصنابحي أنه قال له : متى هاجرت ؟ قال : خرجنا من اليمن مهاجرين ، فقدمنا الجحفة ، فأقبل راكب ، فقلت : الخبر ؟ فقال : دفنا النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ خمس .

وقال ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد بن عبد الله اليزني ، عن عبد الرحمن بن عسيلة ، قال : لم يكن بيني ، وبين وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا خمس ليال ، توفي وأنا بالجحفة ، فقدمت وأصحابه متوافرون ، فسألت بلالا عن ليلة القدر ؟ فقال : ليلة ثلاث وعشرين .

قال أبو عمر :

قدم الصنابحي هذا يومئذ المدينة ، فصلى وراء أبي بكر [ ص: 6 ] الصديق - رضي الله عنه - المغرب فسمعه يقرأ في الركعة الآخرة بعد أم القرآن ربنا لا تزغ قلوبنا ، وهو معدود في تابعي أهل الشام ، وبها توفي . وأحاديثه التي في الموطأ مشهورة جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طرق شتى من حديث أهل الشام ، وممن رواها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عقبة بن عامر ، وعمرو بن عبسة ، وأبو أمامة الباهلي ، ومرة بن كعب البهزي ، وقيل كعب بن مرة ، وسنذكرها في هذا الباب على شرطنا في توصيل المرسلات ، وبالله العون لا شريك له .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث : إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان ، وقوله في غير هذا الإسناد : تطلع على قرن الشيطان ، وتطلع بين قرني الشيطان ، ونحو هذا ، فإن للعلماء في ذلك قولين :

أحدهما : أن ذلك اللفظ على الحقيقة ، وإنها تغرب وتطلع على قرن شيطان ، وعلى رأس شيطان ، وبين قرني شيطان ، على ظاهر الحديث حقيقة لا مجازا تكيف ; لأنه لا يكيف ما لا يرى ، واحتج من قال بهذا القول ، بما أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف ، قال : أخبرنا أبو الفتح الفارسي إبراهيم بن علي بمصر .

[ ص: 7 ] قال أبو عمر :

وقد كتب إلينا أبو الفتح بإجازة ما رواه ، وأباح لنا أن نحدث عنه ، وكتب ذلك بخطه ، قال : أخبرنا محمد بن القاسم بن بشار النحوي ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن حمزة بن عفيف البلخي ، قال : حدثنا محمد بن عمرو بن أبي عمرو الشيباني ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عكرمة ، قال : قلت لابن عباس : أرأيت ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمية بن أبي الصلت : آمن شعره وكفر قلبه ! قال : هو حق ، فما أنكرتم من ذلك ؟ قلت : أنكرنا قوله :


والشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء يصبح لونها يتورد      [ ص: 8 ] ليست بطالعة لهم في رسلها
إلا معذبة وإلا تجلد

فما بال الشمس تجلد ؟ قال : والذي نفسي بيده : ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك ، فيقولون لها : اطلعي اطلعي ، فتقول : لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله ، فيأتيها ملك عن الله تعالى يأمرها بالطلوع فتطلع لضياء بني آدم ، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع ، فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله بحرها ، وما غربت الشمس قط إلا خرت لله ساجدة ، فيأتيها شيطان فيريد أن يصدها عن السجود ، فتغرب بين قرنيه ، فيحرقه الله تعالى تحتها ; وذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما طلعت إلا بين قرني شيطان ، ولا غربت إلا بين قرني شيطان
.

وأخبرنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال ، حدثنا محمد بن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا عبدة بن سليمان ، عن محمد بن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن النبي [ ص: 9 ] - صلى الله عليه وسلم - صدق أمية بن أبي الصلت في بيتين من شعره ، قال :


رجل وثور تحت رجل يمينه     والنسر للأخرى وليث مرصد

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - صدق . قال :


والشمس تطلع كل آخر ليلة     حمراء يصبح لونها يتورد
تأبى فما تطلع لهم في رسلها     إلا معذبة وإلا تجلد

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : صدق
.

وذكر أسد بن موسى ، قال حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير ، قال : حملة العرش أحدهم على صورة إنسان ، والثاني على صورة ثور ، والثالث على صورة نسر ، والرابع على صورة أسد .

وحدثني أبو محمد قاسم بن محمد ، قال : حدثنا خالد بن سعد ، قال : حدثنا محمد بن فطيس ، قال : حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، [ ص: 10 ] عن سماك ، قال : سمعت المهلب بن أبي صفرة يحدث عن سمرة بن جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تصلوا عند طلوع الشمس ، ولا عند غروبها ، فإنها تطلع بين قرني شيطان ، أو على قرني شيطان ، وتغرب بين قرني شيطان ، أو على قرني شيطان شك شعبة .

قال أبو عمر :

بلغني أن أبا محمد عبد الله بن إبراهيم سئل عن تأويل حديث زيد بن أسلم هذا ؟ فقال : ممكن أن يكون للشيطان قرن يظهره عند طلوع الشمس ، وعند غروبها - على ظاهر الحديث . وما صنع أبو محمد - رحمه الله - في جوابه هذا شيئا ، وأظنه أشار إلى نحو القول المذكور من حمل الكلام على حقيقته دون مجازه ، والله أعلم .

وقال قوم من العلماء وجه هذا الحديث ومعناه عندنا حمله على مجاز اللفظ ، واستعارة القول ، واتساع الكلام ، وقالوا : أراد بذكره - صلى الله عليه وسلم - قرن الشيطان ، أمة تعبد الشمس ، [ ص: 11 ] وتسجد لها ، وتصلي في حين طلوعها وغروبها من دون الله ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يكره التشبه بالكفار ، ويحب مخالفتهم ، وبذلك وردت سنته - صلى الله عليه وسلم ; وكأنه أراد - والله أعلم - أن يفصل دينه من دينهم إذ هم أولياء الشيطان وحزبه ، فنهى عن الصلاة في تلك الأوقات لذلك ، وهذا التأويل جائز في اللغة ، معروف في لسان العرب ; لأن الأمة تسمى عندهم قرنا ، والأمم قرونا ، قال الله عز وجل وقرونا بين ذلك كثيرا ، وقال وكم أهلكنا من القرون ، وقال فما بال القرون الأولى ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : خير الناس قرني .

وحدثني خلف بن القاسم ، قال : حدثنا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن ناصح الدمشقي ، قال : حدثنا أحمد بن علي بن سعيد القاضي ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا يزيد عن أبي سنان ، عن ابن أبي الهذيل ، عن [ ص: 12 ] خباب بن الأرت أنه رأى ابنه عبد الله يقص ، فلما رجع اتزر وأخذ السوط ، وقال : أمع العمالقة أنت ؟ هذا قرن قد طلع ! ، فهذا خباب قد سمى القصاص قرنا طالعا إنكارا منه للقصص . وخباب من كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - ، وهم أهل الفصاحة والبيان ، وإنما قال ذلك خباب لأن القصص أحدث عليهم ، ولم يكونوا يعرفونه ، وكان عبد الله بن عمر ينكره ، ويقول لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا على عهد أبي بكر ، ولا على عهد عمر ، ولا على عهد عثمان ، وإنما كانت القصص حين كانت الفتنة . وجائز أن يضاف القرن إلى الشيطان ، لطاعتهم في ذلك الشيطان ، وقد سمى الله الكفار حزب الشيطان ، وهذا أعرف في اللغة من أن يحتاج فيه إلى إكثار .

وحجة من قال بهذا التأويل ما أخبرناه أبو عبد الله عبيد بن محمد ، قال : حدثنا عبد الله بن مسرور ، قال : حدثنا [ ص: 13 ] عيسى بن مسكين ، قال : حدثنا محمد بن سنجر ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن أبي يحيى سليم بن عامر الخبائري وضمرة بن حبيب ، وأبي طلحة نعيم بن زياد كل هؤلاء سمعه من أبي أمامة الباهلي صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : سمعت عمرو بن عبسة السلمي يقول : أتيت رسول الله وهو نازل بعكاظ ، فقلت : يا رسول الله ! من معك في هذا الأمر ؟ قال : معي رجلان : أبو بكر وبلال ، قال : فأسلمت عند ذلك ، فلقد رأيتني ربع الإسلام ، قال : فقلت يا رسول الله : أمكث معك أم ألحق بقومي ؟ فقال : بل الحق بقومك فيوشك أن يفئ الله بمن ترى إلى الإسلام ، ثم أتيته قبيل فتح مكة ، فسلمت عليه ، فقلت يا رسول الله : أنا عمرو بن عبسة أحب أن أسألك عما تعلم وأجهل ، وعما ينفعني ولا يضرك ، فقال يا عمرو بن عبسة : إنك تريد أن تسألني عن شيء ما سألني عنه أحد ممن ترى ، ولن تسألني عن شيء إلا أنبأتك به إن شاء الله ، فقلت يا رسول الله : فهل من ساعة أقرب من أخرى أو ساعة يتقي ذكرها ؟ قال : نعم ، إن أقرب ما يكون الرب من الدعاء جوف الليل [ ص: 14 ] الآخر ، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن ، فإن الصلاة محضورة مشهودة إلى طلوع الشمس ، فإنها تطلع بين قرني الشيطان ، وهي ساعة صلاة الكفار ، فدع الصلاة حتى ترتفع قدر رمح ، ويذهب شعاعها ، ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تعتدل الشمس اعتدال الرمح نصف النهار ، فإنها ساعة تفتح فيها أبواب جهنم وتسجر ، فدع الصلاة حتى يفئ الفيء ، ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تغيب الشمس ، فإنها تغرب بين قرني الشيطان ، وهي ساعة صلاة الكفار ، فقلت يا رسول الله : هذا في هذا ، فكيف في الوضوء ؟ قال : أما الوضوء ، فإنك إذا توضأت وذكر الحديث .

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق البصري ، قال : حدثنا أبو داود السجستاني ، قال : حدثنا إبراهيم بن خالد الكلبي ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا جرير بن عثمان ، قال : حدثنا سليم بن عامر ، عن أبي أمامة ، عن عمرو بن عبسة ، قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بعكاظ ، قلت من معك على هذا الأمر ؟ قال : حر ، وعبد ، ومعه أبو بكر وبلال ، ثم قال : فارجع حتى يمكن الله لرسوله ، فقال : فأتيته بعد ، فقلت يا رسول الله : - جعلني الله فداك - شيئا تعلمه وأجهله لا يضرك وينفعني الله به ، هل من ساعة أفضل من ساعة ؟ وهل من ساعة لا يصلى فيها ؟ قال : لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد ، [ ص: 15 ] إن الله - تبارك وتعالى - ينزل في جوف الليل ، فيغفر إلا ما كان من الشرك ، والبغي . والصلاة مشهودة ، حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت ، فأقصر فإنها تطلع على قرن شيطان ، وهي صلاة الكفار ، حتى ترتفع ، فإذا استقلت الشمس فصل ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يعتدل النهار ، فإذا اعتدل النهار ، فأقصر عن الصلاة ، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم حتى يفئ الفيء ، فإذا أفاء الفيء فصل ، فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى تدنو الشمس للغروب ، فإذا تدلت فأقصر عن الصلاة ، فإنها تغيب على قرن شيطان ، وهي صلاة الكفار .

قال أبو عمر :

فقد قال في هذا الحديث ثم طلوع الشمس ، وعند غروبها : هي صلاة الكفار هذا الإسناد في هذا لها الكفار ، وفي غيره في هذا الحديث أيضا هي ساعة صلاة الكفار ، وبعضهم يقول فيه أيضا وحينئذ يسجد لها الكفار ، كل هذه الألفاظ قد رويت في حديث عمرو بن عبسة هذا ، وهو حديث صحيح من حديث الشاميين رواه أبو أسامة الباهلي ، عن عمرو بن عبسة ، ورواه جماعة ، عن أبي أمامة منهم أبو سلام الحبشي ، وقد سمعه أبو سلام أيضا من عمرو بن عبسة ، وسمعه من عمرو بن عبسة يزيد بن طلق وغيره ، وهو حديث طويل في إسلام عمرو بن عبسة فيه معاني حديث الصنابحي في النهي عن الصلاة في ثلاث [ ص: 16 ] ساعات وفي فضل الوضوء جميعا ، وسنذكره بتمامه في الباب الذي يأتي بعد هذا إن شاء الله .

وقد روي عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مختصرا .

حدثني خلف بن القاسم ، قال : حدثنا محمد بن أحمد بن المسور ، قال : حدثنا مقدام بن داود ، قال : حدثنا علي بن معبد بن شداد ، قال : حدثنا موسى بن أعين ، عن ليث ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن أبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تصلوا عند طلوع الشمس ، فإنها تطلع بين قرني شيطان ، وكل كافر يسجد لها ، ولا تصلوا عند غروب الشمس ، فإنها تغرب بين قرني شيطان ، وكل كافر يسجد لها ، ولا تصلوا وسط النهار ، فإن جهنم تسجر عند ذلك .

[ ص: 17 ] وهذه الأحاديث في ظاهرها حجة للقولين جميعا ، - والله أعلم - لقوله فيها بين قرني شيطان ، على ما روي عن ابن عباس في تأويله .

وأجمع العلماء أن نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة عند طلوع الشمس ، وعند غروبها ، صحيح غير منسوخ ، إلا أنهم اختلفوا في تأويله ومعناه ، فقال علماء الحجاز : معناه المنع من صلاة النافلة دون الفريضة ، هذه جملة قولهم ، وقال العراقيون : كل صلاة فريضة أو نافلة أو جنازة ، فلا تصل ذلك الوقت ، لا عند طلوع الشمس ، ولا عند الغروب ، ولا عند الاستواء ; لأن الحديث لم يخص نافلة من فريضة إلا عصر يومه ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : من أدرك ركعة من العصر ، فقد أدرك العصر ، وقد مضى الرد عليهم فيما ذهبوا إليه من ذلك في هذا الكتاب ، ويأتي القول في الصلاة بعد العصر ، وبعد الصبح ممهدا مبسوطا بما للعلماء في ذلك من إذنه في باب محمد بن يحيى بن حبان إن شاء الله ، ونذكر هاهنا أقاويل الفقهاء في الصلاة عند استواء الشمس في كبد السماء ; لأنه أولى المواضع بما في ذلك ، وبالله العون .

فأما مالك وأصحابه فلا بأس عندهم بالصلاة نصف النهار ، قال ابن القاسم : قال مالك : لا أكره الصلاة نصف النهار إذا استوت الشمس في وسط السماء لا في يوم الجمعة ولا في غيره ، [ ص: 18 ] ولا أعرف هذا النهي ، وما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ، ويصلون نصف النهار . فقد أبان مالك حجته في مذهبه هذا أنه لم يعرف النهي عن الصلاة وسط النهار ، وقد روي عن مالك أنه قال : لا أكره التطوع نصف النهار إذا استوت الشمس ، ولا أحبه . ومحمل هذا - عندي - أنه لم يصح عنده حديث زيد بن أسلم المذكور في هذا الباب ، عن عطاء عن الصنابحي ; لأنه قد رواه أو صح عنده ، ونسخ منه ، واستثنى الصلاة نصف النهار بما ذكرنا من العمل الذي لا يجوز أن يكون مثله إلا توقيفا ، والله أعلم .

وقد روى مالك عن ابن شهاب عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون ، حتى يخرج عمر ، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر ، وأذن المؤذن ، جلسوا يتحدثون ، حتى إذا سكت المؤذن ، وقام عمر سكتوا فلم يتكلم أحد ، وخروج عمر إنما كان بعد الزوال بدليل حديث طنفسة عقيل [ ص: 19 ] بن أبي طالب ، وإذا كان خروجه بعد الزوال وقد كانوا يصلون إلى أن يخرج ، فقد كانوا يصلون وقت استواء الشمس ، والله أعلم .

ويوم الجمعة عند مالك وغير يوم الجمعة سواء ; لأن الفرق بينهما لم يصح عنده في أثر ولا نظر ، وممن رخص في ذلك أيضا الحسن ، وطاوس ، والأوزاعي ، وقال أبو يوسف ، والشافعي وأصحابه : لا بأس بالتطوع نصف النهار يوم الجمعة خاصة ، وهي رواية عن الأوزاعي ، وأهل الشام .

وحجة الشافعي ومن قال بقوله هذا ما رواه الشافعي ، عن إبراهيم بن محمد ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة نصف النهار ، حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة .

واحتج أيضا بحديث مالك ، عن ابن شهاب ، عن ثعلبة بن أبي مالك ، وقد تقدم ذكره ، قال : وخبر ثعلبة عن عامة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دار الهجرة أنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة .

قال أبو عمر :

كأنه يقول : النهي عن الصلاة ثم استواء الشمس صحيح ، وخص منه يوم الجمعة بما روي من العمل الذي لا يكون مثله إلا توقيفا ، وبالخبر المذكور أيضا ، وبقي سائر الأيام موقوفة على النهي .

[ ص: 20 ] وإبراهيم بن محمد الذي روى عنه الشافعي هذا الخبر ، هو ابن أبي يحيى المدني متروك الحديث ، وإسحاق بعده في الإسناد ، وهو ابن أبي فروة ضعيف أيضا ، فكأنه إنما يقوى عنده هذا الخبر بما روي عن الصحابة في زمن عمر من الصلاة نصف النهار يوم الجمعة ، وبالله التوفيق .

وقد حدثني عبد الرحمن بن مروان ، قال : حدثنا أحمد بن سليمان بن عمر البغدادي ، قال : حدثنا أبو الليث نصر بن القاسم الفرائضي ، قال : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، عن حسان بن إبراهيم ، قال : حدثنا الليث ، قال : حدثنا مجاهد عن أبي الخليل ، عن أبي قتادة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة تكره نصف النهار إلا يوم الجمعة ، فإن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة . وهذا الحديث منهم من يوقفه .

[ ص: 21 ] وحدثني سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثنا إسحاق بن محمد القروي ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ، عن السائب بن يزيد ، قال : النداء الذي ذكر الله في القرآن إذا كان الإمام على المنبر زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر ، وعمر ، حتى كان عثمان فكثر الناس واستبعدت البيوت ، فزاد النداء الثاني ، فلم يعيبوه . قال السائب : وكان عمر إذا خرج ترك الناس الصلاة وجلسوا ، فإذا جلس على المنبر صمتوا ، وكان عطاء بن أبي رباح يكره الصلاة نصف النهار في الصيف ، ويبيح ذلك في الشتاء ، وقال : أبو حنيفة ، والثوري ، ومحمد بن الحسن ، والحسن بن حي ، وعبد الله بن المبارك ، وأحمد بن حنبل : لا يجوز التطوع نصف النهار في شتاء ولا صيف ، وكرهوا ذلك . ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه أن تصلى فريضة ، ولا على جنازة ، ولا شيء من الصلوات ، لا فائتة مذكورة ، ولا غيرها ، ولا نافلة عند استواء الشمس نصف النهار .

[ ص: 22 ] والحجة لمن قال بقول العراقيين في هذا الباب حديث الصنابحي المذكور في هذا الباب ، وحديث عمرو بن عبسة ، وحديث عقبة بن عامر :

حدثني محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن منصور ، قال : حدثنا آدم بن أبي إياس ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، قال : حدثنا معاوية بن صالح ، قال : أخبرني أبو يحيى سليم بن عامر ، وضمرة بن حبيب ، وأبو طلحة نعيم بن زياد ، قالوا : سمعنا أبا أمامة الباهلي ، يقول : سمعت عمرو بن عبسة ، يقول : قلت يا رسول الله : هل من ساعة أقرب من الأخرى ؟ وهل ساعة يتقى ذكرها ؟ قال : [ ص: 23 ] نعم ، إن أقرب ما يكون الرب من العبد جوف الليل الآخر ، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن ، فإن الصلاة مشهودة محضورة إلى طلوع الشمس ، فإنها تطلع بين قرني شيطان ، وهي ساعة صلاة الكفار ، فدع الصلاة حتى ترتفع الشمس قيد رمح ، ويذهب شعاعها ، ثم الصلاة مشهودة محضورة حتى تعتدل الشمس اعتدال الرمح نصف النهار ، فإنها ساعة تفتح فيها أبواب جهنم وتسجر ، فدع الصلاة حتى يفيء الفيء ، ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تغيب الشمس ، فإنها تغيب بين قرني شيطان ، وهي صلاة الكفار .

قال أبو عمر :

في حديث عمرو بن عبسة هذا : النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس ، وعند استوائها ، وعند غروبها ، وفيه إباحة الصلاة بعد الفجر إلى طلوع الشمس ، وبعد زوالها إلى الغروب ، وتدبره تجده كما ذكرت لك ، وهو حديث صحيح ، وطرقه كثيرة حسان شامية ، إلا أن قوله في هذا الحديث : ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تغيب الشمس قد خالفه فيه غيره في هذا الحديث ، فقال : ثم الصلاة مشهودة متقبلة حتى يصلى العصر ، وهذا أشبه بالسنن المأثورة في ذلك .

[ ص: 24 ] وقد روي في هذا الحديث أيضا : حتى تكون الشمس قد دنت للغروب قيد رمح أو رمحين . وسنذكر اختلاف العلماء في الصلاة النافلة ، والفجر ، والعصر ، وما روي في ذلك من الآثار في باب محمد بن يحيى بن حبان في هذا الكتاب إن شاء الله .

وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن يعلى بن عطاء ، عن يزيد بن طلق ، عن عبد الرحمن بن البيلماني ، عن عمرو بن عبسة ، قال أبو داود : حدثنا عثمان بن أبي شيبة : أن محمد بن جعفر حدثهم : عن شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، عن يزيد بن طلق ، عن عبد الرحمن بن البيلماني ، عن عمرو بن عبسة ، وهذا لفظ أبي سلمة ، قال : أتيت رسول الله ، فقلت : يا رسول الله من أسلم معك ، قال : حر ، وعبد - يعني أبا بكر وبلالا - فقلت يا رسول الله : علمني مما تعلم وأجهل ، هل من الساعات ساعة أفضل من أخرى ؟ قال : نعم ، صل من الليل الآخر . وفي حديث شعبة ، قال : نعم جوف الليل ، فصل ما بدا لك ، حتى تصلي الصبح . وفي حديث حماد فإن الصلاة مشهودة متقبلة ، ثم انته حتى تطلع الشمس ، وما دامت مثل الحجفة حتى تستقر ، فإنها تطلع بين قرني شيطان ، ويسجد لها الكفار ، [ ص: 25 ] ثم صل ما بدا لك ، فإنها مشهودة متقبلة حتى يستوي العمود على ظله ، فإنها ساعة تسجر فيها الجحيم فإذا زالت الشمس فصل ، فإنها مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر ثم انته حتى تغرب الشمس ، فإنها تغرب بين قرني شيطان ، ويسجد لها الكفار .

وقد روي من حديث البهزي معنى حديث عمرو بن عبسة هذا رواه الثوري ، عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن رجل من أهل الشام عن كعب بن مرة البهزي ، قال : قال رجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي الليل أسمع يا رسول الله ؟ قال : جوف الليل الآخر ثم الصلاة مقبولة حتى تصلي الفجر ، ثم لا صلاة حتى تكون الشمس قيد رمح أو رمحين ، ثم الصلاة مقبولة حتى يقوم الظل قيام الرمح ، ثم لا صلاة حتى ينعقد الشمس ، ثم الصلاة مقبولة حتى تكون الشمس قد دنت للغروب قيد رمح أو رمحين ، وذكر فضل الوضوء أيضا .

قال أبو عمر :

أحاديث هذا الباب عن عمرو بن عبسة كلها ، وحديث البهزي إنما فيها ما يدل على صلاة التطوع ، لا الفرائض ; وذلك بين منها ، والله أعلم . وذكر الأثرم قال : سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن الصلاة نصف النهار يوم الجمعة ؟ فقال : يعجبني أن تتوقاها ، [ ص: 26 ] فذكرت له حديث ثعلبة بن أبي مالك القرظي : كنا نصلي يوم الجمعة حتى يخرج عمر ، قلت له : هذا يدل على الرخصة في الصلاة نصف النهار ، فقال : ليس في هذا بيان ، إنما جاء الكلام مجملا : كنا نصلي ثم قال لا . ولكن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ; إنما نهى عن الصلاة نصف النهار ، وعند طلوع الشمس ، وعند الغروب : حديث عمرو بن عبسة ، وعقبة بن عامر ، والصنابحي .

وذكر الأثرم ، قال : حدثنا منجاب بن الحارث ، قال : أخبرنا خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي ، عن أبيه ، قال : كنت أرى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا زالت الشمس يوم الجمعة ، قاموا فصلوا أربعا .

قال أبو عمر :

حديث ثعلبة بن أبي مالك أقوى من هذا الحديث وأبين ، وحديث السائب بن يزيد مثله - والله أعلم .

وأما حديث عقبة بن عامر ، فحدثني أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، قال : حدثنا أبو النضر ، قال : حدثنا الليث عن موسى بن علي بن أبي رباح ، عن أبيه ، عن عقبة بن عامر الجهني ، قال : ثلاث ساعات نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلي [ ص: 27 ] فيها ، أو نقبر فيها موتانا : عند طلوع الشمس حتى تبيض ، وعند انتصاف النهار حتى تزول ، وعند اصفرار الشمس وإضافتها حتى تغيب .

وحدثنا عبيد بن محمد ، قال : حدثنا عبد الله بن مسرور ، قال : حدثنا عيسى بن مسكين ، قال : حدثنا محمد بن سنجر ، قال : حدثنا الفضل بن دكين ، قال : حدثنا موسى بن علي بن رباح اللخمي المصري ، قال : سمعت أبي يقول : أنه سمع عقبة بن عامر قال : ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن ، أو نقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس ، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب .

وأخبرني محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا سويد بن نصر ، قال : [ ص: 28 ] حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن موسى بن علي بن رباح ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت عقبة بن عامر الجهني ، يقول : ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيها ، أو نقبر فيها موتانا : حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ، فذكره حرفا بحرف .

وروي عن عمر بن الخطاب أنه نهى عن الصلاة نصف النهار وقال ابن مسعود : كنا ننهى عن ذلك . وقال أبو سعيد المقبري : أدركت الناس وهم يتقون ذلك ، وأما الصلاة على الجنائز في ذلك الوقت : فإن أهل العلم أيضا اختلفوا في ذلك : فقال مالك : لا بأس بالصلاة على الجنائز بعد العصر ما لم تصفر الشمس ، فإذا اصفرت لم يصل على الجنازة ، إلا أن يكون يخاف عليها فيصلى عليها حينئذ ، ولا بأس بالصلاة على الجنازة بعد الصبح ما لم يسفر ، فإذا أسفر فلا تصلوا عليها إلا أن تخافوا عليها . هذه رواية ابن القاسم عنه ، وذكر ابن عبد الحكم عنه أن الصلاة على الجنائز جائزة في ساعات الليل والنهار عند طلوع الشمس ، وعند غروبها ، ولا خلاف في ذلك عن مالك ، وأصحابه : إن الصلاة على الجنائز ، ودفنها نصف النهار جائزة .

وقال الثوري : لا يصلى على الجنائز إلا في مواقيت الصلاة ، وتكره الصلاة عليها نصف النهار وحين تغيب الشمس ، وبعد الفجر قبل أن تطلع الشمس .

[ ص: 29 ] وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يصلى على الجنائز عند الطلوع ، ولا عند الغروب ، ولا نصف النهار ، ويصلى عليها في غيرها من الأوقات .

وقال الليث : لا يصلى على الجنازة في الساعة التي تكره فيها الصلاة ، وقال الأوزاعي : يصلى عليها ما دام في ميقات العصر ، فإذا ذهب عنهم ميقات العصر لم يصلوا عليها حتى تغرب الشمس .

وقال الشافعي : يصلى على الجنائز في كل وقت ، والنهي عنده عن الصلاة في تلك الساعات إنما هو عن النوافل المبتدءات والتطوع ، وأما عن صلاة فريضة ، أو صلاة سنة فلا ، لدلائل من الأثر ، سأذكرها في كتابي هذا إن شاء الله .



التالي السابق


الخدمات العلمية