التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
62 [ ص: 30 ] حديث تاسع لزيد بن أسلم مثل الذي قبله

مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله الصنابحي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا توضأ العبد المومن فمضمض ، خرجت الخطايا من فيه ، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه ، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه ، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه ، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه ، حتى تخرج من تحت أظفار يديه ، فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه ، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه ، حتى تخرج من تحت أظفار رجليه ، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له .


قد تقدم القول في الصنابحي ، وفيمن دونه في هذا الإسناد ، وقال أبو عيسى بن عيسى بن سورة الترمذي : سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث مالك عن زيد [ ص: 31 ] بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : إذا توضأ العبد المسلم فمضمض خرجت الخطايا من فيه - الحديث - ؟ فقال : مالك بن أنس وهم في هذا الحديث ، فقال : عبد الله الصنابحي ، وهو أبو عبد الله الصنابحي ، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة ، ولم يسمع من النبي عليه السلام ، والحديث مرسل ، وعبد الرحمن هو الذي روى عن أبي بكر الصديق .

قال أبو عمر :

يستند هذا الحديث أيضا من طرق حسان من حديث عمرو بن عبسة ، وغيره ، وسنذكرها في آخر هذا الباب إن شاء الله .

وفي هذا الحديث من الفقه : إن الوضوء مسنونه ومفروضه جاء فيه مجيئا واحدا ، وإن من شرط المؤمن ، وما ينبغي له إذا أراد الصلاة : أن يأتي بما ذكر في هذا الحديث لا يقصر عن شيء منه ، فإن قصر عن شيء منه كان للمفترض حينئذ حكم ، وللمسنون حكم ، إلا أن العلماء أجمعوا على أن غسل الوجه ، واليدين إلى المرفقين ، والرجلين إلى الكعبين ، ومسح الرأس ، فرض ذلك كله ، لأمر الله به في كتابه المسلم عند قيامه إلى الصلاة إذا لم يكن متوضئا ، لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلا في مسح الرجلين وغسلهما على ما نبينه في بلاغات مالك إن شاء الله .

[ ص: 32 ] واختلفوا في المضمضة والاستنثار ، فقالت طائفة : ذلك فرض ، وقال آخرون : ذلك سنة ، وقال بعضهم : المضمضة سنة ، والاستنثار فرض .

وليس في مسند حديث الموطأ ذكر المضمضة إلا في هذا الحديث ، وفي حديث عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد بن عاصم في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا في الموطأ ذكر الأذنين في الوضوء في حديث مسند إلا في حديث الصنابحي هذا .

وقد استدل بعض أهل العلم على أن الأذنين من الرأس ، وأنهما يمسحان بماء واحد مع الرأس بحديث الصنابحي هذا ، لقوله فيه : فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه ، فنذكر أقاويل الفقهاء في ذلك هاهنا ، ونؤخر ذكر المرفقين إلى باب عمرو بن يحيى ، وذكر الكعبين إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ويل للأعقاب من النار ، ونرجئ ذكر القول في مسح الرأس إلى باب عمرو بن يحيى أيضا في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم إن شاء الله .

وجاء في هذا الحديث ذكر الاستنثار ، فنذكره أيضا بعون الله . وكذلك لا أعلم في مسند حديث الموطأ ومرفوعه موضعا أشبه بالقول في الماء المستعمل من هذا الحديث ، ونحن ذاكرو ذلك كله هاهنا ، ونذكر حكم المضمضة والاستنثار أيضا هاهنا ; لأنهما متقاربان في المعنى عند العلماء ، وبالله توفيقنا ، وهو حسبنا لا شريك له .

[ ص: 33 ] فأما الاستنثار والاستنشاق فمعناهما واحد متقارب إلا أن أخذ الماء بريح الأنف هو الاستنشاق ، والاستنثار رد الماء بعد أخذه بريح الأنف أيضا ، وهذه حقيقة اللفظين ، وقد كان مالك يرى أن الاستنثار أن يجعل يده على أنفه ويستنثر ، وقد ذكرنا مذاهب العلماء في ذلك في باب أبي الزناد .

وأكثر أهل العلم يكتفون في هذا المعنى باللفظ الواحد ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - اللفظتان جميعا ، وذلك قوله في هذا الحديث : فإذا استنثر ، وقوله في حديث أبي هريرة : إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ، ثم لينثر ولينتثر أو ليستنثر ، ونحو هذا على ما روي في ذلك ، وقوله في حديث أبي هريرة أيضا : من توضأ فليستنثر ، ومن استجمر فليوتر ، وروي من حديث أبي رزين العقيلي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ، ومن حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى [ ص: 34 ] الله عليه وسلم - قال : استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا ومن حديث همام ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخره من الماء ، ثم لينتثر ، وقد ذكرنا هذه الآثار بأسانيدها في باب أبي الزناد ، والحمد لله .

فاللفظتان كما ترى مرويتان يتداخلان ، وأهل العلم يعبرون باللفظ الواحد عن الثاني اكتفاء وعلما بالمراد ، فأما اختلافهم في حكمهما ; فإن مالكا ، والشافعي ، وأصحابهما يقولون : المضمضة والاستنشاق سنة ليستا بفرض لا في الجنابة ولا في الوضوء ، وبذلك قال محمد بن جرير الطبري ، وهو قول الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وقتادة ، والحكم بن عتبة . وروي أيضا عن الحسن البصري ، والزهري ، وربيعة ويحيى بن سعيد وقتادة ، والحكم بن عتبة : فمن توضأ ، وتركهما ، وصلى ، فلا إعادة عليه عند واحد من هؤلاء المذكورين

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري : هما فرض في الجنابة ، سنة في الوضوء ، فإن تركهما في غسله من الجنابة وصلى أعاد ، كمن ترك لمعة ، ومن تركهما في وضوئه وصلى فلا إعادة عليه .

وقال ابن أبي ليلى ، وحماد بن أبي سليمان ، وهو قول إسحاق بن راهويه : هما فرض في الغسل والوضوء جميعا ، وروى الزهري وعطاء مثل هذا القول أيضا ، وروي عنهما مثل [ ص: 35 ] قول مالك والشافعي وكذلك اختلف أصحاب داود ، فمنهم من قال هما فرض في الغسل والوضوء جميعا ، ومنهم من قال : إن المضمضة سنة والاستنشاق فرض ، وكذلك اختلف عن أحمد بن حنبل على هذين القولين المذكورين عن داود وأصحابه ، ولم يختلف قول أبي ثور ، وأبي عبيد : إن المضمضة سنة ، والاستنشاق واجب ، قالا : فمن ترك الاستنشاق وصلى أعاد ، ومن ترك المضمضة لم يعد ، وكذلك القول ثم أحمد بن حنبل في رواية ، وعن بعض أصحاب داود . وحجة من لم يوجبهما أن الله لم يذكرهما في كتابه ، ولا أوجبهما رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا اتفق الجميع عليه ، والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه . وحجة من أوجبهما في الغسل من الجنابة دون الوضوء قوله - صلى الله عليه وسلم - : تحت كل شعرة جنابة ، فبلوا [ ص: 36 ] الشعر ، وأنقوا البشرة ، وفي الأنف ما فيه من الشعر ، وأنه لا يوصل إلى غسل الأسنان ، والشفتين إلا بالمضمضة ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : العينان تزنيان ، والفم يزني ، ونحو هذا إلى أشياء يطول ذكرها .

وحجة من أوجبهما في الوضوء ، وفي غسل الجنابة جميعا : إن الله عز وجل قال : ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا . كما قال : فاغسلوا وجوهكم ، فما وجب في الواحد من الغسل وجب في الآخر ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحفظ عنه أنه ترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ، ولا في غسله للجنابة ، وهو المبين عن الله عز وجل مراده قولا وعملا ، وقد بين أن من مراد الله بقوله : اغسلوا وجوهكم : المضمضة والاستنشاق ، مع غسل سائر الوجه .

وحجة من فرق بين المضمضة والاستنشاق : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل المضمضة ، ولم يأمر بها ، وأفعاله مندوب إليها ليست بواجبة ، إلا بدليل ، وفعل الاستنثار وأمر به ، وأمره على الوجوب أبدا ، إلا أن تبين غير ذلك من مراده ، وهذا على أصولهم في ذلك .

وأما اختلاف العلماء في حكم الأذنين في الطهارة ، فإن مالكا ، قال فيما روى عنه ابن وهب ، وابن القاسم ، وأشهب ، وغيرهم : الأذنان من الرأس ، إلا أنه ، قال : يستأنف لهما ماء جديد سوى الماء الذي يمسح به الرأس ، فوافق الشافعي في هذه ; لأن الشافعي قال : يمسح الأذنين بماء جديد ، كما قال مالك ولكنه قال : هما سنة على حيالهما ، لا من الوجه ، ولا من الرأس ، وقول أبي ثور في ذلك ، كقول الشافعي سواء حرفا بحرف ، وقول أحمد بن حنبل [ ص: 37 ] في ذلك ، كقول مالك سواء في قوله : الأذنان من الرأس ، وفي أنهما يستأنف لهما ماء جديد .

وقال الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه : الأذنان من الرأس ، يمسحان مع الرأس بماء جديد ، وروي عن جماعة من السلف مثل ذلك القول من الصحابة والتابعين ، وقال ابن شهاب والزهري : الأذنان من الوجه ، وقال الشعبي : ما أقبل منهما من الوجه ، وظاهرهما من الرأس ، وبهذا القول ، قال : الحسن بن حي ، وإسحاق بن راهويه : إن باطنهما من الوجه ، وظاهرهما من الرأس . وحكيا عن أبي هريرة هذا القول وعن الشافعي ، والمشهور من مذهبه ما تقدم ذكره ، رواه المزني ، والربيع ، والزعفراني ، والبويطي ، وغيرهم .

وقد روي عن أحمد بن حنبل مثل قول الشافعي وإسحاق في هذا أيضا ، وقال داود : إن مسح أذنيه ، فحسن ، وإن لم يمسح فلا شيء عليه ، وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه ، ويجعلونه تاركا سنة من سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يوجبون عليه إعادة ، إلا إسحاق بن راهويه ، فإنه قال : إن ترك مسح أذنيه عامدا لم يجزه . وقال أحمد بن حنبل : إن تركهما عمدا أحببت أن يعيد ، وقد كان بعض أصحاب مالك يقولون : من [ ص: 38 ] ترك سنة من سنن الوضوء ، أو الصلاة عامدا أعاد ، وهذا عند الفقهاء ضعيف ، وليس لقائله سلف ، ولا له حظ من النظر ، ولو كان كذلك ، لم يعرف الفرض الواجب من غيره ! وقال بعضهم : من ترك مسح أذنيه ، فكأنه ترك مسح بعض رأسه ، وهو ممن يقول بأن الفرض مسح بعض الرأس ، وإنه يجزئ المتوضئ مسح بعضه ، وقوله : هذا كله ليس على أصل مذهب مالك الذي يقتدي به ، وسيأتي القول في مسح الرأس في باب عمرو بن يحيى إن شاء الله .

واحتج مالك والشافعي في أخذهما للأذنين ماء جديدا ، بأن عبد الله بن عمر كان يفعل ذلك .

وحجة أبي حنيفة وأصحابه ومن قال بقولهم : إن الأذنين يمسحان مع الرأس بماء واحد - حديث زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كذلك فعل ، وذلك موجود أيضا في حديث عبد الله الخولاني ، عن ابن عباس ، عن علي في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء ، وفي حديث طلحة بن مصرف ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واحتجوا أيضا بحديث الصنابحي هذا ، قوله - صلى الله عليه وسلم - : فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه ، كما قال في الوجه من أشفار عينيه ، وفي اليدين من تحت أظفاره ، ومعلوم أن العمل في ذلك واحد بماء واحد . واحتجوا أيضا بما أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : أخبرنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا الحسن بن علي ، قال : حدثنا يزيد [ ص: 39 ] ابن هارون ، قال : أخبرنا عباد بن منصور ، عن عكرمة بن خالد ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ ، فذكر الحديث كله ثلاثا ثلاثا ، وفيه قال : ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما مسحة واحدة . وأكثر الآثار على هذا ، وقد يحتمل أنه مسح رأسه مرة واحدة ، وأذنيه مرة واحدة ، لأنه ذكر الوضوء ثلاثا ثلاثا إلا الرأس والأذنين .

وحجة من قال بغسل باطنهما مع الوجه ، وبمسح ظاهرهما مع الرأس : إن الله قد أمر بغسل الوجه ، وهو مأخوذ من المواجهة ، فكل ما وقع عليه اسم وجه وجب عليه غسله ، وأمر عز وجل بمسح الرأس ، وما لم يواجهك من الأذنين فمن الرأس ; لأنهما في الرأس ، فوجب المسح على ما لم يواجه منهما مع الرأس .

[ ص: 40 ] قال أبو عمر :

هذا قول ترده الآثار الثابتة عن النبي - عليه السلام - أنه كان يمسح ظهور أذنيه وبطونهما من حديث علي ، وعثمان ، وابن عباس ، والربيع بنت معوذ ، وغيرهم .

وحجة ابن شهاب في أنهما من الوجه ; لأن ما لم ينبت عليه الشعر ، فهو من الوجه لا من الرأس إذا أدركته المواجهة ، ولم يكن قفا ، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا ، ويمكن أن يحتج له بحديث ابن أبي مليكة : أنه رأى عثمان بن عفان ، فذكر صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا ثلاثا ، قال : ثم أدخل يده ، فأخذ ماء ، فمسح به رأسه وأذنيه ، فغسل ظهورهما وبطونهما .

ومن الحجة له أيضا ; ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في سجوده : سجد وجهي للذي خلقه ، فشق سمعه وبصره ، فأضاف السمع إلى الوجه ، وهذا كلام محتمل التأويل ، يمكن فيه الاعتراض .

[ ص: 41 ] وحجة الشافعي في قوله : إن مسح الأذنين سنة على حيالها ، وليستا من الوجه ، ولا من الرأس : إجماع القائلين بإيجاب الاستيعاب في مسح الرأس أنه إن ترك مسح اليسرى وصلى لم يعد ، فبطل قولهم : إنهما من الرأس ; لأنه لو ترك شيئا من رأسه عندهم ، لم يجزئه ، وإجماع العلماء في أن الذي يجب عليه حلق رأسه في الحج ليس عليه أن يأخذ ما على أذنيه من الشعر ، فدل ذلك على أنهما ليستا من الرأس ، وإن مسحهما سنة على الانفراد ; كالمضمضة ، والاستنشاق ، ولكل طائفة منهما اعتلال من جهة الأثر والنظر تركت ذلك خشية الإطالة ، وإن الغرض والجملة ما ذكرنا وبالله توفيقنا .

قال أبو عمر :

المعنى الذي يجب الوقوف على حقيقته في الأذنين أن الرأس قد رأينا له حكمين : فما واجه منه كان حكمه الغسل ، وما علا منه ، وكان موضعا لنبات الشعر كان حكمه المسح ، واختلاف الفقهاء في الأذنين ، إنما هو هل حكمهما المسح كحكم الرأس ، أو حكمهما الغسل كغسل الوجه ؟ أو لهما من كل واحد منهما حكم ، أو هما من الرأس فيمسحان معه ؟ فلما قال - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث : حديث الصنابحي فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه فأتى بذكر الأذنين مع الرأس ، ولم يقل إذا غسل وجهه خرجت الخطايا من أذنيه - علمنا أن الأذنين ليس لهما [ ص: 42 ] من حكم الوجه شيء ; لأنهما لم يذكرا معه ، وذكرا مع الرأس ، فكان حكمهما المسح كحكم الرأس ، فليس يصح من الاختلاف في ذلك عندي إلا مسحهما مع الرأس بماء واحد ، واستئناف الماء لهما في المسح ، فإن هذين القولين محتملان للتأويل .

وأما قول من أمر بغسلهما ، أو غسل بعضهما فلا معنى له ، وذلك مدفوع بحديث الصنابحي هذا مع ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسحهما ، وبالله التوفيق .

واستدل بعض من لم يجز الوضوء بالماء المستعمل بحديث الصنابحي هذا ، وقال : الماء إذا توضئ به مرة خرجت الخطايا معه فوجب التنزه عنه ; لأنه ماء الذنوب ، وهذا عندي لا وجه له ; لأن الذنوب لا تنجس الماء ; لأنها لا أشخاص لها ولا أجسام تمازج الماء فتفسده ، وإنما معنى قوله : خرجت الخطايا مع الماء إعلام منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم وتفضلا عليهم ، ليرغبوا في العمل به .

واختلف الفقهاء في الوضوء بالماء المستعمل وهو الذي قد توضئ به مرة ، فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما : لا يتوضأ به ، ومن توضأ به أعاد أبدا ; لأنه ليس بماء مطلق ويتيمم واجده ; لأنه ليس بواجد ماء ، ومن حجتهم في ذلك على الذين أجازوا الوضوء به عند عدم وجود غيره ، أنه لما كان مع الماء الذي يستعمل كلا ماء ، كان عند عدمه أيضا كلا ماء ووجب التيمم .

[ ص: 43 ] وقال بقولهم في ذلك : أصبغ بن الفرج ، وهو قول الأوزاعي . وأما مالك ، فقال : لا يتوضأ به إذا وجد غيره من الماء ، ولا خير فيه ، ثم قال : إذا لم يجد غيره توضأ به ولم يتيمم ; لأنه ماء طاهر لم يغيره شيء ، وقال أبو ثور ، وداود : الوضوء بالماء المستعمل جائز ; لأنه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء فوجب أن يكون مطهرا لطهارته ، ولأنه لا يضاف إلى شيء وهو ماء مطلق . واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ نجاسة ، وإلى هذا ذهب أبو عبد الله المروزي محمد بن نصر ، ومن حجتهم أن الماء قد يستعمل في العضو الواحد لا يمتنع من ذلك أحد ولا يسلم من ذلك ، واختلف عن الثوري في هذه المسألة ، فروي عنه أنه قال : لا يجوز الوضوء بالماء المستعمل ، وأظنه حكى عنه أيضا أنه قال : هو ماء الذنوب ، وقد روي عنه خلاف ذلك ، وذلك أنه أفتى من نسى مسح رأسه : أن يأخذ من بلل لحيته ، فيمسح به رأسه ، وهذا واضح في استعمال الماء المستعمل .

وقد روي عن علي بن أبي طالب ، وابن عمر ، وأبي أمامة ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن البصري ، والنخعي ، ومكحول ، والزهري ، أنهم قالوا : فيمن نسي مسح رأسه ، فوجد في لحيته بللا ، أنه يجزئه أن يمسح بذلك البلل رأسه ، فهؤلاء كلهم أجازوا الوضوء بالماء المستعمل ، وأما مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، ومن قال بقولهم ، فلا يجوز عندهم لمن نسي مسح رأسه ، ووجد في لحيته بللا ، أن يمسح رأسه بذلك البلل ، ولو فعل لم يجزئه ، وكان كمن لم يمسح ، وكان عليه الإعادة لكل ما صلى [ ص: 44 ] بذلك الوضوء عندهم ; لأنه ماء قد أدى به فرضا ، فلا يؤدى به فرض آخر ، كالجمار وشبهها .

قال أبو عمر : الجمار مختلف في ذلك منها .

وقال بعض المنتمين إلى العلم من أهل عصرنا : إن الكبائر والصغائر يكفرها الصلاة والطهارة ، واحتج بظاهر حديث الصنابحي هذا ، وبمثله من الآثار ، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - : فما ترون ذلك يبقى من ذنوبه ، وما أشبه ذلك . وهذا جهل بين ، وموافقة للمرجئة فيما ذهبوا إليه من ذلك ، وكيف يجوز لذي لب أن يحمل هذه الآثار على عمومها ، وهو يسمع قول الله عز وجل ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ، وقوله تبارك وتعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون . في آي كثيرة من كتابه .

ولو كانت الطهارة ، والصلاة ، وأعمال البر ، مكفرة للكبائر ، والمتطهر ذاكر لذنبه الموبق ، ولا قاصد إليه ولا حضره في حينه ذلك أنه نادم عليه ، ولا خطرت خطيئته المحيطة به بباله ، لما كان لأمر الله عز وجل بالتوبة معنى ، ولكان [ ص: 45 ] كل من توضأ وصلى يشهد له بالجنة بأثر سلامه من الصلاة ، وإن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر ، وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح ، وقد أجمع المسلمون أن التوبة على المذنب فرض ، والفروض لا يصح أداء شيء منها إلا بقصد ونية واعتقاد أن لا عودة ، فأما أن يصلي ذاكر لما ارتكب من الكبائر ، ولا نادم على ذلك ، فمحال ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الندم توبة ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر .

حدثنا يونس بن عبد الله بن محمد بن معاوية ، قال : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ، قال : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، قال : حدثنا خالد بن مخلد ، قال : حدثنا محمد [ ص: 46 ] بن جعفر بن أبي كثير ، قال : حدثنا العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، كفارات لما بينهن من الخطايا ما لم تغش الكبائر .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن أبي العوام ، قال : حدثنا عمر بن سعيد القرشي ، قال : حدثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما لمن اجتنب الكبائر .

وروى عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، قال : قال عبد الله بن مسعود : الصلوات الخمس كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر [ ص: 47 ] قال : وأخبرني الثوري ، عن أبيه ، عن المغيرة بن شبيل ، عن طارق بن شهاب ، سمع سلمان الفارسي ، يقول : حافظوا على هذه الصلوات الخمس ; فإنهن كفارة هذه الجراح ، ما لم تصب المقتلة .

وحدثنا سعيد : قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا ابن فضيل ، عن مغيرة ، عن زياد بن كليب ، عن إبراهيم بن علقمة ، عن سليمان بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ألا أحدثكم عن يوم الجمعة ، لا يتطهر رجل ، ثم يأتي الجمعة ، فيجلس وينصت حتى يقضي الإمام صلاته ، إلا كانت له كفارة ما بين الجمعة إلى الجمعة ، ما اجتنبت الكبائر .

قال أبو بكر : وحدثنا إسحاق بن منصور ، عن أبي [ ص: 48 ] كدينة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن القرثع ، عن سلمان ، عن النبي عليه السلام ، قال : ألا أحدثك عن يوم الجمعة ، من تطهر وأتى الجمعة ، ثم أنصت حتى يقضي الإمام صلاته ، كانت كفارة لما بينهما ، وبين الجمعة التي تليها ما اجتنبت المقتلة .

قال : وحدثنا عفان ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن مغيرة بن أبي معشر زياد بن كليب ، عن إبراهيم بن علقمة ، عن القرثع ، عن سلمان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل حديث إسحاق بن منصور ، عن أبي كدينة . وهذا يبين لك ما ذكرنا ، ويوضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات الخمس لمن اجتنب الكبائر ، فيكون على هذا معنى قول الله عز وجل إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم - الصغائر بالصلاة والصوم ، والحج ، وأداء الفرائض ، وأعمال البر ، وإن لم تجتنبوا الكبائر ولم تتوبوا منها لم تنتفعوا بتكفير الصغائر إذا واقعتم الموبقات المهلكات ، والله أعلم . وهذا كله قبل [ ص: 49 ] الموت ، فإن مات فمصيره إلى الله : إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه ، فإن عذبه فبجرمه ، وإن عفا عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة ، وإن تاب قبل الموت وقبل حضوره ومعاينته ، وندم واعتقد أن لا يعود ، واستغفر ووجل كان كمن لم يذنب ، وبهذا كله الآثار الصحاح عن السلف قد جاءت ، وعليه جماعة علماء المسلمين .

ولو تدبر هذا القائل الحديث الذي فيه ذكر خروج الخطايا من فمه ، وأنفه ، ويديه ، ورجليه ، ورأسه ، لعلم أنها الصغائر في الأغلب ، ولعلم أنها معفو عنها بترك الكبائر ، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : العينان تزنيان ، واليدان تزنيان ، والفم يزني ، ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه . يريد - والله أعلم - أن الفرج بعمله يوجب المهلكة ، وما لم يكن ذلك فأعمال البر يغسلن ذلك كله ، وقد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل ، وخشيت أن يغتر به جاهل ، فينهمك في الموبقات اتكالا على أنها تكفرها الصلوات الخمس دون الندم عليها ، والاستغفار والتوبة منها ، والله أعلم ، ونسأله العصمة والتوفيق .

حدثني سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال ، قال : حدثنا ابن سلمة ، عن ثابت [ ص: 50 ] وعلي بن زيد ، وحميد ، وصالح المعلم ، ويونس ، عن الحسن ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر .

وأما حديث عمرو بن عبسة في هذا الباب ، ومنه قام حديث الصنابحي ، والله أعلم ; فحدثنا أبو عبد الله محمد بن خليفة - رحمه الله - قال : حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ، قال : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ، حدثنا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين ، عن شهر بن حوشب ، أنه لقي أبا أمامة الباهلي ، فسأله عن حديث عمرو بن عبسة السلمي حين حدث شرحبيل بن السمط وأصحابه ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : من رمى بسهم في سبيل الله فبلغ ، أخطأ أو أصاب ، كان سهمه ذلك كعدل رقبة من ولد إسماعيل ، ومن خرجت له شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة ، ومن أعتق رقبة مسلمة ، كانت له فكاكا من جهنم ، ومن قام إلى الوضوء يراه حقا عليه ، فمضمض ، غفرت له ذنوبه مع أول قطرة من طهوره ، فإذا غسل وجهه ، فمثل ذلك ، فإذا غسل رجليه ، فمثل ذلك ، فإن جلس جلس سالما ، وإن صلى تقبل منه ، قال شهر : فحدثني أبو أمامة [ ص: 51 ] عن عمرو بن عبسة بهذا الحديث سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن إسماعيل بن عياش أجمعوا أنه ليس بحجة فيما ينفرد به .

وحدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا إبراهيم بن مروان الدمشقي ، قال : حدثنا ابن عياش هو إسماعيل ، قال : حدثني يحيى بن أبي عمرو السيباني ، عن أبي سلام الحبشي ، وعمرو بن عبد الله ، أنهما سمعا أبا أمامة الباهلي يحدث عن عمرو بن عبسة السلمي ، قال : رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية ، ورأيت أنها آلهة باطل ، كانوا يعبدون الحجارة ، والحجارة لا تضر ولا تنفع ، قال : فلقيت رجلا من أهل الكتاب ، فسألته عن أفضل الدين ، فقال : رجل يخرج من مكة ، ويرغب عن آلهة قومه ، ويدعو إلى غيرها ، [ ص: 52 ] وهو يدعو إلى أفضل الدين ، فإذا سمعت به فاتبعه ، فلم يكن لي هم إلا مكة آتيها ، فأسأل : هل حدث فيها حدث أو أمر ؟ فيقولون : لا ، فأنصرف إلى أهلي ، وأهلي بعيد ، فأعترض خارجي مكة ، فأسألهم : هل حدث فيها حدث أو أمر ؟ فيقولون : لا ، فإني قاعد على الطريق إذ مر بي راكب ، فقلت من أين جئت ؟ فقال : من مكة ، قلت : حدث فيها حدث ؟ قال : نعم ، رجل رغب عن آلهة قومه ، ويدعو إلى غيرها ، قلت : صاحبي الذي أريد ، فشددت راحلتي برحلها ، فجئت منزلي الذي كنت أنزل فيه ، فسألت عنه ، فوجدته مستخفيا بشأنه ، ووجدت قريشا عليه جرءاء ، فتلطفت حتى دخلت ، فسلمت عليه ، ثم قلت : من أنت ؟ فقال : أنا نبي ، فقلت : وما النبي ؟ قال : رسول الله ، قلت : من أرسلك ، قال : الله ، قلت : فبم أرسلك ؟ قال : بأن توصل الأرحام ، وتحقن الدماء ، وتؤمن السبل ، وتكسر الأوثان ، ويعبد الله وحده لا يشرك به شيء ، قلت : نعم من أرسلك ، فأشهد أني قد آمنت بك ، وصدقت بك ، أمكث معك ، أم ماذا ترى ؟ قال : قد ترى كراهية الناس لما جئت به ، فامكث في أهلك ، فإذا سمعت بأني خرجت مخرجي ، فائتني ، فلما سمعت به خرج إلى [ ص: 53 ] المدينة سرت حتى قدمت عليه ، قلت : يا نبي الله تعرفني ؟ قال : نعم أنت السلمي الذي جئتني ، فقلت : لي كذا وكذا ، فاغتنمت ذلك المجلس ، وعرفت أنه لا يكون لي أفرغ قلبا منه في ذلك المجلس ، قلت : يا رسول الله ! أي الساعات أسمع ؟ قال : جوف الليل الآخر ، والصلاة مشهودة متقبلة حتى تخرج الشمس ، فإذا رأيتها خرجت حمراء ، فاقصر عنها ; فإنها تخرج بين قرني شيطان ، وتصلي لها الكفار ، فإذا ارتفعت قدر رمح أو رمحين فصل ; فإن الصلاة مشهودة متقبلة حتى يستوي الرمح بالظل ، فإذا استوى الرمح بالظل فأقصر عنها ، فإنه حين تسجر أبواب جهنم ، فإذا فاء الظل فصل ، فإن الصلاة مشهودة متقبلة حتى تغرب الشمس ، فإذا رأيتها حمراء فاقصر عنها ، فإنها تغرب بين قرني شيطان ، وتصلي لها الكفار ، ثم أخذ في الوضوء ، وقال : إذا توضأت فغسلت يديك خرجت خطايا يديك من أطراف أناملك مع الماء ، فإذا غسلت وجهك ومضمضت واستنثرت خرجت خطايا وجهك من فيك وخياشيمك مع الماء ، فإذا مسحت برأسك وأذنيك خرجت خطايا رأسك وأذنيك من أطراف شعرك مع الماء ، فإذا غسلت رجليك خرجت خطايا رجليك وأناملك مع الماء ، فصليت فحمدت ربك بما هو أهله انصرفت من صلاتك كيوم ولدتك أمك .

قال أبو داود : وقرأت على المؤمل بن إهاب ، قال : حدثنا النضر بن محمد ، قال : حدثنا عكرمة بن عمار العجلي ، قال : حدثنا شداد [ ص: 54 ] بن عبد الله أبو عمار ، ويحيى بن أبي كثير ، عن أبي أمامة قيل لعكرمة ولقي شداد أبا أمامة ؟ قال : نعم ، وواثلة ، وصحب أنس بن مالك إلى الشام ، قال : قال عمرو بن عبسة السلمي : كنت في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة ، وأنهم ليسوا على شيء ، وهم يعبدون الأوثان ، قال : فسمعت برجل بمكة ، فساق الحديث بمعنى ما تقدم ، قال : فقدمت عليه ، فقلت : يا رسول الله ! أتعرفني ؟ قال : نعم ، ألست الذي لقيتني بمكة ؟ قال : فقلت : بلى ، وقلت : يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله ، أخبرني عن الصلاة ، قال : صل صلاة الصبح ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس ، وحتى ترتفع ، فإنها تطلع بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ، ثم صل ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقبل الظل بالرمح ، ثم أقصر عن الصلاة ، فإنه حينئذ تسجر جهنم ، فإذا أقبل الفيء فصل ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلى العصر ، ثم أقصر حتى تغرب الشمس ; فإنها تغرب بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ، فقلت : أي نبي الله ! الوضوء حدثني عنه ، قال : ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ، ويستنشق ويستنثر ، إلا خرجت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه مع الماء ، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله خرجت خطايا وجهه من طرف لحيته مع الماء ، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرجت خطايا يديه من أنامله مع الماء ، ثم يمسح برأسه إلا خرجت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرجت خطايا رجليه من [ ص: 55 ] أنامله مع الماء ، فإن هو قام ، فصلى ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ومجده بالذي هو أهله ، إلا انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه ، وذكر باقي الكلام .

قال : وحدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، قال : حدثنا محمد بن المهاجر ، عن العباس بن سالم ، عن أبي سلام ، عن أبي أمامة ، عن عمرو بن عبسة السلمي أنه قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أول ما بعث وهو بمكة ، وهو حينئذ مستخف ، فقلت : من أنت ؟ قال : أنا نبي ، قلت : وما النبي ؟ فذكر الحديث . وقال : قلت : يا رسول الله ! علمني مما علمك الله ، فقال : سل عما شئت ، فقلت : يا رسول الله ! أي الليل أفضل ؟ قال : جوف الليل الآخر ، فصل ما شئت ، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح ، ثم أقصر حتى تطلع الشمس وترتفع قيد رمح أو رمحين ، فإنها تطلع بين قرني شيطان ، وتصلي لها الكفار ، ثم صل ما شئت ، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة ، حتى يعتدل رمح بظله ، ثم أقصر ; فإن جهنم تسجر وتفتح أبوابها ، فإذا زاغت الشمس ، فصل ما شئت ; فإن الصلاة مكتوبة مشهودة حتى تصلي العصر ، ثم أقصر حتى تغرب الشمس ; فإنها تغرب بين قرني شيطان ، [ ص: 56 ] وتصلي لها الكفار ، فإذا توضأت فاغسل يديك ، فإنك إذا غسلت يديك خرجت خطاياك من أطراف أناملك ، ثم إذا غسلت وجهك خرجت خطاياك من وجهك ، ثم إذا مضمضت واستنثرت خرجت خطاياك من فيك ومناخرك ، ثم إذا غسلت ذراعيك خرجت خطاياك من ذراعيك ، ثم إذا مسحت برأسك خرجت خطاياك من أطراف شعرك ، ثم إذا غسلت رجليك خرجت خطاياك من أطراف أنامل رجليك ، فإن ثبت في مجلسك ، كان لك حظك من وضوئك ، فإن قمت فذكرت ربك وحمدت وركعت له ركعتين تقبل عليهما بقلبك خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك .

حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن علي ، قال : حدثنا محمد بن فطيس ، قال : حدثنا أبو يزيد شجرة بن عيسى ، قال : حدثنا علي بن زياد ، قال : حدثنا سفيان الثوري ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن رجل من أهل الشام ، عن كعب بن مرة البهزي ، قال : قال رجل يا رسول الله ! أي الليل أسمع ؟ قال : جوف الليل الآخر ، ثم الصلاة مقبولة حتى تصلي الفجر ، ثم لا صلاة حتى تكون الشمس قيد رمح أو رمحين ، ثم الصلاة مقبولة حتى يقوم الظل قيام الرمح ، ثم لا صلاة حتى تزول الشمس ، ثم الصلاة مقبولة حتى تكون الشمس قد دنت للغروب قدر رمح أو رمحين ، فإذا غسلت وجهك [ ص: 57 ] خرجت خطاياك من وجهك ، وإذا غسلت ذراعيك خرجت الخطايا من ذراعيك ، وإذا غسلت رجليك خرجت الخطايا من رجليك .

قال أبو عمر :

ليس في شيء من هذه الآثار : فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه ، وذلك موجود في حديث الصنابحي ، وسائر حديث الصنابحي كله على ما في حديث عمرو بن عبسة المذكور في هذا الباب والحمد لله ، وإنما ذكرناها ليبين بها حديث الصنابحي ويتصل ويستند ، فلذلك ذكرناها لتقف على نقلها ، وتسكن إليها ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية