التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1723 [ ص: 151 ] حديث ثالث لابن شهاب عن أنس

مالك عن ابن شهاب عن أنس ( بن مالك ) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتي بلبن قد شيب بماء ، وعن يمينه أعرابي ، وعن يساره أبو بكر فشرب ، ثم أعطى الأعرابي ، وقال : الأيمن فالأيمن .


حدثنا خلف بن قاسم حدثنا العباس بن مطروح حدثنا ( محمد بن جعفر الوكيعي وحدثنا خلف حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن محمد الحلبي حدثنا محمد بن عبد الله بن سعيد ) وحدثنا خلف حدثنا عباس بن محمد بن سليمان بن يحيى الضبي البغدادي حدثنا محمد بن جعفر بن زريق قالوا : حدثنا هشام بن عمار حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتي بلبن قد شيب بماء ، وعن يمينه أعرابي ، وعن يساره أبو بكر فشرب ، ثم أعطى الأعرابي ، وقال : الأيمن فالأيمن .

لم يختلف الرواة عن مالك [ ص: 152 ] في إسناد هذا الحديث ، ولا في ألفاظه فيما علمت ، وقد رواه ابن عيينة عن ابن شهاب فأحسن سياقته ، وذكر فيه ألفاظا لم يذكرها مالك .

أخبرنا محمد بن عبد الملك قال : حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي قال : حدثنا سعدان بن نصر والحسن بن محمد قالا : حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري سمع أنس بن مالك يقول : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، وأنا ابن عشر سنين ، ومات وأنا ابن عشرين سنة فكن أمهاتي يحثثنني على خدمته , فدخل علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - دارنا فحلبنا له من شاة لنا داجن فشيب له من ماء بير في الدار وأبو بكر عن شماله وأعرابي عن يمينه فشرب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمر ناحية فقال عمر : أعط أبا بكر . فناول الأعرابي ، وقال : الأيمن فالأيمن .

وقد روى هذا الحديث محمد بن الوليد البسري عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن الزهري عن أنس مثل رواية ابن عيينة عن الزهري سواء , وزاد فيه ( وقال ) : الأيمن فالأيمن ، فمضت سنة .

[ ص: 153 ] قال الدارقطني : ولم يرو ( أحد ) هذا الحديث ، عن مالك بهذه الألفاظ إلا البسري ، عن ابن مهدي عنه ، وإن كان أحفظ فقد أغرب بألفاظ عدة ليست في الموطإ ، منها ( قوله ) قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( المدينة ) وأنا ابن عشر سنين ، ومات وأنا ابن عشرين سنة وكن أمهاتي يحثثنني على خدمته , فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - دارنا فحلبنا له من شاة لنا داجن . فكل هذه الألفاظ ليست في الموطإ , وقوله أيضا : وعمر ناحية , فقال عمر : أعط أبا بكر . ليست في الموطإ , وقوله : فمضت سنة . ليس في الموطإ ، ولا في حديث ابن عيينة أيضا ، وسائر الألفاظ كلها محفوظة عن ابن عيينة عن الزهري عن أنس وقد بلغني عن بعض من تكلف الكلام في هذا الشأن أنه قال : الأعرابي في هذا الحديث هو خالد بن الوليد وهذا منه إغفال شديد وإقدام على القول بالظن الذي هو أكذب الحديث ، أو تقليد لمن سلك في ذلك سبيله ، ووهم بين وغلط واضح من وجهين : أحدهما أن الأعرابي كان عن يمينه - صلى الله عليه وسلم - في حديث أنس هذا وخالد بن الوليد كان في قصة ابن عباس عن يساره عليه السلام وابن عباس عن يمينه ، والآخر أنه اشتبه ( عليه ) [ ص: 154 ] حديث سهل بن سعد في الأشياخ مع الغلام مع حديث أنس في أبي بكر والأعرابي ، وإنما دخلت عليه الشبهة في ذلك - والله أعلم - لأن في حديث سهل وعن يمينه غلام ، وعن يساره الأشياخ ، والأشياخ ( أحدهم خالد بن الوليد وقصة ابن عباس وخالد غير قصة أبي بكر والأعرابي ، وحديث أنس غير حديث سهل بن سعد فقف على ذلك ، ولا تلتفت إلى سواه ، وسنذكر حديث سهل في باب أبي حازم إن شاء الله ) ( وقد روي مفسرا : عن يمينه ابن عباس وعن يساره خالد بن الوليد وسيأتي ذكر ذلك الحديث في باب أبي حازم - إن شاء الله تعالى - والله المستعان ) .

في هذا الحديث من رواية مالك من الفقه إباحة شرب اللبن ، وأن ذلك ليس من الإسراف ، لأنه مستحيل أن يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أكله أو شربه سرفا ، وفيه دليل على أن من قدم إليه شيء يأكله ، أو يشربه حلالا ، فليس عليه أن يسأل : من أين هو ؟ وما أصله ؟ إذا علم طيب مكسب صاحبه في الأغلب من أمره , ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسأل الذي أتاه باللبن : من أين لك هذا ؟ وفيه إجازة خلط اللبن بالماء لمن أراد شربه ، ولم يرد به البيع ، لأن قوله : " قد شيب بماء " أي ( قد ) خلط بماء ( ومعنى ) الشوب الخلط , وجمعه أشواب ، وإنما قلنا إذا [ ص: 155 ] لم يرد به البيع ، لأن خلط الماء باللبن غش ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من غشنا فليس منا ، وقد بلغني أن عمر بن الخطاب أهراق لبنا قد شيب بماء على مريد بيعه والغش به ، وفيه مجالسة أهل البادية وتقريبهم إذا كان لذلك وجه ، وفيه أن المجلس عن يمين الرجل وعن يساره سواء ، إذ لو كان الفضل عن يمين الرجل لما آثر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعرابيا على أبي بكر ويحتمل أن يكون ذلك ( أيضا ) دليلا على أن من سبق ( من ) مجلس العلم إلى مكان كان أولى به من غيره كائنا من كان , ودليلا على أنه لا يقام أحد من مجلسه لأحد ، وإن كان أفضل منه ، وفيه من أدب المواكلة والمجالسة أن الرجل إذا أكل ، أو شرب ناول فضله الذي على يمينه كائنا من كان ، وإن كان مفضولا وكان الذي على يساره فاضلا ، وفي القياس على هذا النص في هذا الحديث أن لو كان كافرا كان الأدب والسنة أن يؤثر من على اليمين أبدا على من كان على اليسار بفضل الشراب ، والله أعلم .

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب التيامن في أمره كله كذلك ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 156 ] وفيه مواساة الجلساء فيما يأتي صاحب المجلس من الهدايا ، وقد روي مرفوعا : جلساؤكم شركاؤكم في الهدية .

وهذا إن صح فعلى الندب إلى التحاب وبر الجليس وإكرام الصديق ، وهذا كله من محاسن الأخلاق ، وقد حكى بعض الناس عن مالك في هذا الحديث شيئا خلاف ما يوجبه ظاهره ، ولا يصح ، وبالله ( العصمة ) والتوفيق .

وروى مندل بن علي عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أتته هدية ، وعنده قوم فهم شركاؤه فيها .

التالي السابق


الخدمات العلمية