التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1681 [ ص: 321 ] حديث ثالث لابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب متصل

( مالك ) عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب .


هكذا هو في الموطأ عند جماعة رواته ( فيما علمت ) ورواه شيخ يسمى حاتم بن منصور ، عن مطرف عن مالك ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، فأخطأ فيه على مالك ، وإنما رواية مالك فيه عن ابن شهاب ، عن سعيد بن ( المسيب ) عن أبي هريرة ، وكذلك رواه أبو أويس ، وعبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وخالفهم يونس ، وعقيل ، ومعمر [ ص: 322 ] وشعيب بن أبي حمزة ، والزبيدي فرووه عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، وحدثنا محمد بن خليفة ، قال : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن الحسين الكرخي ، قال : حدثنا إسحاق بن موسى ، قال : حدثنا معن بن عيسى ، قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب .

وفي هذا الحديث من الفقه فضل الحلم ، وفيه دليل على أن الحلم كتمان الغيظ ، وأن العاقل من ملك نفسه عند الغضب ، لأن العقل في اللغة ضبط الشيء وحبسه . منه قيل عقال الناقة . ومعناه في الشريعة ملك النفس وصرفها عن شهواتها المردية لها وحبسها عما حرم الله عليها ، والله أعلم .

وقد جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للذي يملك نفسه ويغلبها من القوة ما ليس للذي يغلب غيره . [ ص: 323 ] وفي هذا دليل على أن مجاهدة النفس أصعب مراما ، وأفضل من مجاهدة العدو ، والله أعلم .

وأما قوله ( الصرعة ) فإنه يعني الكثير القوة الذي يصرع كل من صارعه ومثله من قول العرب هذا رجل نومة يعني كثير النوم وحفظة يعني كثير الحفظ ، وقال ابن حبيب : الصرعة تثقيل الكلمة بالحركات معناه الذي يصرع الناس ، قال : والصرعة بالتخفيف ( الرجل الضعيف النحيف ) الذي يصرعه الناس حتى لا يكاد يثبت وكذلك الضحكة بالتثقيل الذي يضحك بالناس ، والضحكة بالتخفيف الذي يضحك منه الناس ( وبالله التوفيق ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية