التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
554 [ ص: 346 ] حديث خامس لابن شهاب ، عن سعيد متصل

مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يموت لأحد من المسلمين ( ثلاثة من الولد ) فتمسه النار إلا تحلة القسم .


هكذا روى هذا الحديث مالك ، وغيره عن ابن شهاب ، وفيه أن المسلم تكفر خطاياه وتغفر له ذنوبه بالصبر على مصيبته ولذلك زحزح عن النار ، فلم تمسه ، لأن من لم تغفر له ذنوبه لم يزحزح عن النار - والله أعلم - أجارنا الله منها .

وإنما قلت ذلك بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : لا يزال المؤمن يصاب في ولده وحامته حتى يلقى الله [ ص: 347 ] وليست عليه خطيئة ، وإنما قلت : إن ذلك بالصبر ، والاحتساب ، والرضى لقوله - صلى الله عليه وسلم - : من صبر على مصيبته واحتسب كان جزاؤه الجنة ، وقد روى ابن سيرين ، وغيره هذا الحديث ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا فيه : من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حجابا من النار ، وفي بعض ألفاظ ( حديث ) أبي هريرة هذا ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من المسلمين من يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته ( إياهم ) ، يجاء بهم يوم القيامة فيقال لهم ادخلوا الجنة فيقولون حتى يدخل آباؤنا فيقال لهم ادخلوا أنتم وآباؤكم بفضل رحمتي .

وقد روى أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله : حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا سعيد بن عثمان ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا البخاري ، قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله [ ص: 348 ] عليه وسلم : ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد ( لم يبلغوا ) الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم . ففي قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأحاديث لم يبلغوا الحنث ومعناه عند أهل العلم لم يبلغوا الحلم ، ولم يبلغوا أن يلزمهم حنث دليل على ( أن ) أطفال المسلمين في الجنة لا محالة - والله أعلم - لأن الرحمة إذا نزلت بآبائهم من أجلهم استحال أن يرحموا من أجل من ليس بمرحوم ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - بفضل رحمته إياهم فقد صار الأب مرحوما بفضل رحمتهم ، وهذا على عمومه ، لأن لفظه - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأحاديث لفظ عموم ، وقد أجمع العلماء على ما قلنا من أن أطفال المسلمين في الجنة ، فأغنى ذلك عن كثير من الاستدلال ، ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافا إلا فرقة شذت من المجبرة فجعلتهم في المشيئة ، وهو قول شاذ ( مهجور ) مردود بإجماع الجماعة ، وهم الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم ، ولا يجوز على مثلهم [ ص: 349 ] الغلط في مثل هذا إلى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أخبار الآحاد الثقات العدول ، فمنها ما ذكرنا ، ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - : إني مكاثر بكم الأمم حتى بالسقط يظل محبنطئا يقال له : ادخل الجنة فيقول : لا حتى يدخلها أبواي فيقال له ادخل أنت وأبواك ، وعن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : صغاركم دعاميص الجنة ، وقد روى شعبة ، عن معاوية بن قرة بن إياس المزني ، عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا من الأنصار مات له ابن صغير فوجد عليه فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما يسرك أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا وجدته يستفتح لك فقالوا : يا رسول الله ، أله خاصة أم للمسلمين عامة ، قال : بل للمسلمين عامة ، وهذا حديث ثابت صحيح بمعنى ما ذكرناه وقد ذكرنا آثار هذا الباب ، وما قالته الفرق في ذلك واعتقدته في باب أبي الزناد ، والحمد لله .

وفي هذه الآثار مع إجماع الجمهور دليل على أن قوله صلى [ ص: 350 ] الله عليه وسلم : الشقي من شقي في بطن أمه ، وإن الملك ينزل فيكتب أجله ورزقه ، ويكتب شقيا أو سعيدا في بطن أمه ، مخصوص مجمل ، وإن من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب فهو ممن سعد في بطن أمه بدليل ما ذكرنا من الأحاديث ، والإجماع .

وفي ذلك أيضا دليل واضح على سقوط حديث طلحة بن يحيى ، عن عمته عائشة بنت طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين ، قالت أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصبي من صبيان الأنصار ليصلي عليه فقلت : طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا قط ، ولم يدركه ذنب فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أو غير ذلك يا عائشة إن الله - عز وجل - خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها خلقا ، وهم في أصلاب آبائهم الله أعلم بما كانوا عاملين ، وهذا حديث ساقط ضعيف مردود بما ذكرنا من الآثار [ ص: 351 ] والإجماع وطلحة بن يحيى ضعيف لا يحتج به ، وهذا الحديث مما انفرد به ، فلا يعرج عليه ( ومعنى قوله : الله أعلم بما كانوا عاملين إخبار بأن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ، وما لا يكون لو كان كيف يكون ، والمجازاة إنما تكون على الأعمال ) وحديث شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه حديث ثابت صحيح ، وعليه الناس ، وهو يعارض حديث طلحة بن يحيى ويدفعه .

حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى ، قال : حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ببغداد ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد صحبة ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، قال : أنبأنا شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه أن رجلا جاء بابنه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتحبه ؟ فقال : أحبك الله كما أحبه يا رسول الله ، فتوفي الصبي ففقده النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أين فلان ؟ فقالوا : يا رسول الله ، توفي ابنه فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما ترضى أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا جاء حتى يفتحه لك ؟ فقالوا : يا رسول الله ، أله وحده أم لكلنا ؟ فقال : لا بل لكلكم ، وقد روينا ، عن علي بن أبي طالب ، ولا مخالف له في ذلك من الصحابة أنه قال : [ ص: 352 ] في قول الله - عز وجل - : كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين ، قال : هم أطفال المسلمين .

حدثناه خلف بن أحمد ، قال : حدثنا أحمد بن سعيد ، وأحمد بن مطرف ( قالا ) : حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي ، قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي ، قال : حدثنا المؤمل بن إسماعيل عن سفيان ، عن الأعمش ، عن عثمان بن موهب ، عن زاذان ، عن علي في قوله كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين ، قال : أصحاب اليمين أطفال المسلمين ، ورواه وكيع ، عن سفيان ، بإسناده مثله بمعناه .

وقد اختلف العلماء في أطفال المشركين ، وفي أطفال المسلمين أيضا على ما ذكرناه ومهدناه في باب أبي الزناد من هذا الكتاب ، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديثنا المذكور في هذا الباب إلا تحلة القسم فهو يخرج في التفسير المسند ، لأن القسم المذكور في هذا الحديث معناه عند أهل العلم قول الله - عز وجل - : وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا قسما واجبا ، وكذلك قال السدي : ورواه عن مرة ، عن [ ص: 353 ] عبد الله بن مسعود أنه قال : ذلك من ظاهر قوله ( فتمسه النار ) يدل على أن الورود الدخول - والله أعلم - لأن المسيس حقيقته في اللغة المباشرة ، وقد يحتمل على الاتساع أن يكون القرب .

وقد اختلف العلماء في الورود فقال منهم قائلون : الورود الدخول وممن قال ذلك ابن عباس ، وعبد الله بن رواحة ، وقد اختلف في ذلك عن ابن عباس ، ولم يختلف عن ابن رواحة ، وروى ابن المبارك ، وغيره عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم أن عبد الله بن رواحة بكى فقالت له امرأته ما يبكيك فقال : قد علمت أني داخل النار ، ولا أدري أناج ( أنا ) منها أم لا .

قال أبو عمر :

قال الله - عز وجل - : وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا . [ ص: 354 ] وهذا يحتمل - والله أعلم - أنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين وينجون منها سالمين ، وذكر ابن جرير ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : إن الورود الذي ذكر الله - عز وجل - في القرآن الدخول ، ليردنها كل بر وفاجر ، ثم قال ابن عباس : في القرآن أربعة أوراد قوله فأوردهم النار وقوله حصب جهنم أنتم لها واردون وقوله ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا وقوله وإن منكم إلا واردها ، قال ابن عباس : والله لقد كان من دعاء من مضى ، اللهم أخرجني من ( النار سالما وأدخلني ) الجنة غانما ، وروى مجاهد ، عن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس ، عن قول الله - عز وجل - : وإن منكم إلا واردها فقال ابن عباس : واردها داخلها فقال : نافع يرد القوم ، ولا يدخلون ، فاستوى ابن عباس جالسا ، وكان متكئا فقال له : أما أنا وأنت فسنردها ، فانظر هل ننجو منها أم لا ؟ أما تقرأ قول الله وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار [ ص: 355 ] أفتراه ويلك ، أوقفهم على شفيرها ، والله تعالى يقول : ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ، وقد روى الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، وابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن أم مبشر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يدخل ( النار ) أحد شهد بدرا وبايع تحت الشجرة فقالت له حفصة ألم تسمع الله يقول : وإن منكم إلا واردها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما تسمعين الله يقول : ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ، وقال خالد بن معدان : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قالوا : ألم تقل ( إنا نرد النار ) فيقال : ( قد وردتموها ، فألفيتموها رمادا ) .

وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ببغداد ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا غالب بن سليمان أبو صالح ، عن كثير بن زياد البرساني ، عن أبي سمية أنه سأل جابر بن عبد الله عن الورود فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : الورود الدخول [ ص: 356 ] لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها ، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ، وروى الكلبي عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله تعالى وإن منكم إلا واردها ، قال : الممر على الصراط . وممن قال أيضا إن الورود الممر على الصراط عبد الله بن مسعود وكعب الأحبار ، والسدي ، ورواه السدي ، عن مرة ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وروي عن كعب أنه أصحهما وإن منكم إلا واردها فقال : أتدرون ما ورودها ، قالوا : الله أعلم ، قال : ذلك أن يجاء بجهنم فتمسك للناس كأنها متن إهالة يعني الودك الذي يجمد على القدر من المرقة حتى إذا استقرت عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم نادى مناد أن خذي أصحابك ( وذري أصحابي فيخسف بكل ولي لها فهي أعلم بهم من الوالدة بولدها وينجو المؤمنون ندية ثيابهم ) وروي هذين الحديثين ، عن أبي [ ص: 357 ] نضرة وزاد ، وهو معنى قوله تعالى ‎ فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ، وروى وكيع ، عن شعبة ، عن عبد الله بن السائب ، عن رجل عن ابن عباس أنه قال في قول الله - عز وجل - : وإن منكم إلا واردها ، قال : هو للكفار ، وروي عنه أنه كان يقرأ وإن منهم إلا واردها ( ردا ) على الآيات التي قبلها في الكفار قوله فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا و أيهم أشد على الرحمن عتيا ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا وإن منهم إلا واردها ، وقال ابن الدفع محتجا لمصحف عثمان وقراءة العامة : جائز في اللغة يرجع من مخاطبة الغائب إلى لفظ المواجهة بالخطاب كما قال تعالى وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ، فأبدل الكاف من الهاء . [ ص: 358 ] قال أبو عمر :

( وترجع العرب من مواجهة الخطاب إلى لفظ الغائب ، قال الله تعالى ) حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ، وهذا ( كثير ) في القرآن وأشعار العرب ، وأحسن ما قيل في ذلك قول الشاعر :


إذا لم يكن للقوم جد ولم يكن لهم رجل عند الإمام مكين     فكونوا كأيد وهن الله بطشها
ترى أشملا ليست لهن يمين



وقد جاء عن مجاهد ( أنه قال ) : في تأويل قول الله - عز وجل - : وإن منكم إلا واردها ، قال : الحمى من فيح جهنم وهي حظ المومن من النار .

حدثنا سعيد بن نصر ( حدثنا ) ابن أبي دليم ، حدثنا ابن وضاح ، حدثنا محمد بن سليمان الدفع ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد أنه قال : الحمى حظ المومن من النار ، ثم قرأ وإن منكم إلا واردها ، قال : الحمى في الدنيا الورود ، فلا يردها في الآخرة [ ص: 359 ] قال أبو عمر :

ومن حجة من قال بهذا القول ، ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ، قال : حدثنا أبو أسامة ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن إسماعيل بن عبيد الله الأشعري ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاد مريضا ، ومعه أبو هريرة من وعك كان به فقال ( له ) النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أبشر ، فإن الله - تبارك وتعالى - يقول : هي ناري أسلطها على عبدي ( المومن ) لتكون حظه من النار ( في الآخرة ) .

( وحدثنا خلف بن أحمد ، قال : حدثنا أحمد بن مطرف ، حدثنا سعيد بن عثمان ، حدثنا علي بن معبد بن نوح ، حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف عن الحصين ، عن أبي صالح الأشعري ، عن أبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الحمى كير من جهنم فما أصاب المومن منها كان حظه من النار ) .

[ ص: 360 ] أبو الحصين هذا : مروان بن رؤية الثعلبي ، وأبو صالح الأشعري مولى عثمان ، قاله ابن معين ، وغيره .

( وحدثنا خلف ، قال : حدثنا أحمد ، قال : حدثنا سعيد ، حدثنا علي بن معبد ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا عصمة بن سالم الهنابي ، وكان صدوقا عاقلا ، قال : حدثنا الأشعث بن جابر الحراني ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي ريحانة الأنصاري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( الحمى كير من جهنم وهي نصيب المومن من النار ) وقال قوم : الورود للمومنين أن يروا النار ، ثم ينجى منها الفائز ويصلاها من قدر عليه دخولها ، ثم يخرج منها بشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أو بغيرها من رحمة الله .

واحتج بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مخاطبة أصحابه ، ومن جرى مجراهم من المومنين إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة ، فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار ، فمن أهل النار يقال ( له ) : هذا مقعدك حتى يبعثك [ ص: 361 ] الله إليه يوم القيامة . هذا حديث ابن عمر ، وقد روى أبو هريرة ، وغيره أن المومن يعرض عليه مقعده من النار فيقال له انظر ما نجاك الله منه ، ثم يفتح ( له ) إلى الجنة فيقال : انظر ما تصير إليه . هذا معنى الحديث فهذه الأقاويل كلها ( قد ) جاءت في معنى الورود في قوله - عز وجل - وإن منكم إلا واردها ، وقد يحتمل أن يكون قوله - صلى الله عليه وسلم - ( إلا تحلة القسم ) استثناء منقطعا بمعنى لكن تحلة القسم ، وهذا معروف في اللغة ، وإذا كان ذلك كذلك فقوله : لن تمسه النار إلا تحلة القسم أي لا تمسه النار أصلا كلاما تاما ، ثم ابتدأ إلا تحلة القسم أي لكن تحلة القسم لا بد منها في قول الله - عز وجل - : وإن منكم إلا واردها وهي الجواز على الصراط ، أو الرؤية ، والدخول دخول بالإجماع فلا يكون في شيء من ذلك مسيس يؤذي ، وقال بعض أهل العلم في قول الله " إلا ما ذكيتم " ، [ ص: 362 ] معناه لكن ما ذكيتم من غير ما ذكر في هذه الآية ذكاة تامة ، وقد ذكرنا ذلك فيما سلف من كتابنا ( هذا ) وذكرنا هناك تعارف ذلك في لسان العرب ، وذلك في باب زيد بن أسلم ، ومما يدل على ( أن ) الاستثناء ( هاهنا ) منقطع عائد إلى النار ( لا تمس من مات له ثلاثة من الولد ، فاحتسبهم ) حديثه الآخر - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله : ( لا يموت لأحدكم ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار ، فقالت امرأة : يا رسول الله ، أو اثنان ، قال : أو اثنان . والجنة الوقاية والستر ، ومن وقي النار وستر عنها فلن تمسه أصلا ، ولو مسته ما كان موقى ، وإذا وقيها وستر عنها فقد زحزح وبوعد بينه وبينها ، وهذا إنما يكون لمن صبر واحتسب ورضي وسلم - والله أعلم - .

وبهذا الحديث يفسر الأول ، لأن فيه ذكر الحسبة قوله : ( فيحتسبهم ) ولذلك جعله مالك بأثره مفسرا له ، والوجه عندي في هذا الحديث وما أشبهه من الآثار إنها لمن حافظ على أداء فرائضه ، واجتنب الكبائر ، والدليل على ذلك أن الخطاب في ذلك العصر لم يتوجه إلا إلى قوم الأغلب من أعمالهم ما ذكرنا ، وهم الصحابة رضوان الله عليهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية