التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
530 [ ص: 324 ] حديث رابع لابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب متصل

مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى ، فصف بهم وكبر أربع تكبيرات .


هكذا ( هو ) في جميع الموطآت بهذا الإسناد ، وقد أخبرنا محمد ، حدثنا علي بن عمر ، حدثنا أبو بكر الشافعي محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن شداد المسمعي ، حدثنا خالد بن مخلد القطواني ، وابن قعنب ، قالا : حدثنا مالك ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب [ ص: 325 ] وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، قال : نعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النجاشي إلى الناس في اليوم الذي مات فيه ، وصف الناس في المصلى وكبر عليه أربع تكبيرات . تفرد به محمد بن شداد بهذا الإسناد ، وروي هذا الحديث أيضا ، عن عبد الله بن نافع ، عن مالك ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وليس في الموطأ إلا عن سعيد وحده ( وهو محفوظ في حديث الزهري ، عن سعيد ، وأبي سلمة جميعا ، عن أبي هريرة رواه عقيل وصالح بن كيسان ) وقد روى مكي بن إبراهيم وحباب بن جبلة في هذا الحديث إسنادا آخر ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر على النجاشي أربعا ، وليس هذا الإسناد في الموطأ لهذا الحديث ، ولا أعلم أحدا حدث به هكذا عن مالك غيرهما ، والله أعلم .

حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا أبو الحسن علي بن الحسن بن علان ، حدثنا ابن يعلى أحمد بن علي بن المثنى ، قال : سمعت سهل بن زنجلة الرازي يسأل ابن أبي سمينة عن حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على النجاشي [ ص: 326 ] قال : هذا منكر ، وقال له ابن أبي سمينة : من رواه عن نافع ؟ فقال ابن زنجلة : مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على النجاشي فقال ابن أبي سمينة : عمن حملته عن مالك ؟ قال : حدثناه مكي بن إبراهيم ، قال : أنبأنا مالك فسكت ابن أبي سمينة .

قال أبو عمر :

لا أعلم أحدا روى هذا الحديث ، عن مكي بن إبراهيم وحباب بن جبلة ، وإنما الصحيح فيه عن مالك ما في الموطأ .

النجاشي ملك الحبشة ، قال ابن إسحاق : النجاشي اسم الملك كما يقال : كسرى وقيصر ، قال : واسمه أصحمة ، وهو بالعربية عطية ، وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة كبير ، وذلك أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بموته في اليوم الذي مات فيه على بعد ما بين الحجاز وأرض الحبشة ونعاه للناس في ذلك اليوم ، وكان نعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة ، كذلك قال أهل السير الواقدي ، وغيره . وفيه إباحة الإشعار بالجنازة ، والإعلام بها ، والاجتماع لها ، وهذا أقوى من [ ص: 327 ] حديث حذيفة أنه كان إذا مات له ميت قال : لا تؤذنوا به أحدا ، فإني أخاف أن يكون نعيا ، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن النعي ، وإلى هذا ذهب جماعة من السلف قد تقدم ذكر بعضهم في حديث ( مالك ، عن ) ابن شهاب ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، وروي عن ابن عمر أنه كان إذا مات له ميت تحين غفلة الناس ، ثم خرج بجنازته ، وقد روي عنه خلاف هذا في جنازة رافع بن خديج لما نعي له ، قال : وكيف تريدون أن تصنعوا ( به ) ؟ قالوا : نحبسه حتى نرسل إلى قباء ، وإلى قريات حول المدينة ليشهدوا جنازته ، قال : نعم ما رأيتم ، وجاء عن أبي هريرة أنه ( كان ) يمر بالمجالس فيقول : إن أخاكم قد قبض ، فاشهدوا جنازته .

والأصل في هذا الباب قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن شهاب ، عن أبي أمامة هلا آذنتموني بها وقوله في هذا الحديث نعى النجاشي للناس ، والنظر يشهد لهذا ، لأن ( شهود ) الجنائز أجر ، وخير ، ومن دعا إلى ذلك فقد دعا إلى خير وأعان عليه ، وفيه أن من السنة أن تخرج الجنازة إلى المصلى ليصلى عليها هناك ، وفي ذلك دليل على [ ص: 328 ] أن صلاته على سهيل بن بيضاء في المسجد إباحة ليس بواجب وسيأتي القول في ذلك في باب أبي النضر ، إن شاء الله .

وفيه الصلاة على الميت الغائب ، وأكثر أهل العلم يقولون ( إن ) هذا خصوص للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أجاز بعضهم الصلاة على الغائب إذا بلغه الخبر بقرب موته ، ودلائل الخصوص في هذه المسألة واضحة لا يجوز أن يشرك النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها غيره ، لأنه - والله أعلم - أحضر روح النجاشي بين يديه حيث شاهدها وصلى عليها ، أو رفعت له جنازته كما كشف له عن بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته . وقد روي أن جبريل عليه السلام أتاه بروح جعفر ، أو جنازته ، وقال : قم ، فصل عليه [ ص: 329 ] ومثل هذا كله يدل على أنه مخصوص به لا يشاركه فيه غيره وعلى هذا أكثر العلماء في الصلاة على الغائب ، وفيه الصف في الصلاة على الجنائز ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب . رواه حماد بن زيد ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد بن عبد الله اليزني ، عن مالك بن هبيرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره . قال : وكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف ، الحديث .

وفي هذا الحديث أيضا دليل على الاستكثار من الناس في شهود الجنائز ، وذلك لا يكون إلا بالإشعار ، والإعلام ، والله أعلم .

وفيه أن النجاشي ملك الحبشة أسلم ، ومات مسلما ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يصلي إلا على مسلم ، وذكر سنيد ، عن حجاج ، عن ابن جريج ، قال : لما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي طعن في ذلك المنافقون فنزلت ( هذه الآية ) [ ص: 330 ] وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله . . . إلى آخرها ، قال ابن جريج : وقال آخرون : نزلت في عبد الله بن سلام ، ومن معه ، وقال معمر عن قتادة في قوله وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ( الآية ) إلى قوله ( سريع الحساب ) قال : هذه الآية نزلت في النجاشي ، وأصحابه ممن آمن بالنبي ، صلى الله عليه وسلم .

حدثني خلف بن قاسم ، قال : حدثنا ابن الورد ( عبد الله بن جعفر ) قال : حدثنا عبدوس بن دورويه الدمشقي ، قال : حدثنا المسيب بن واضح ، قال : حدثنا معتمر بن سليمان ، عن حميد ، عن أنس ، قال لما جاءت وفاة النجاشي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه صلوا عليه فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقمنا معه ، فصلى عليه فقالوا : صلى على علج مات فنزلت : وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم الآية ، وحدثنا خلف بن قاسم ، قال : حدثنا الحسين بن جعفر الزيات قال : حدثنا [ ص: 331 ] ( يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا ) ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عن جابر ، قال لما مات النجاشي ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : قد مات اليوم عبد صالح فقوموا فصلوا على أصحمة فكنت ( في الصف ) الأول ، أو الثاني ، وفي صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي وأمره أصحابه بالصلاة عليه ، وهو غائب ، أوضح الدلائل على تأكيد الصلاة على الجنائز ، وعلى أنه لا يجوز أن يترك جنازة مسلم دون صلاة ، ولا يحل لمن حضره أن يدفنه دون أن يصلي عليه ، وعلى هذا جمهور علماء المسلمين ( من السلف ، والخالفين ) إلا أنهم اختلفوا في تسمية وجوب ذلك فقال الأكثر : هي فرض على الكفاية ، وقال بعضهم : سنة واجبة على الكفاية يسقط وجوبها بمن حضرها عمن لم يحضرها ، وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين من أهل الكبائر كانوا ، أو صالحين ، وراثة عن نبيهم ( صلى الله عليه وسلم ) [ ص: 332 ] قولا ، وعملا . واتفق الفقهاء على ذلك إلا في الشهداء ، وأهل البدع ، والبغاة ، فإنهم اختلفوا في الصلاة على هؤلاء حسبما يأتي في مواضعه من هذا الكتاب ، إن شاء الله .

حدثنا محمد بن عبد الله ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا إسحاق بن أبي حسان ، قال : حدثنا هشام بن عمار ، قال : حدثنا عبد الحميد بن أبي العشرين ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني أبو قلابة ، قال : حدثني أبو المهاجر ، قال : حدثني عمران بن حصين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصففنا خلفه ، فكبر ( عليه ) أربعا ، وما نحسب الجنازة إلا بين يديه ، وفيه التكبير على الجنائز ( أربع ، وهذا أصح ما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التكبير على الجنازة ) وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كبر على قبر أربعا ، وأنه كبر على جنازة أربعا .

حدثنا خلف بن القاسم الحافظ ، قال : حدثنا أحمد بن صالح المقرئ ، قال : حدثنا [ ص: 333 ] أبو بكر بن أبي داود السجستاني ، قال : حدثنا العباس بن الوليد بن صبح الخلال ، قال : حدثنا يحيى بن صالح ، قال : حدثنا سلمة بن كلثوم ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : أخبرني يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على جنازة فكبر عليها أربعا ، ثم أتى القبر من ( قبل ) رأسه فحثا فيه ثلاثا ، قال أبو بكر بن أبي داود : ليس يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث صحيح أنه كبر على جنازة أربعا إلا هذا ، ولم يروه إلا سلمة بن كلثوم ، وهو ثقة من كبار أصحاب الأوزاعي ، قال : وإنما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجه ثابت أنه كبر على قبر أربعا ، وأنه كبر على النجاشي أربعا ، وأما على جنازة ( أربعا ) هكذا فلا إلا حديث سلمة بن كلثوم هذا .

قال أبو عمر :

أما صحيح فلا كما قال ابن أبي داود ، وقد جاءت أحاديث ضعاف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر على جنازة أربعا ، منها حديث رواه المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي الفقيه المدني المفتي بها ، وكان ثقة ، عن خالد بن [ ص: 334 ] إلياس ، وهو ضعيف عند جميعهم ، عن إسماعيل بن عمرو بن سعد بن العاص ، وكان ثقة ، عن عثمان بن عبد الله بن الحكم عن عثمان بن عفان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على عثمان بن مظعون أربعا ) .

قال أبو عمر :

اختلف السلف في عدد التكبير على الجنازة ، ثم اتفقوا على أربع تكبيرات ، وما خالف ذلك شذوذ يشبه البدعة والحدث .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا موسى بن معاوية ، عن وكيع ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، قال : جمع عمر الناس ، فاستشارهم في التكبير على الجنازة وجمعهم على أربع تكبيرات . قال : وحدثنا وكيع ، عن مسعر ، عن عبد الملك الشيباني ، عن إبراهيم ، قال : اجتمع أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في بيت ( أبي ) مسعود ، فأجمعوا على أن التكبير أربع .

[ ص: 335 ] وحدثنا عبد الوارث ، حدثنا قاسم ، حدثنا ابن وضاح ، حدثنا عبد الملك بن حبيب المصيصي ، حدثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن مغيرة ، عن إبراهيم عن عبد الله ، قال : أجمعوا على أربع ، قال المغيرة : بلغني أن عمر جمعهم وسألهم عن أحدث جنازة كبر عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشهدوا أنه صلى على أحدث جنازة وكبر عليها أربعا .

حدثنا سعيد بن نصر ، حدثنا ابن أبي دليم ، حدثنا ابن وضاح ، حدثنا يوسف بن عدي ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، قال : سئل عبد الله عن التكبير على الجنازة فقال : كل ذلك قد صنع فرأيت الناس قد اجتمعوا على أربع .

قال أبو عمر :

يكبر خمسا ، احتج بحديث زيد بن أرقم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر على جنازة خمسا ، وهو حديث يرويه عمرو بن مرة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن زيد بن أرقم رواه عن عمرو بن مرة جماعة ، منهم شعبة ، وقد قال يحيى القطان ، عن شعبة كان عمرو بن مرة يعرف وينكر ، وقد جاء عن زيد بن أرقم ما يعارض [ ص: 336 ] حديث عمرو بن مرة هذا ، أخبرنا قاسم بن محمد ، قال : حدثنا خالد بن سعد ، قال : حدثنا أحمد بن عمرو ، قال : حدثنا محمد بن سنجر ، قال : حدثنا سعيد بن سليمان ، قال : حدثنا شريك ، عن عثمان بن أبي زرعة المؤذن ، قال : توفي أبو سريحة الغفاري ، فصلى عليه زيد بن أرقم فكبر أربعا فهذا يدل على أن ذلك ليس مما يحتج به عن زيد بن أرقم ، لأنه لو لم يكن عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غيره ما خالفه وعلى أن حديث عمرو بن مرة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى إنما فيه أن زيد بن أرقم كان يكبر على جنائزهم أربعا ، وأنه ( مرة ) كبر خمسا فقيل له : ما هذا ؟ فقال : فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففي هذا ما يدل على أن تكبيره على الجنائز كان أربعا ، وأنه إنما كبر خمسا مرة واحدة ، ولا يوجد هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من هذا الوجه ، والله أعلم .

وليس مما يحتج به على ما ذكرنا من إجماع الصحابة واتفاقهم على الأربع دون ما سواها ، والتكبير على الجنائز أربع هو قول عامة الفقهاء إلا ابن أبي ليلى وحده ، فإنه قال : خمسا ، ولا أعلم له في ذلك سلفا إلا زيد بن أرقم ، وقد اختلف عنه في ذلك وحذيفة ، وأبو ذر ، وفي الإسناد عنهما من لا يحتج به ، وقد ذكر أبو بكر الأثرم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كبر أربعا ، [ ص: 337 ] من حديث سهل بن حنيف على قبر ، ومن حديث جابر ، ومن حديث ابن عباس ، قال ابن عباس : آخر جنازة صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر عليها أربعا ، وعن أبي بكر الصديق أنه كبر أربعا ، وعن عمر أنه كبر على أبي بكر أربعا ، وعن علي أنه كبر على ابن المكفف أربعا ( وعن أبي هريرة ، والبراء بن عازب وحذيفة ، وابن مسعود ، وأبي مسعود أنهم كبروا أربعا ) وعن علي أيضا أنه كبر أربعا ، وعن زيد بن ثابت أنه كبر على أمه أربعا ، وذكر حديث إبراهيم النخعي ، قال : اجتمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت أبي مسعود ، واجتمع رأيهم على أن التكبير على الجنائز أربع ، قال الأثرم : وحدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، قال : [ ص: 338 ] كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا ، ثم كبر على جنازة خمسا فسألته فقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبرها ، أو قال : كبرها ، قال : وحدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا عبد الواحد ، قال : حدثنا الشيباني ، قال : حدثنا عامر ، عن علقمة ، قال : قيل لعبد الله إن أصحاب معاذ يكبرون على الجنائز خمسا فلو وقت لنا فقال عبد الله : إذا تقدم إمامكم ( فكبر ) فكبروا ما كبر ، فإنه لا وقت ولا عدة .

ومن حديث محمد بن إسماعيل الصائغ ، قال : حدثنا محمود بن غيلان ، قال : حدثنا وكيع ، قال : لم يرو شعبة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي معبد ، عن ابن عباس إلا حديثين أحدهما أن ابن عباس ، قال : يكبر ( على ) الجنائز ثلاثا ، والآخر أن ابن عباس ، قال ليس على أهل الكتاب حد ، قال وكيع ، حدثناه شعبة ، وذكر الفزاري ، عن حميد ، عن أنس [ ص: 339 ] أنه صلى على جنازة فكبر ثلاثا ، ثم سلم - فقيل له : إنما كبرت ثلاثا ، فاستقبل القبلة فكبر الرابعة ، ثم سلم .

( حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن علي أبو العباس سنان ، حدثنا أبو محمد الهيثم بن خلف الدوري ، حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا وكيع ، حدثنا شعبة ، عن عمرو ، عن أبي معبد ، عن ابن عباس أنه كبر على الجنازة ثلاثا ) وقال مالك وأصحابه ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والشافعي ، ومن اتبعه ، والثوري ، والأوزاعي ، والحسن بن حي والليث بن سعد ، وأحمد بن حنبل وداود ، والطبري ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة ، وابن سيرين ، والحسن ، وسائر أهل الحديث : التكبير أربع ، قال إبراهيم النخعي : قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس مختلفون ، فمنهم من يقول : كبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعا ، ومنهم من يقول : خمسا ، وآخر يقول : سبعا فلما كان عمر جمع الصحابة فقال لهم : انظروا أمرا تجتمعون عليه ، فأجمع أمرهم على أربع تكبيرات . وقال سعيد بن المسيب : كل ذلك قد كان خمس وأربع ، فأمر عمر الناس بأربع .

[ ص: 340 ] فإن احتج محتج بابن مسعود قيل له قد روي عنه أنه ليس في التكبير شيء معلوم ، وروي عنه أنه كبر أربعا ، وهو أولى ، وإن احتج محتج بعلي - رضي الله عنه ، قيل له إنما كبر أكثر من أربع على قوم دون آخرين ، وذلك أنه ( كان ) يكبر على أهل بدر ستا ، أو سبعا ، وعلى سائر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسا ، وعلى سائر الناس أربعا ، وقد روىأبو معاوية ، عن الأعمش ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن معقل قال : كبر علي في سلطانه أربعا أربعا على الجنازة إلا على سهل بن حنيف ، فإنه كبر عليه خمسا ( ثم التفت ) فقال : إنه بدري ، والأحاديث عن علي في هذا مضطربة ، وما جمع عمر عليه الناس أصح وأثبت مع صحة السنن فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كبر أربعا ، وهو العمل المستفيض بالمدينة ، ومثل هذا يحتج فيه بالعمل لأنه قل يوم ، أو جمعة إلا وفيه جنازة ، وعليه الجمهور ، وهم الحجة ، وبالله التوفيق .

[ ص: 341 ] واختلفوا إذا كبر الإمام خمسا فروي عن مالك ، والثوري أنهما قالا : قف حيث وقفت السنة ، قال ابن القاسم وابن وهب ، عن مالك لا يكبر معه الخامسة ، ولكنه لا يسلم إلا بسلامه ، وعن الحسن بن حي ، وعبيد الله بن الحسن نحو ذلك ، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : إذا كبر الإمام خمسا قطع المأموم بعد الأربع بسلام ، ولم ينتظروا تسليمه ، وقال زفر : التكبير على الجنائز أربع فإن كبر الإمام خمسا كبر معه ، وهو قول الثوري في رواية ، وقد روي عن الثوري أنه لا يكبر ، ولكنه يسلم ( كما ) قال أبو حنيفة : ( سواء ) .

وروي عن أبي يوسف أنه رجع إلى قول زفر ، وقال الشافعي : لا يكبر إلا أربعا ، فإن كبر الإمام خمسا ، فالمأموم بالخيار إن شاء سلم وقطع ، وإن شاء انتظر تسليم الإمام فسلم بسلامه ، ولا يكبر خامسة ألبتة ، وقال الأثرم : قلت لأحمد بن حنبل ، فإن كبر الإمام خمسا أكبر معه ؟ قال : نعم ، قال ابن مسعود كبر ما كبر إمامك . قيل لأبي عبد الله أفلا ننصرف إذا كبر الخامسة فقال : سبحان الله النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر خمسا . رواه زيد بن أرقم [ ص: 342 ] ثم قال : ما أعجب الكوفيين ! سفيان رحمنا الله وإياه يقول : ينصرف إذا كبر الخامسة ، وابن مسعود ( يقول ) : ما كبر إمامكم فكبروا ، وقال أبو عبد الله الذي نختاره يكبر أربعا ، فإن كبر ( الإمام ) خمسا كبرنا معه لما رواه زيد بن أرقم ، ولقول ابن مسعود قيل له ، فإن كبر ستا ، أو سبعا ، أو ، ثمانيا ، قال : أما هذا فلا ، وأما خمس فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجمع هؤلاء الفقهاء على أن من فاته بعض التكبير ، فإنه يكبر مع الإمام ما أدرك منه ويقضي ما فاته . وهو قول ابن شهاب .

واختلفوا إذا وجد الإمام قد سبقه ببعض التكبير فروى أشهب ، عن مالك أنه يكبر ( أولا ) ولا ينتظر الإمام ، وهو قول الشافعي ، والأوزاعي ، وأبي يوسف ، وقال أبو حنيفة ومحمد ينتظر الإمام حتى يكبر ، فإذا كبر كبر معه ، وإذا سلم قضى ما عليه ، ورواه ابن القاسم ، عن مالك وحجة من قال هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - ما أدركتم ، فصلوا ، وما فاتكم فاقضوا فلو كبر قبل أن يكبر إمامه في الجنازة ( ثم ) قضى ما فاته على عموم هذا الحديث صارت خمسا . وحجة رواية أشهب ومن قال [ ص: 343 ] بها أن التكبير الأول بمنزلة الإحرام فينبغي أن يفعله على كل حال ، ثم يقضي ما فاته بعد سلام إمامه ، وقال أحمد كل ذلك سهل لا بأس به . روى وكيع ، عن سفيان ، عن مغيرة ، عن الحارث العكلي ، قال : إذا جئت وقد كبر الإمام على الجنازة فقم ، ولا تكبر حتى يكبر .

واختلفوا إذا رفعت الجنازة فقال مالك والثوري يقضي ما فاته ( من التكبير ) نسقا متتابعا ، ولا يدع فيما بين ذلك بشيء ، رفع النعش أو لم يرفع ، وقال أبو حنيفة والشافعي يقضي ما بقي عليه ( من التكبير ما لم يرفع ، ويدعو ما بين التكبير ، وقال الليث : كان الزهري يقول : يقضي ما فاته ) وكان ربيعة يقول لا يقضي ، وقال الليث يقضي ، وقال الأوزاعي : لا يقضي ، وقال أحمد ( بن حنبل ) إن قضى قبل أن يرفع فحسن ، وإلا فلا شيء عليه ، وقد استدل بعض شيوخنا على أن الجنازة لا يصلى عليها في المسجد بهذا الحديث لخروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه إلى المصلى للصلاة على النجاشي .

[ ص: 344 ] قال أبو عمر :

استدل بهذا ، وهو ممن يقول بأن عمل أهل المدينة أقوى من الخبر المنفرد ، وهو يروى من حديث مالك ، وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد ، وعلى أخيه سهل أيضا كذلك ، وأن أبا بكر صلي عليه في المسجد ، وأن عمر صلي عليه في المسجد وهذه نصوص سنة وعمل ، وليس للدليل المحتمل للتأويل مدخل مع النصوص ، وقد قال قائل هذه المقالة إن أبا بكر ، وعمر إنما صلي عليهما في المسجد من أجل أنهما دفنا في المسجد فيلزمه أن يجيز الصلاة في المسجد على من يدفن فيه ، وإذا جاز أن يصلى على الجنازة في المسجد ، ثم يدفن فيه لم يكن المنع من الدفن في المسجد بمانع من الصلاة ، لأن الدفن ( فيه ) ليس بعلة للصلاة ( فيه ) فافهم ، والأصل في الأشياء [ ص: 345 ] الإباحة حتى يصح المنع بوجه لا معارض له , ودليل غير محتمل للتأويل ، وستأتي هذه المسألة في موضعها من كتابنا هذا ، إن شاء الله .

التالي السابق


الخدمات العلمية