التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1765 [ ص: 216 ] حديث خامس لابن شهاب عن حميد

مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج ، وهو على المنبر ، وتناول قصة من شعر كانت في يد حرسي يقول : يا أهل المدينة أين علماؤكم ؟ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن مثل هذه ويقول : إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم


في هذا الحديث ، من الفقه صعود الإمام على المنبر للخطبة ، وتناوله في الخطبة الشيء يراه إذا كان في تناوله ذلك شيء من أمر الدين ليعلمه من جهله ، وفيه الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة ، وتعليم ما جهلوه من أمر دينهم في الخطبة ، وفيه إباحة الحديث عن بني إسرائيل في الخطبة ، وغيرها ، وفيه دليل على الاعتبار والتنظير والحكم ، بالقياس ألا تراه خاف على هذه الأمة الهلاك إن ظهر فيهم مثل ذلك العمل الذي كان ظاهرا في بني إسرائيل حين أهلكوا ففي هذا دليل واضح على أن الله عز وجل إذا أهلك قوما بعمل ؛ وجب على كل مؤمن اجتناب ذلك العمل دليل ذلك قول الله عز وجل فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا ياأولي الأبصار [ ص: 217 ] يعني والله أعلم : أن من فعل فعلهم استحق أن يناله ما نالهم أو يعفو الله كذلك . قال أهل العلم : وهو الصحيح ويحتمل قوله - صلى الله عليه وسلم - إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم أنه من الأمر الذي لم يفش في بني إسرائيل ، ولم يشتهر في نسائهم إلا في حين ارتكابهم الكبائر ، وإعلانهم المناكر فكأنها علامة لا تكاد تظهر إلا في أهل الفسوق والمعاصي ، والله أعلم لا أنها فعلة يستحق من فعلها الهلاك عليها دون أن يجامعها غيرها ، وقد يحتمل أن يكون بنو إسرائيل نهوا عن ذلك في كتابهم نهيا محرما ففعلوا ذلك مع علمهم تحريم ذلك استخفافا ، والذي منع من ذلك بني إسرائيل قد جاء عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - مثله من كراهية اتخاذ النساء الشعور المستعارة ، ووصلهن بذلك شعورهن ، وفيه ورود الحديث بلعن الواصلة والمستوصلة ، والواصلة هي الفاعلة لذلك ، والمستوصلة الطالبة أن يفعل ذلك بها حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى قال : حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة قال : حدثنا البغوي قال : [ ص: 218 ] حدثنا علي بن الجعد قال : حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال : سمعت الحسن بن مسلم بن يناق يحدث عن صفية ابنة شيبة عن عائشة قالت : تزوجت امرأة من الأنصار فمرضت ، وتمرط شعرها فأرادوا أن يصلوا فيه ؛ فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فلعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الواصلة والمستوصلة ، وروى عبد الرزاق ، وغيره عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال : قال عبد الله لعن الله الواشمات والمستوشمات ، والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله قال : فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها : أم يعقوب فقالت : يا أبا عبد الرحمن : بلغني أنك لعنت كيت وكيت فقال : ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن هو في كتاب الله قالت إني لأقرأ ما بين اللوحين فما أجده قال : إن كنت قرأته لقد وجدته أما قرأت وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا قالت : بلى قال : فإنه قد نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : إني لأظن أهلك يفعلون بعض ذلك قال : فاذهبي فانظري قال : فدخلت فلم تر شيئا قال : فقال عبد الله : لو كانت [ ص: 219 ] كذلك لم تجامعنا ، وقال ابن سيرين لرجل سأله فقال : إن أمي كانت تمشط النساء أترى لي أن آكل من مالها وأرثه عنها فقال : إن كانت لا تصل فلا بأس هذا من ورع ابن سيرين رحمه الله ، وفي هذا الحديث دليل على أن شعر بني آدم طاهر ألا ترى إلى تناول معاوية وهو في الخطبة قصة الشعر ، وعلى هذا أكثر العلماء ، وقد كان الشافعي رحمه الله يقول : إن شعر بني آدم نجس لقوله - صلى الله عليه وسلم - ما قطع من [ ص: 220 ] حي فهو ميت ثم رجع عن ذلك لهذا الحديث وأشباهه ، ولإجماعهم على الصوف من الحي أنه طاهر ، وأما الصوف من الميتة فمختلف فيه ، وأما الكلام في الخطبة بالمواعظ والسنن وما أشبه ذلك ؛ فمباح لا خلاف بين العلماء في ذلك ، واختلفوا في سائر الكلام في الخطبة للمأموم والإمام نحو تشميت العاطس ، ورد السلام ، وللكلام في ذلك موضع من هذا ، وبالله توفيقنا واحتج بهذا الحديث أيضا من زعم أن عمل أهل المدينة لا حجة فيه ، وقال : ألا ترى أن معاوية رضي الله عنه يقول : أين علماؤكم ؟ يريد أين علماؤكم عن تغيير مثل هذا ، والحفظ له والعمل به ونشره يريد [ ص: 221 ] أن المدينة قد يظهر فيها ، ويعمل بين ظهراني أهلها بما ليس سنة ، وإنما هو بدعة ، واحتج قائل هذا القول برواية مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه ، وكان من كبار التابعين أنه قال : ما أعرف شيئا مما أدركت الناس عليه إلا النداء بالصلاة ، وقد حكى إسماعيل بن أبي أويس عن مالك : أنه سئل عما يصنع أهل المدينة ، ومكة من إخراج إمائهم عراة متزرات ، وأبدانهن ظاهرة ، وصدورهن وعما يصنع تجارهم من عرض جواريهم للبيع على تلك الحال فكرهه كراهية شديدة ، ونهى عنه وقال : ليس ذلك من أمر من مضى من أهل الفقه والخير ، ولا أمر من يفتي من أهل الفقه والخير ، وإنما هو من عمل من لا ورع له من الناس ، وقال أنس بن عياض : سمعت هشام بن عروة يقول : لما اتخذ عروة قصره بالعقيق عوتب في ذلك ، وقيل له جفوت عن مسجد رسول [ ص: 222 ] الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني رأيت مساجدكم لاهية وأسواقكم لاغية والفاحشة في فجاجكم عالية فكان فيما هنالك عما أنتم فيه عافية ثم قال : ومن بقي إنما بقي شامت بنكبة أو حاسد على نعمة قالوا : فهذا عروة يخبر عن المدينة بما ذكرنا فكيف يحتج بشيء من عمل أهلها لا دليل عليه .

قال أبو عمر :

والذي أقول به أن مالكا رحمه الله إنما يحتج في موطئه وغيره بعمل أهل المدينة يريد بذلك عمل العلماء والخيار والفضلاء لا عمل العامة السوداء ، وقد ذكرنا هذا الخبر ، ومثله في موضعه من كتابنا كتاب العلم بإسناده فأغنى عن إعادته هاهنا حديث مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ليس عند يحيى عن مالك ، وقد ذكرنا طرق هذا الحديث في باب ابن شهاب عن أبي سلمة .

التالي السابق


الخدمات العلمية