التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1495 مالك ، عن ابن شهاب ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، قال : جاءني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني عام حجة الوداع ، وبي وجع قد اشتد بي ، فقلت : يا رسول الله ، قد بلغ مني الوجع ما ترى ، وأنا ذو مال ، ولا ترثني إلا ابنة لي ، أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : " لا " [ ص: 375 ] قلت : فالشطر ؟ قال : " لا " قلت : الثلث ؟ قال : " الثلث ، والثلث كثير ، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت فيها حتى ما تجعل في في امرأتك " قال : قلت : يا رسول الله ، أخلف بعد أصحابي ؟ قال : " إنك لن تخلف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به رفعة ودرجة ، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ، ويضر بك آخرون ، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة " يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة .


هذا حديث قد اتفق أهل العلم على صحة إسناده ، وجعله جمهور الفقهاء أصلا في مقدار الوصية ، وإنه لا يتجاوز بها الثلث ، إلا أن في بعض ألفاظه اختلافا عند نقلته .

فمن ذلك أن ابن عيينة قال فيه : عن ابن شهاب ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه : مرضت عام الفتح . انفرد بذلك عن ابن شهاب فيما علمت .

وقد روينا هذا الحديث من طريق معمر ، ويونس بن يزيد ، وعبد العزيز بن أبي سلمة ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وابن [ ص: 376 ] أبي عتيق ، وإبراهيم بن سعد ، فكلهم قال فيه : عن ابن شهاب ، عام حجة الوداع ، كما قال مالك .

حدثنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا أحمد بن مطرف ، قال : حدثنا سعيد بن عثمان ، قال : حدثنا يونس بن عبد الأعلى وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل ، وأحمد بن زهير قالا : حدثنا الحميدي قالا جميعا : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا الزهري ، قال : أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، قال : مرضت بمكة عام الفتح مرضا أشفيت منه ، فأتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني ، فقلت : يا رسول الله ، إن لي مالا كثيرا ، وليس لي من يرثني إلا ابنتي ، أفأتصدق بمالي كله ؟ قال : " لا " قال : قلت : أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : " لا " قلت : فالشطر ؟ قال : " لا " قلت : فالثلث ؟ قال : " الثلث ، والثلث كثير . . . " وذكر الحديث ، قال : يعقوب بن شيبة ، سمعت علي بن المديني ، وذكر هذا الحديث ، فقال : قال معمر ، ويونس ، ومالك : حجة الوداع ، وقال ابن عيينة : عام الفتح ، قال : والذين قالوا حجة الوداع أصوب .

قال أبو عمر : لم أجد ذكر عام الفتح إلا في رواية ابن عيينة لهذا الحديث ، وفي حديث عمرو القاري رجل من الصحابة في هذا الحديث ، رواه عفان بن [ ص: 377 ] مسلم ، عن وهيب بن خالد ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن عمرو القاري ، عن أبيه ، عن جده عمرو القاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة عام الفتح فخلف سعدا مريضا حين خرج إلى حنين ، فلما قدم من الجعرانة معتمرا ، دخل عليه وهو وجع مغلوب ، فقال سعد : يا رسول الله ، إن لي مالا ، وإني أورث كلالة ، أفأوصي بمالي كله ، أو أتصدق بمالي كله ؟ قال : " لا " . . . وذكر الحديث .

هكذا في حديث عمرو القاري " أفأوصي " على الشك أيضا ، وأما حديث ابن شهاب فلم يختلف عنه أصحابه لا ابن عيينة ولا غيره أنه قال فيه : أفأتصدق بمالي كله ، أو بثلثي مالي ، ولم يقل : أفأوصي ، فإن صحت هذه اللفظة قوله : أفأتصدق ، كان في ذلك حجة قاطعة لما ذهب إليه جمهور أهل العلم في هبات المريض وصدقاته ، وعتقه أن ذلك من ثلثه لا من جميع ماله ، وهو قول مالك ، والليث ، والأوزاعي ، والثوري ، والشافعي ، وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد ، وعامة أهل الحديث ، والرأي .

وحجتهم حديث عمران بن حصين في الذي أعتق ستة [ ص: 378 ] أعبد له في مرضه لا مال له غيرهم ، ثم توفي ، فأعتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم اثنين ، وأرق أربعة .

وقالت فرقة من أهل النظر ( وأهل الظاهر ) منهم داود في هبة المريض : أنها من جميع ماله ، والحجة عليهم شذوذهم عن السلف ومخالفة الجمهور ، وما ذكرنا في هذا الباب من حديث سعد ، ، وعمران بن حصين .

وقد قال بعض أهل العلم : إن عامر بن سعد هو الذي قال في حديث سعد : أفأتصدق بثلثي مالي أو بمالي ؟ وأما مصعب بن سعد فإنما قال : أفأوصي ؟ ولم يقل : أفأتصدق ؟ .

والذي أقوله أن ابن شهاب هو الذي قال : عن عامر بن سعد في هذا الحديث أفأتصدق ؟ لأن غير ابن شهاب رواه عن عامر فقال فيه : أفأوصي ؟ كما قال مصعب بن سعد وهو الصحيح إن شاء الله .

روى شعبة ، والثوري ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عامر بن سعد ، عن سعد بن أبي وقاص ، قال : جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يعودني ، وأنا بمكة ، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها ، قال : " يرحم الله سعد بن عفراء " قلت : يا رسول الله ، أفأوصي بمالي كله ؟ قال : " لا " قلت : فالشطر ؟ قال : " لا " قلت : فالثلث ؟ قال : " الثلث ، والثلث كثير . . . " وذكر تمام الحديث .

حدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن [ ص: 379 ] وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا حسين بن علي ، عن زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن مصعب بن سعد ، عن أبيه ، قال : عادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت له : أوصي بمالي كله ؟ قال : " لا " قلت : فالنصف ؟ قال : " لا " قلت : فالثلث ؟ قال : " نعم ، والثلث كثير . . . " فهذه الآثار في الوصية بالثلث .

وأجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه إذا ترك ورثة من بنين ، أو عصبة .

واختلفوا إذا لم يترك بنين ، ولا عصبة ، ولا وارثا بنسب ، أو نكاح ، فقال ابن مسعود : إذا كان كذلك ، جاز له أن يوصي بماله كله . ( وعن أبي موسى الأشعري مثله ) ، وقال بقولهما قوم منهم مسروق ، وعبيدة السلماني ) ، وبه قال إسحاق بن راهويه ، ، واختلف في ذلك قول أحمد [ ص: 380 ] وذهب إليه جماعة من المتأخرين ممن يقول بقول زيد بن ثابت في هذه المسألة .

ومن حجتهم أن الاقتصار على الثلث ( في الوصية ) إنما كان من أجل أن يدع ورثته أغنياء ، وهذا لا ورثة له ، فليس ممن عني بالحديث ، والله أعلم .

( ذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين أن أبا موسى أجاز وصية امرأة بمالها كله ، لم يكن لها وارث .

وعن الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، قال : قال لي ابن مسعود : إنكم من أحرى حي بالكوفة أن يموت ولا يدع عصبة ولا رحما ، فما إذا كان ذلك أن يضع ماله في الفقراء والمساكين ؟ .

وعن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة ، قال : إذا مات الرجل ، وليس عليه عقد لأحد ، ولا عصبة يرثونه ، فإنه يوصي بماله كله حيث شاء .

وعن ابن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن مسروق مثله ) .

وقال زيد بن ثابت : لا يجوز ( لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه كان له بنون ، أو ورث كلالة ، أو ورثه جماعة المسلمين ) ، لأن بيت مالهم عصبة من لا عصبة له ، .

وبهذا القول قال جمهور أهل العلم ، وإليه ذهب جماعة فقهاء الأمصار إلا ما ذكرنا عن طوائف من المتأخرين من أصحابهم .

وفي هذا الحديث تخصيص للقرآن ; لأنه أطلق الوصية [ ص: 381 ] ولم يقيدها بمقدار لا يتعدى ، وكان مراده عز وجل من كلامه ما بينه عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال الله عز وجل : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم يعني لتبين لهم مراد ربهم فيما احتمله التأويل من كتابهم الذي نزل عليهم ، وسيأتي القول في حكم الوصية لغير الوالدين والأقربين في باب نافع ، وباب يحيى بن سعيد إن شاء الله .

وأجمع فقهاء الأمصار أن الوصية بأكثر من الثلث إذا أجازها الورثة جازت ، وإن لم يجزها الورثة لم يجز منها إلا الثلث .

وقال أهل الظاهر : إن الوصية بأكثر من الثلث لا تجوز ، أجازها الورثة أو لم يجيزوها ، وهو قول عبد الرحمن بن كيسان ، .

وإلى هذا ذهب المزني لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسعد حين قال له : أوصي بشطر مالي ؟ قال : " لا " ، ولم يقل له إن أجازه ورثتك جاز .

وكذلك قالوا إن الوصية للوارث لا تجوز أجازها الورثة أو لم يجيزوها ; لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا وصية لوارث .

وسائر الفقهاء يجيزون ذلك إذا أجازها الورثة ، ويجعلونها هبة مستأنفة ( من قبل الورثة ) في الوجهين جميعا منهم : مالك ، والليث ، والأوزاعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي وأصحابهم ، وفي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 382 ] الثلث كثير دليل على أنه الغاية التي إليها تنتهي الوصية ، وإن ذلك كثير في الوصية ، وأن التقصير عنه أفضل ، ألا ترى إلى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعقب قوله : " الثلث كثير " ولأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس فاستحب له الإبقاء لورثته .

وكره جماعة من أهل العلم الوصية بجميع الثلث ، ذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : إذا كان ورثته قليلا ، وماله كثيرا فلا بأس أن يبلغ الثلث في وصيته .

واستحب طائفة منهم الوصية بالربع ، روي ذلك عن ابن عباس ، وغيره .

وقال إسحاق بن راهويه : السنة في الوصية الربع ; لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الثلث كثير " إلا أن يكون رجل يعرف في ماله شبهات ، فيجوز له الثلث لا يجوز غيره .

قال أبو عمر :

لا أعلم لإسحاق حجة في قوله : السنة في الوصية الربع ، وهذا الذي نزع به ليس بحجة في تسمية ذلك سنة .

وقد روي عن أبي بكر الصديق أنه كان يفضل الوصية بالخمس ، وبذلك أوصى ، وقال : رضيت لنفسي ما رضى الله لنفسه ( كأنه ) يعني : خمس الغنائم ، واستحب جماعة ، واحتجوا بحديث ضعيف [ ص: 383 ] عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " جعل الله لكم في الوصية ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم " .

وهو حديث انفرد به طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، وطلحة ضعيف ، روى عنه هذا الخبر وكيع ( وابن وهب ) ، وغيره .

ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الوصية بأكثر من الثلث لا تجوز على حسب ما قدمنا ذكره .

( وقد روى معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : الثلث وسط لا غبن فيه ولا شطط ، وهذا لا ندري ما هو ; لأن الغاية ليست بوسط إلا أن يكون أراد حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك وسط أي عدل ، والوسط العدل ) .

وروى هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : لو أن الناس غضوا من الثلث ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " الثلث ، والثلث كثير " فليتهم نقصوا إلى الربع .

وقال قتادة : الثلث كثير ، والقضاة يجيزونه ، والربع قصد ، وأوصى أبو بكر بالخمس .

( وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، قال : الثلث جهد ، وهو جائز .

وعن معمر ، عن قتادة ، قال : أوصى عمر - رضي الله عنه - بالربع ، وأوصى أبو بكر بالخمس ، وهو أحب إلي .

[ ص: 384 ] وعن الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، ، قال : كان الخمس أحب إليهم من الربع ، والربع أحب إليهم من الثلث .

قال الثوري : وأخبرني من سمع الحسن ، وأبا قلابة يقولان أوصى أبو بكر بالخمس ) أخبرنا محمد بن خليفة ، ، قال : حدثنا محمد بن الحسين ، ، قال : حدثنا ابن أبي داود ، ، قال : حدثنا زياد بن أيوب ، ، قال : حدثنا معاذ بن أيوب ، ، قال : حدثنا إسماعيل بن علية ، ، قال : حدثنا إسحاق بن سويد ، عن العلاء بن زياد ، ، قال : أوصاني أبي أن أسأل العلماء : أي الوصية أعدل ؟ فما تتابعوا عليه فهي وصيته ، فسألت ، فتتابعوا على الخمس .

قال : وأخبرنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا أحمد بن سنان ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، ، قال : كانوا يقولون : صاحب الربع أفضل من صاحب الثلث ، وصاحب الخمس أفضل من صاحب الربع ، يعني في الوصية .

وأجمعوا أن الوصية ليست بواجبة إلا على من كانت عليه حقوق بغير بينة أو ، كانت عنده أمانة بغير شهادة ، فإن كان ذلك فواجب عليه الوصية فرضا لا يحل له أن يبيت ليلتين إلا وقد أشهد بذلك ، وأما التطوع فليس على أحد أن يوصي به ، إلا فرقة شذت فأوجبت ذلك .

والآية بإيجاب الوصية للوالدين والأقربين منسوخة ، وسنبين ذلك في باب نافع ، عن ابن عمر من كتابنا ( هذا ) إن شاء الله .

ولم يوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو كانت الوصية واجبة ، كان أبدر الناس إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل ، قال : عليه [ ص: 385 ] - الصلاة والسلام - أفضل الصدقة أن تعطي وأنت صحيح شحيح ، تأمل وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت النفس الحلقوم قلت : هذا لفلان ، وهذا لفلان .

وذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن إبراهيم النخعي ، أنه ذكر له أن الزبير ، ، وطلحة كانا يشددان على الرجل في الوصية ، فقال : ما كان عليهما أن يفعلا ، توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما أوصى ، وأوصى أبو بكر فإن أوصى فحسن ، وإن لم يوص فلا بأس .

قال أبو عمر :

ليس قول النخعي هذا بشيء ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتخلف عنه ما يوصي فيه ; لأنه مخصوص بأن يكون كل ما يتركه صدقة .

قال : وحدثنا إسماعيل ، قال : سمعت عبد الله بن عون ، يقول إنما الوصية بمنزلة الصدقة ، فأحب إلي إذا كان الموصى له غنيا عنها أن يدعها .

[ ص: 386 ] وأما قول سعد في الحديث : " وأنا ذو مال " ففيه دليل على أنه لو لم يكن ذا مال ما أذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الوصية ، والله أعلم .

ألا ترى إلى قوله : لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس وقد منع علي بن أبي طالب أو ابن عمر مولى لهم من أن يوصي ، وكان له سبعمائة درهم ، وقال : إنما قال الله تبارك وتعالى إن ترك خيرا وليس لك كبير مال .

وروى ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : لا يجوز لمن كان ورثته كثيرا ، وماله قليلا أن يوصي بثلث ماله .

قال : وسئل ابن عباس عن ثمانمائة درهم ؟ فقال : قليل ، وسئلت عائشة عن رجل له أربعمائة درهم ، وله عدة من الولد ، فقالت : ما في هذا فضل عن ولده .

وفي هذا الحديث أيضا عيادة العالم ، والخليفة ، وسائر الجلة للمريض .

وفيه دليل على أن الأعمال لا تزكو عند الله إلا بالنيات لقوله : وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت فيها ، فدل على أنه لا يؤجر على شيء من الأعمال إلا ما ابتغى به وجهه تبارك وتعالى ، وفيه دليل على أن الإنفاق على البنين ، والزوجات من الأعمال الصالحات ، وإن ترك المال للورثة أفضل من الصدقة به إلا لمن كان واسع المال ، والأصول تعضد هذا التأويل ; لأن الإنفاق على من تلزمه نفقته فرض ، وأداء الفرائض أفضل من التطوع .

[ ص: 387 ] ولو استدل مستدل على وجوب نفقات الزوجات بهذا الحديث لكان مذهبا ؛ لقوله حتى ما تجعل في امرأتك .

وأما قول سعد : أخلف بعد أصحابي ؟ فمعناه عندي ، والله أعلم ، أخلف بمكة بعد أصحابي المهاجرين المنصرفين إلى المدينة ، ويحتمل أن يكون لما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله ، وتنفق فعل مستقبل أيقن أنه لا يموت من مرضه ذلك ، أو ظن ذلك ، فاستفهمه هل يبقى بعد أصحابه ، فأجابه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضرب من قوله " لن تنفق ( نفقة ) تبتغي بها وجه الله " وهو قوله : إنك إن تخلف ، فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به رفعة ودرجة ، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ، ويضر بك آخرون " ، وهذا كله ليس بتصريح ، ولكنه قد كان كما قاله - صلى الله عليه وسلم - وصدق في ذلك ظنه ، وعاش سعد حتى انتفع به أقوام ، واستضر به آخرون .

وروى ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن بكير بن الأشج ، قال : سألت عامر بن سعد بن أبي وقاص عن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبيه عام حجة الوداع ، " ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون " ، فقال : أمر سعد على العراق ، فقتل قوما على ردة فأضر بهم ، واستتاب قوما سجعوا سجع مسيلمة ، فتابوا فانتفعوا .

[ ص: 388 ] قال أبو عمر : مما يشبه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( لسعد ) هذا الكلام قوله للرجل الشعث الرأس : " ماله ؟ ضرب الله عنقه " فقال : الرجل : في سبيل الله ( فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " في سبيل الله ) " فقتل الرجل في تلك الغزاة .

ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة مؤتة " أميركم زيد بن حارثة ، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب ، فإن قتل فعبد الله بن رواحة " فقال بعض أصحابه : نعى إليهم أنفسهم ، فقتلوا ثلاثتهم في تلك الغزاة ، ومثل ذلك أيضا قصة عامر بن سنان حين ارتجز برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سيره إلى خيبر ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " غفر لك ربك يا عامر ، فقال ( له ) عمر : يا رسول الله ، لو أمتعتنا به ، قال ، وذلك أنه ما استغفر لإنسان قط يخصه بذلك إلا استشهد ، فاستشهد ( عامر ) يوم خيبر .

وهذا كله ليس بتصريح من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القول ، ولا تبيين في المراد والمعنى ، ولكنه كان يخرج كله كما ترى .

وقد خلف سعد بن أبي وقاص بعد حجة الوداع نحو خمس وأربعين سنة ، وتوفي سنة خمس وخمسين ، وقد ذكرنا أخباره وسيره ، وطرفا من فضائله في كتابنا في الصحابة فأغنى عن ذكره ههنا .

وفيه دليل على أن المهاجر لا يجوز له المقام بالأرض التي هاجر منها أكثر مما وقت له ، وذلك ثلاثة أيام ، وذلك محفوظ في حديث العلاء [ ص: 389 ] بن الحضرمي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل للمهاجرين ثلاثة أيام بعد الصدر ، وهذه الهجرة هي التي كان يحرم بها على المهاجر الرجوع إلى الدار التي هاجر منها .

وقالت عائشة : إنما كانت الهجرة قبل فتح مكة والنبي - صلى الله عليه وسلم - ( بالمدينة ليفر الرجل بدينه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) .

وروى ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الفتح : " لا هجرة ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا " . رواه مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس .

وقد جاءت أحاديث ظاهرها في الهجرة على خلاف هذه ، منها : حديث عبد الله بن وقدان القرشي ، وكان مسترضعا في بني سعد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار " .

وروى ابن محيريز ، عن عبد الله بن السعدي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

ومنها حديث معاوية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها " .

قال أبو جعفر الطحاوي ، هذه الهجرة هجرة المعاصي غير الهجرتين الأوليين ، كما روى الزهري ، عن صالح بن بشير بن فديك ، ، قال : خرج فديك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا [ ص: 390 ] رسول الله ، إنهم يزعمون أنه من لم يهاجر هلك ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا فديك ، أقم الصلاة ، وآت الزكاة ، واهجر السوء ، واسكن من أرض قومك حيث شئت ، تكن مهاجرا " .

وقال الحكم بن عتيبة : أفضل الجهاد والهجرة كلمة عدل عند إمام جائر .

وقد قيل : إنه لم تكن هجرة مفترضة بالجملة على أحد إلا على أهل مكة فإن الله عز وجل افترض عليهم الهجرة إلى نبيهم حتى فتح عليه مكة فقال حينئذ : " لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية " .

فمضت الهجرة على أهل مكة من كان مهاجرا ، لم يجز له الرجوع إلى مكة واستيطانها ، وترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل افترض عليهم المقام معه ، فلما مات - صلى الله عليه وسلم - افترقوا في البلدان .

وقد كانوا يعدون من الكبائر أن يرجع أعرابيا بعد هجرته ، وهذا الحديث يدل على قوله : " لا هجرة بعد الفتح " أي لا هجرة مبتداة يهجر بها المرء وطنه هجرانا لا ينصرف إليه من أهل مكة قريش خاصة بعد الفتح ، وأما من كان مهاجرا منهم فلا يجوز له الرجوع إليها على حال من الأحوال ، ويدع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا بين مما ذكرنا إن شاء الله .

وقد بقي من الهجرة باب باق إلى يوم القيامة ، وهو المسلم في دار الحرب ، إذا أطاقت أسرته ، أو كان كافرا فأسلم لم يحل له المقام في دار الحرب ، وكان عليه الخروج عنها فرضا واجبا ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أنا بريء من كل مسلم مع مشرك " ، وكيف يجوز لمسلم [ ص: 391 ] المقام في دار تجري عليه فيها أحكام الكفر ، وتكون كلمته فيها سفلى ويده ، وهو مسلم هذا لا يجوز لأحد .

وفيه دليل على قطع الذرائع في المحرمات ; لأن سعدا وإن كان مريضا فربما حمل غيره حب الوطن على دعوة المرض ، فلذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ولكن البائس سعد بن خولة ، وقوله يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة من قول ابن شهاب .

( حدثنا عبد الوارث بن سفيان : حدثنا قاسم بن أصبغ : حدثنا محمد بن أبي العوام : حدثنا يونس بن هارون أخبرنا سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاده في مرضه بمكة فقال : يا رسول الله ، إني أدع مالا كثيرا ، وليس يرثني إلا ابنة لي أفأوصي بمالي كله ؟ قال : " لا " قال : فنصفه ؟ قال : " لا " قال : فبثلثه ؟ قال : " الثلث ، والثلث كثير ، سعد إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ، وإنك توجر في نفقتك كلها ، حتى فيما تجعل في امرأتك " قال : يا رسول الله ، إني أرهب أن أموت في الأرض التي هاجرت منها ، فادع الله لي . قال : " اللهم اشف سعدا ، اشف سعدا " قال : يا رسول الله ، [ ص: 392 ] أأخلف عن هجرتي ؟ قال : " إنك عسى أن تخلف ، ولعلك أن تعيش بعدي حتى يضر بك قوم ، وينتفع بك آخرون ، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة " .

وفي قول سعد في هذا الحديث أرهب أن أموت في الأرض التي هاجرت ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم أمض لأصحابي هجرتهم " دليل على أنه إنما يحزن على سعد بن خولة ; لأنه مات في الأرض التي هاجر منها ، لا أنه لم يهاجر كما ظن بعض من لا يعلم ذلك ; لأن سعد بن خولة ممن شهد بدرا عند جماعة أهل العلم ، والسير ، والخبر على أنه قد روي ذلك أيضا نصا ) .

وقد روى جرير بن حازم ، قال : حدثني عمي جرير بن يزيد ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه ، قال : مرضت بمكة فأتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني ، فقلت : يا رسول الله ، أموت بأرضي التي هاجرت منها ؟ ثم ذكر معنى حديث ابن شهاب هذا ، وفي آخره " لكن سعد بن خولة البائس قد مات في الأرض التي هاجر منها " .

حدثني محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا أحمد بن مطرف ، قال : حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي ، قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ، عن عبد الرحمن الأعرج ، قال : خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - على سعد رجلا فقال : " إن مات بمكة فلا تدفنه بها " .

[ ص: 393 ] ( قال سفيان : لأنه كان مهاجرا ) وروى سفيان بن عيينة ، عن محمد بن قيس ، عن أبي بردة ، عن سعد بن أبي وقاص ، قال : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - : أتكره للرجل أن يموت في الأرض التي هاجر منها ؟ قال : نعم ، .

وقال : فضيل بن مرزوق سألت إبراهيم عن الجوار بمكة فرخص فيه ، وقال : إنما كره لئلا يغلو السعر ، وكره لمن هاجر أن يقيم بها .

( حدثنا خلف بن القاسم : حدثنا أحمد بن المفسر : حدثنا أحمد بن علي : حدثنا يحيى بن معين ) : حدثنا وكيع ، عن عبد الله بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم مكة قال : اللهم لا تجعل منايانا بها ( حتى تخرجنا منها ) لأنه كان مهاجرا .

وأما سعد بن خولة فرجل من بني عامر بن لؤي ، وقد قيل : إنه حليف لهم ، وقد ذكرناه في كتابنا في الصحابة بما فيه كفاية .

حدثني خلف بن القاسم ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد ، قال : حدثنا الحسن بن علية ، وإسحاق بن إبراهيم بن جابر قالا : حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثني الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، قال : توفي سعد بن خولة في حجة الوداع .

التالي السابق


الخدمات العلمية