التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
214 [ ص: 18 ] حديث ثامن وعشرون لزيد بن أسلم مرسل

مالك ، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا ؟ فليصل ركعة ، وليسجد سجدتين ، وهو جالس قبل التسليم فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين ، وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان .


هكذا روى هذا الحديث عن مالك جميع رواة الموطإ عنه ، ولا أعلم أحدا أسنده عن مالك إلا الوليد بن مسلم فإنه ، وصله ، وأسنده عن مالك ، وتابعه على ذلك يحيى بن راشد إن صح عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقد تابع مالكا على إرساله الثوري وحفص بن ميسرة الصنعاني ومحمد بن جعفر بن أبي كثير وداود بن قيس [ ص: 19 ] الفراء فيما روى عنه القطان ، ووصل هذا الحديث ، وأسنده من الثقات على حسب رواية الوليد بن مسلم له عن مالك عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ومحمد بن عجلان وسليمان بن بلال ومحمد بن مطرف أبو غسان وهشام بن سعد وداود بن قيس في غير رواية القطان .

والحديث متصل مسند صحيح يضره تقصير من قصر به في اتصاله ; لأن الذين وصلوه حفاظ مقبولة زيادتهم ، - وبالله التوفيق - .

فأما رواية الوليد عن مالك في هذا الحديث ، فحدثنا خلف بن القاسم قال : أخبرنا محمد بن عبد الله القاضي قال : حدثنا أحمد بن عمير بن حوط حدثنا محمد بن الوزير بن الحكم السلمي حدثنا الوليد بن مسلم عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا ؟ فليلق الشك ، وليبن على اليقين ، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كانت وترا شفعها بهاتين السجدتين ، وإن كانت شفعا فالسجدتان ترغيم للشيطان .

وحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري قال : حدثنا أحمد بن عمير بن [ ص: 20 ] يوسف قال : حدثنا محمد بن الوزير بن الحكم السلمي قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا ؟ فليلغ الشك ، وليبن على اليقين ، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كانت وترا شفعها بهاتين السجدتين ، وإن كانت شفعا فالسجدتان ترغيم للشيطان .

وقد تابع الوليد بن مسلم على مثل روايته هذه عن مالك يحيى بن راشد المازني :

حدثناه خلف بن القاسم حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا عمر بن شبة حدثنا يحيى بن راشد المازني حدثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء [ ص: 21 ] بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الحديث سواء .

قال أبو عمر :

هذا الحديث ، وإن كان الصحيح فيه عن مالك الإرسال فإنه متصل من وجوه ثابتة من حديث من تقبل زيادته .

فمن ذلك رواية ابن أبي سلمة الماجشون : حدثنا أحمد بن قاسم قال : حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ببغداد قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : أخبرنا بشر بن الوليد قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا لم يدر أحدكم ( كم ) صلى ثلاثا أو أربعا ؟ فليقم فليصل ركعة ، ثم يسجد بعد ذلك سجدتين ، وهو جالس فإن كان صلى خمسا شفعتا له صلاته ، وإن كانت أربعا أرغمت الشيطان .

وأما حديث ابن عجلان فحدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن العلاء قال : حدثنا أبو خالد عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري .

[ ص: 22 ] وحدثني سعيد بن نصر ، واللفظ له ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال : حدثنا أبو صالح قال : حدثني الليث قال : حدثني محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا شك أحدكم في صلاته ، فلا يدري أواحدة أم اثنتين أم ثلاثا أم أربعا ؟ فليتم ما شك فيه ، ثم ليسجد سجدتين وهو جالس فإن كانت صلاته ناقصة فقد أتمها ، والسجدتان ترغيم للشيطان ، وإن كان أتم صلاته فالركعة ، والسجدتان نافلة له .

وحدثنا محمد بن إبراهيم قال : حدثنا محمد بن معاوية قال : أخبرنا أحمد بن شعيب قال : أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي قال : حدثنا خالد ، - وهو ابن الحارث - ، عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله بمعناه .

[ ص: 23 ] وأما حديث سليمان بن بلال فأخبرناه عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال : حدثنا موسى بن داود قال : أخبرنا سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا ؟ فليطرح الشك ، وليبن على ما يستيقن ، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان قد صلى خمسا كانت شفعا لصلاته ، وإن كان صلاهما تماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان .

وكذلك رواه يحيى بن محمد عن زيد بن أسلم أخبرنا محمد بن إبراهيم قال : حدثنا محمد بن معاوية قال : أخبرنا أحمد بن شعيب قال : أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال : حدثنا يحيى بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا شك أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثا أم أربعا ؟ فليصل ركعة تامة ، ثم ليسجد سجدتين وهو جالس فإن كانت تلك الركعة خامسة شفع بهاتين السجدتين ، وإن كانت رابعة كانتا ترغيما للشيطان .

[ ص: 24 ] ورواه ابن وهب عن مالك وحفص بن ميسرة وداود بن قيس وهشام بن سعد كلهم ، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال ابن وهب : إلا أن هشاما بلغ به أبا سعيد الخدري .

قال أبو عمر :

هذا حديث متصل صحيح ، وقد أخطأ فيه الدراوردي عبد العزيز بن محمد وعبد الله بن جعفر بن نجيح فروياه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس . والدراوردي صدوق ، ولكن ليس بالجيد عندهم وعبد الله بن جعفر هذا هو والد علي بن المديني ، وقد اجتمع على ضعفه ، وليس رواية هذين مما يعارض رواية من ذكرنا ، وبالله توفيقنا .

[ ص: 25 ] وقال الأثرم : سألت أحمد بن حنبل عن حديث أبي سعيد في السهو أتذهب إليه ؟ ، قال : نعم أذهب إليه قلت إنهم يختلفون في إسناده ، قال : إنما قصر به مالك ، وقد أسنده عدة ، منهم : ابن عجلان وعبد العزيز بن أبي سلمة .

وفي هذا الحديث من الفقه أصل عظيم جسيم مطرد في أكثر الأحكام ، وهو أن اليقين لا يزيله الشك ، وأن الشيء مبني على أصله المعروف حتى يزيله يقين لا شك معه ، وذلك أن الأصل في الظهر أنها فرض بيقين أربع ركعات فإذا أحرم بها ، ولزمه إتمامها ، وشك في ذلك فالواجب الذي قد ثبت عليه بيقين لا يخرجه منه إلا يقين فإنه قد أدى ما وجب عليه من ذلك .

وقد غلط قوم من عوام المنتسبين إلى الفقه في هذا الباب فظنوا أن الشك أوجب على المصلي إتمام صلاته ، والإتيان بالركعة ، واحتجوا لذلك بأعمال الشك في بعض نوازلهم ، وهذا جهل بين ، وليس كما ظنوا بل اليقين بأنها أربع فرض عليه إقامتها أوجب عليه إتمامها ، وهذا واضح لوضوحه يكاد يستغنى عنه .

[ ص: 26 ] أخبرنا عبيد بن محمد قال : أخبرنا عبد الله بن مسرور قال : حدثنا عيسى بن مسكين ، وأخبرنا قاسم بن محمد قال : حدثنا خالد بن سعد قال : حدثنا أحمد بن عمرو قالا جميعا : حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر قال : حدثنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير قال : حدثني عياض أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا صلى أحدكم فلا يدري أثلاثا صلى أم أربعا ؟ فليتحر الصواب ، ثم ليسجد سجدتي السهو ، وإذا أتى أحدكم الشيطان في صلاته فقال له : إنك أحدثت ، فلا ينصرف حتى يسمع بأذنيه صوته أو يجد ريحه بأنفه ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ينقله من يقين طهارته إلى شك بل أمره أن يبني على يقينه في ذلك حتى يصح عنده يقين يصير إليه .

والأصل في هذا ، وفي البناء على اليقين في الصلاة سواء . إلا أن مالكا - رحمه الله - ، قال : من شك في الحدث بعد يقينه بالوضوء فعليه الوضوء ، ولم يتابعه على هذا القول أحد من أهل الفقه علمته إلا أصحابه ، ومن قلدهم في ذلك ، وقد قال أبو الفرج : إن ذلك استحباب ، واحتياط منه .

[ ص: 27 ] وخالف عبد الله بن نافع مالكا في هذه المسألة فقال : لا وضوء عليه ، وقال ابن خواز بنداذ : اختلفت الرواية عن مالك فيمن توضأ ، ثم شك هل أحدث أم لا ؟ فقد قال : عليه الوضوء ، وقد قال : لا وضوء عليه ، وهو قول سائر الفقهاء .

قال أبو عمر :

مذهب الثوري وأبي حنيفة ، وأصحابه والأوزاعي والشافعي ، ومن سلك سبيله البناء على الأصل حدثا كان أو طهارة ، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور وداود بن علي وأبي جعفر الطبري ، وقد قال مالك : إنه إن عرض له ذلك كثيرا فهو على وضوئه .

وأجمع العلماء أن من أيقن بالحدث ، وشك في الوضوء أن شكه لا يفيد فائدة ، وأن عليه الوضوء فرضا ، وهذا يدلك على أن الشك عندهم ملغى ، وأن العمل على اليقين عندهم ، وهذا أصل كبير في الفقه فتدبره ، وقف عليه .

قرأت على أبي عثمان سعيد بن نصر أن قاسم بن أصبغ حدثهم ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال : حدثنا [ ص: 28 ] الحميدي قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا الزهري قال : أخبرني سعيد بن المسيب وعباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد قال : شكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يخيل إليه الشيء في الصلاة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا ينتقل ، وربما ، قال سفيان : لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا .

ولا خلاف علمته بين علماء أهل المدينة ، وسائر فقهاء الأمصار أن أحدا لا يرث أحدا بالشك في حياته ، وموته .

وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن الزيادة في الصلاة لا يفسدها ما كانت سهوا أو في إصلاح الصلاة ; لأن الشاك في صلاته إذا أمر بالبناء على يقينه ، وممكن أن يكون على اثنتين ، وهو شك هل صلى واحدة أو اثنتين ، فغير مأمون عليه أن يزيد في صلاته ركعة ، وقد أحكمت السنة أن ذلك لا يضره ; لأنه مأمور به .

فإذا كان ما ذكرنا كما ذكرنا بطل قول من قال : إن من زاد في صلاته ( مثل ) نصفها ساهيا أن صلاته فاسدة ، وهذا قول لبعض أصحابنا لا وجه له عند الفقهاء ، ولا قال به أحد من أئمة الأمصار ، والصحيح في مذهب مالك غير ذلك ; وقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر خمسا ساهيا فسجد لسهوه ، وحكم الركعة [ ص: 29 ] والركعتين في ذلك سواء في القياس ، والنظر ، والمعقول ، ولو كانت الزيادة على غير التعمد ، والقصد للإفساد مفسدة للصلاة ، وقد قصد المصلي بذلك إصلاح صلاته أو فعل ذلك ساهيا لأمر الشاك في صلاته الذي لم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا ؟ أن يقطع ، ويستأنف ، وهذا خلاف ما وردت السنة الثابتة به في البناء على اليقين ، ولا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار ، قال في الساهي في صلاته أن يقطع ، ويستأنف ، وإن كان ذلك قد روي عن بعض الصحابة ، وعن جماعة من التابعين ، وإنما ترك الفقهاء ذلك - والله أعلم - لحديث أبي سعيد هذا ، ولمثله من الآثار الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إصلاح صلاته نحو حديث ذي اليدين ، وحديث ابن مسعود فيمن صلى خمسا ساهيا ، وحديث ابن بحينة ، وغيره فيمن قام من ركعتين ، ونحو ذلك من الآثار ، والله أعلم .

وفي هذا الحديث أيضا أن الساهي في صلاته إذا فعل ما يجب عليه فعله سجد لسهوه ، وفيه أن سجود السهو في الزيادة قبل السلام ، وهذا موضع اختلف الفقهاء فيه :

فقال مالك وأصحابه : كل سهو كان نقصانا من الصلاة فالسجود له قبل السلام لحديث ابن بحينة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قيامه من اثنتين دون أن يجلس فسجد [ ص: 30 ] لسهوه ذلك قبل السلام ، وقد نقص الجلسة الوسطى ، والتشهد .

قال مالك : وإن كان السهو زيادة فالسجود له بعد السلام على حديث ذي اليدين ; لأنه - صلى الله عليه وسلم - سها وسلم من ركعتين يومئذ ، وتكلم ثم انصرف ، وبنى فزاد سلاما وعملا وكلاما ، وهو ساه لا يظن أنه في صلاة ، ثم سجد بعد السلام ، وهذا كله قول أبي ثور ، وهو الصحيح في هذا الباب من جهة الآثار ; لأن في قول مالك ومن تابعه على ذلك استعمال الخبرين جميعا في الزيادة والنقصان ، واستعمال الأخبار على وجوهها أولى من ادعاء التناسخ فيها ، ومن جهة النظر الفرق بين النقصان في ذلك وبين الزيادة ; لأن السجود في النقصان إصلاح وجبر ، ومحال أن يكون الإصلاح والجبر بعد الخروج من الصلاة .

وأما السجود في الزيادة فإنما ذلك ترغيم للشيطان ، وذلك ينبغي أن يكون بعد الفراغ . وكان مالك يقول : إذا اجتمع زيادة ، ونقصان من السهو فالسجود لذلك قبل السلام ; لأنه أملك بمعنى الجبر والإصلاح .

[ ص: 31 ] وجملة مذهبه أن من وضع السجود الذي قلنا أنه قبل - بعد أو وضع السجود الذي قلنا أنه بعد - قبل ، فلا شيء عليه إلا أنهم أشد استثقالا لمن وضع السجود الذي بعد السلام قبل السلام ; وذلك لما رأى ، وعلم من اختلاف أهل المدينة في ذلك .

وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : السجود كله في السهو زيادة كان أو نقصانا بعد السلام ، وهو قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وعمر بن عبد العزيز ، وهو قول داود إلا أن داود لا يرى السجود إلا في خمسة مواضع جاءت فيها الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وحجة الكوفيين في ذلك حديث ابن مسعود إذ صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسا ، وحديث ذي اليدين وحديث المغيرة بن شعبة أنه قام من اثنتين ، وسجد فيها كلها بعد السلام ، وعارضوا حديث ابن بحينة بحديث المغيرة بن شعبة ، وزعموا أنه أولى ; لأن فيه زيادة التسليم ، والسجود بعده ، ومن حجتهم من جهة النظر إجماع العلماء على أن حكم من سها في صلاته أن لا يسجد في موضع سهوه ، ولا في حاله تلك ، وأن حكمه أن يؤخر ذلك إلى آخر صلاته لتجمع السجدتان كل سهو في صلاته ، ومعلوم [ ص: 32 ] أن السلام قد يمكن فيه السهو فواجب أن تؤخر السجدتان عن السلام أيضا كما تؤخر عن التشهد .

وقال الشافعي والأوزاعي والليث بن سعد : السجود كله في الزيادة ، والنقصان قبل السلام ، وهو قول ابن شهاب ( وربيعة ويحيى بن سعيد ) .

وقال ابن شهاب : كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السجود قبل السلام ، والحجة لهم حديث أبي سعيد الخدري المذكور في هذا الباب ، فيه البناء على اليقين ، وإلغاء الشك ، والعلم محيط أن ذلك إن لم يكن ( زيادة لم يكن ) نقصانا ، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسجود في ذلك قبل السلام ، وقام من ركعتين ، ولم يجلس ، وسبح به فتمادى ، وسجد قبل السلام ، وهذه الآثار أثبت ما يروى في هذا الباب من جهة النقل ، وفيها السجود قبل السلام للنقصان ، وغير النقصان ، قالوا فعلمنا بهذا أن ليس المعنى في ذلك زيادة ، ولا نقصانا ، وأن المعنى في ذلك إصلاح الصلاة ، وإصلاحها لا يكون إلا قبل الفراغ منها وإنما جاز تأخير السجدتين عن جميع الصلاة ما خلا السلام ; لأن السلام يخرج به من أن تكون السجدتان مصلحتين ألا ترى أن مدرك بعض الصلاة مع الإمام لا يشتغل بالقضاء ، ويتبع الإمام فيما بقي عليه [ ص: 33 ] حاشا السلام لما ذكرنا ، ولكل واحد منهم من جهة النظر حجج يطول ذكرها ، والمعتمد عليه ما ذكرنا .

وسيأتي في باب ابن شهاب عن الأعرج عن ابن بحينة زيادة في هذا المعنى إن شاء الله . وكل هؤلاء يقول : إن المصلي لو سجد بعد السلام فيما قالوا : إن السجود فيه قبل السلام لم يضره شيء ، ولو سجد قبل السلام فيما فيه السجود بعد السلام لم يكن عليه شيء .

قال أبو بكر الأثرم : سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن السجود للسهو قبل السلام أو بعده فقال : في مواضع قبل السلام ، وفي مواضع بعد السلام كما صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ سلم من اثنتين سجد بعد السلام على حديث ذي اليدين ، وإذ سلم من ثلاث سجد بعد السلام على حديث عمران بن حصين ، وفي التحري بعد السلام على حديث منصور حديث عبد الله ، وفي القيام من اثنتين يسجد قبل السلام على حديث ابن بحينة ، وفي الشك يبنى على اليقين ، ويسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد وعبد الرحمن بن عوف قلت له : فما كان سواها من السهو ؟ قال : يسجد فيه كله قبل السلام ; لأنه يتم ما نقص من صلاته ، قال : ولولا ما روي عن النبي - صلى الله عليه [ ص: 34 ] وسلم - لرأيت السجود كله في السهو قبل السلام ; لأنه من شأن الصلاة فيقضيه قبل أن يسلم ، ولكني أقول : كل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سجد فيه بعد السلام فإنه يسجد فيه بعد السلام ، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام .

وقال داود : لا يسجد لسهو إلا في الخمسة المواضع التي سجد فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

أخبرنا أبو محمد قاسم بن محمد قال : حدثنا خالد بن سعد قال : أخبرنا أحمد بن عمرو قال : حدثنا محمد بن سنجر قال : حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال : حدثنا محمد بن إسحاق عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس قال : جلست إلى عمر بن الخطاب فقال : يا ابن عباس هل سمعت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرجل إذا نسي صلاته فلم يدر أزاد أم نقص ما أمر به ؟ قال : قلت : أما سمعت أنت يا أمير المؤمنين من [ ص: 35 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه شيئا ، قال : لا والله ما سمعت منه فيه شيئا ، ولا سألته عنه . إذ دخل عبد الرحمن بن عوف فقال : فيم أنتما ؟ فأخبره عمر قال : سألت هذا الفتى عن كذا ، وكذا فلم أجد عنده علما فقال عبد الرحمن بن عوف : لكن عندي منه علم لقد سمعت ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عمر : فأنت العدل الرضي فماذا سمعت ؟ قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا شك أحدكم في الواحدة ، والاثنتين فليجعلها واحدة ، وإذا شك في الاثنتين ، والثلاث فليجعلها اثنتين ، وإذا شك في الثلاث ، والأربع فليجعلها ثلاثا حتى يكون الوهم في الزيادة ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، ثم يسلم .

واختلف الفقهاء أيضا فيمن شك في صلاته فلم يدر أواحدة صلى أم اثنتين أم ثلاثا أم أربعا ؟ .

فقال
مالك والشافعي : يبني على اليقين ، ولا يجزئه التحري ، وروي مثل ذلك عن الثوري ، وبه قال داود والطبري ، وحجتهم في ذلك حديث أبي سعيد الخدري المذكور في هذا [ ص: 36 ] الباب ، وحديث عبد الرحمن بن عوف هذا ، وحديث ابن عمر ، وما كان مثلها في البناء على اليقين .

وقال أبو حنيفة : إذا كان ذلك أول ما شك استقبل ، ولم يتحر ، وإن لفي ذلك غير مرة تحرى .

وقال الحسن بن حي والثوري في رواية عنه : يتحرى سواء كان ذلك أول مرة أو لم يكن .

وقال الأوزاعي : يتحرى ، قال : وإن نام في صلاته فلم يدر كم صلى ؟ استأنف .

وقال الليث بن سعد : إن كان هذا شيئا يلزمه ، ولا يزال يشك أجزأه سجدتا السهو عن التحري ، وعن البناء على اليقين ، وإن لم يكن شيئا يلزمه استؤنفت تلك الركعة بسجدتيها .

وقال أحمد بن حنبل : الشك على وجهين : اليقين ، والتحري فمن رجع إلى اليقين ألغى الشك ، وسجد سجدتي السهو قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري ، وإذا رجع إلى التحري ، وهو أكثر الوهم سجد سجدتي السهو بعد السلام على حديث ابن مسعود الذي يرويه منصور ، وبه قال أبو خيثمة زهير بن حرب قال وحديث عبد الرحمن بن عوف إنما فيه البناء على اليقين ، وبين البناء على اليقين والتحري فرق ; لأن التحري أن يتحرى أصوب ذاك ، وأكثره عنده ، والبناء على اليقين يلغي الشك ( كله ) ، ويبني على يقينه .

[ ص: 37 ] قال أبو عمر :

قد قال جماعة من أهل العلم ، منهم داود : معنى التحري : الرجوع إلى اليقين .

( قال أبو عمر ) :

وحجة من قال بالتحري في هذا الباب حديث ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من شك منكم في صلاته فليتحر الصواب ، وليبن على أكثر ظنه ، وهو حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ، ولم يسمع من أبيه فيما يقول أهل الحديث ، وقد يحتمل أن يكون التحري هو البناء على اليقين ، ومن حمله على ذاك صح له استعمال الخبرين ، وأي تحر يكون لمن انصرف ، وهو شاك لم يبن على يقينه ، وقد أحاط العلم أن شعبة من الشك تصحبه إذا لم يبن على يقينه ، وإن تحرى ; وحديث ابن مسعود عندي ليس مما يعارض به شيء من الآثار التي ذكرناها في هذا الباب .

وقد قال أحمد بن حنبل فيما حكى الأثرم عنه : حديث التحري ليس يرويه إلا منصور قلت له : ليس يرويه إلا منصور ؟ قال : [ ص: 38 ] لا كلهم يقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى خمسا ، قال : إلا أن شعبة روى عن الحكم عن أبي وائل عن عبد الله موقوفا نحوه ، قال : إذا شك أحدكم فليتحر .

وأما الليث بن سعد فأحسبه ذهب إلى ظاهر حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الشيطان يأتي أحدكم فيلبس عليه الحديث ، وسيأتي ذكره ، والقول فيه في باب ابن شهاب من كتابنا هذا إن شاء الله .

وليس في شيء من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم نعرفه بين أول مرة ، وغيرها ، فلا معنى لقول أبي حنيفة في ذلك .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا : أخبرنا قاسم بن أصبغ قال : ( أخبرنا إسماعيل بن إسحاق ) ، قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس قال : حدثني أخي ، عن [ ص: 39 ] سليمان بن بلال عن عمر بن محمد عن سالم عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا صلى أحدكم فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا ؟ فليركع ركعة يحسن ركوعها ، وسجودها ، ثم يسجد سجدتين .

قال أبو عمر :

لا يصح رفع هذا الحديث ، - والله أعلم - لأن مالكا رواه عن عمر بن محمد عن سالم عن أبيه فوقفه على ابن عمر جعله من قوله ، وخالف أيضا لفظه ، والمعنى واحد ، ولكنه لم يرفعه إلا من لا يوثق به وإسماعيل بن أبي أويس ، وأخوه ، وأبوه ضعاف لا يحتج بهم ، وإنما ذكرناه ليعرف ، وقد تقدم من الحجة للبناء على اليقين ما فيه كفاية ، وبالله - تعالى - التوفيق .

[ ص: 40 ] أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الحميد بن أحمد حدثنا الخضر بن داود حدثنا أبو بكر بن الأثرم قال : سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن تفسير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا إغرار في صلاة ، ولا تسليم فقال : أما أنا فأرى أن لا يخرج منها إلا على يقين لا يخرج منها على غرر حتى يستيقن أنه قد أتمها .

( وسيأتي في كيفية التسليم ، وفي وجوبه في باب ابن شهاب عن أبي بكر بن سليمان بن حثمة من كتابنا هذا ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية