التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1161 حديث سادس لإسحاق ، عن أنس مسند

مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، أنه سمع أنس بن مالك يقول : إن خياطا دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطعام صنعه ، قال أنس : فذهبت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك الطعام ، فقرب إليه خبزا من شعير ومرقا فيه دباء ، قال أنس : فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتتبع الدباء من حول القصعة ، فلم أزل أحب الدباء بعد ذلك اليوم .


هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جميع رواته فيما علمت بهذا الإسناد ، وزاد بعضهم فيه ذكر القديد ، وسنذكره في هذا الباب إن شاء الله .

[ ص: 272 ] أدخل مالك رحمه الله هذا الحديث في باب الوليمة للعرس ، ويشبه أن يكون وصل إليه من ذلك علم ، وقد روي عنه نحو هذا ، وليس في ظاهر الحديث ما يدل على أنها وليمة عرس ، وإجابة الدعوة عندي واجبة إذا كان طعام الداعي مباحا أكله ، ولم يكن هناك شيء من المعاصي وجوب سنة لا ينبغي لأحد تركها في وليمة العرس وغيرها ، وإتيان طعام وليمة العرس عندي أوكد لقول أبي هريرة : ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله ، على أنه يحتمل - والله أعلم - من لم ير إتيان الدعوة فقد عصى الله ورسوله ، وهذا أحسن وجه حمل عليه هذا الحديث إن شاء الله .

وقد اختلف فيما يجب الإجابة إليه من الدعوات ، فذهب مالك ، والثوري إلى أن إجابة الوليمة واجب دون غيرها ، وخالفهم في ذلك غيرهم ، وسنذكر اختلافهم في ذلك في باب ابن شهاب ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة عند قوله " شر الطعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك المساكين ، ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله " إن شاء الله .

والصحيح عندنا ما ذكرنا أن إجابة الدعوة سنة مؤكدة مندوب إليها لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو أهدي إلي كراع لقبلت ، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت رواه شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجيبوا الدعوة إذا دعيتم رواه أيوب السختياني ، وموسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 273 ] وروى عبيد الله بن عمر ، ومالك بن أنس ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها زاد عبيد الله في حديثه " فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليدع " قال : وكان ابن عمر إذا دعي أجاب ، فإن كان صائما ترك ، وإن كان مفطرا أكل ، فإن قيل ليس في حديث أيوب ، وموسى بن عقبة حجة ; لأن لفظ حديثهما مجمل وقد فسر بحديث مالك ، وعبيد الله ، فكأنه قال : أجيبوا الدعوة إلى الوليمة إذا دعيتم - قيل له : قد رواه معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، فقال فيه : عرسا كان أو غيره ، ذكره عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا دعا أحدكم أخاه فليجبه عرسا كان أو غيره وذكر أبو داود قال : حدثنا الحسن بن علي قال : حدثنا عبد الرزاق بإسناده مثله ، وقال " عرسا كان أو دعوة " قال أبو داود : وكذلك رواه الزبيدي ، عن نافع مثل حديث معمر ، عن أيوب ، ومعناه سواء ، وهذا قاطع لموضع الخلاف ، وروى الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضروا المسلمين وقد ذهب أهل الظاهر إلى إيجاب إتيان كل دعوة وجوب فرض بظاهر هذه الأحاديث ، وحملها سائر أهل العلم على الندب للتآلف والتحاب .

وقد احتج بعض من لا يرى إتيان الدعوة إذا لم يكن عرسا بقول عثمان بن أبي العاص " ما كنا ندعى إلى الختان ولا نأتيه " وهذا لا حجة [ ص: 274 ] فيه ، وقال بعضهم : إنما يجب إتيان طعام القادم من سفر ، وطعام الختان وطعام الوليمة ، والحجة قائمة بما قدمنا من الآثار الصحاح التي نقلها الأئمة متصلة إلى النبي عليه السلام ، وهي على عمومها لا تخص دعوة من دعوة .

أخبرني خلف بن القاسم قال : حدثنا جعفر بن محمد بن الفضل البغدادي قال : حدثنا محمد بن العباس قال : حدثنا محمد بن أحمد بن أبي المثنى قال : حدثنا جعفر بن عون قال : حدثنا سليمان الشيباني أبو إسحاق ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن معاوية بن سويد بن مقرن ، عن البراء بن عازب قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبع ونهانا عن سبع ، أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وإفشاء السلام وإجابة الداعي وتشميت العاطس ونصر المظلوم وإبرار القسم ، ونهانا عن الشراب في الفضة فإنه [ ص: 275 ] من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة ، وعن التختم بالذهب وعن ركوب المياثر وعن لباس القسي والحرير والديباج والإستبرق .

قال البراء : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبع ، فذكر منها إجابة الداعي ، وذكر منها أشياء منها ما هو فرض على الكفاية ومنها ما هو واجب وجوب سنة ، فكذلك إجابة الدعوة ، والله نسأله العصمة .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن محمد البرتي قال : حدثنا أبو معمر قال : حدثنا عبد الوارث قال : حدثنا أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه - قال : إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل يقول : فليدع .

قال أبو عمر : قد جاء في هذا الحديث مع صحة إسناده " إلى طعام " لم يخص طعاما من طعام ، وحدثنا أحمد بن محمد قال : حدثنا وهب بن مسرة قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال : حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دعي أحدكم فليجب ، فإن شاء أكل وإن شاء ترك وهذا أيضا على عمومه .

وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا بكر بن حماد قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر [ ص: 276 ] قال : قال رسول الله - صلى الله عليه - أجيبوا الدعوة إذا دعيتم وحدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، حدثنا إبراهيم بن حمزة ، حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أجيبوا الدعوة إذا دعيتم لها وهذا أيضا على عمومه سنة مسنونة ، وبالله التوفيق .

قال أبو عمر : زاد القعنبي وابن بكير في حديث مالك هذا ، عن إسحاق ، عن أنس ذكر القديد ، فقال : بطعام فيه دباء وقديد ، وتابعهما على ذلك قوم ، منهم أبو نعيم إلا أنه اختصر ألفاظا من هذا الحديث ، أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن زهير قال : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بمرق فيه دباء وقديد ، فرأيته يتبع الدباء يأكله .

وفي هذا الحديث أيضا إباحة إجالة اليد في الصحفة ، وهذا عند أهل العلم على وجهين : أحدهما أن ذلك لا يحسن ولا يجمل إلا بالرئيس ورب البيت ، والآخر أن المرق والإدام وسائر الطعام إذا كان فيه نوعان أو أنواع فلا بأس أن تجول اليد فيه للتخير مما وضع في المائدة والصحفة من صنوف الطعام ؛ لأنه لذلك قدم ، ليأكل كل ما أراد ، وهذا كله مأخوذ من هذا الحديث ، ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالت يده في الصحفة يتبع الدباء ، فكذلك سائر الرؤساء ، ولما كان [ ص: 277 ] في الصحفة نوعان ، وهما اللحم والدباء ، حسن بالآكل أن تجول يده فيما اشتهى من ذلك بدليل هذا الحديث ، ولا يجوز ذلك على غير هذين الوجهين لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن أبي سلمة سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك .

وإنما أمره أن يأكل مما يليه ; لأن الطعام كله كان نوعا واحدا ، والله أعلم ، كذلك فسره أهل العلم .

وفيه أيضا ما كان القوم عليه من شظف العيش في أكل الشعير وما أشبهه ، وما كانوا عليه من المواساة وإطعام الطعام مع ما كانوا فيه من هذه الحال ، وقد روي أنهم كانوا يكثرون طعامهم بالدباء .

ذكر الحميدي عن سفيان قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن حكيم بن جابر الأحمسي ، عن أبيه ، قال : دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأيت عنده الدباء ، فقلت : ما هذا ؟ فقال : نكثر به طعامنا .

ومن صريح الإيمان حب ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحبه ، واتباع ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله . صلى الله عليه ، ألا ترى إلى قول أنس " فلم أزل أحب الدباء بعد ذلك اليوم " .

[ ص: 278 ] حدثنا خلف بن قاسم بن سهل قال : حدثنا أبو الطاهر محمد بن عبد الله القاضي بمصر ، قال : حدثنا موسى بن هارون بن عبد الله الحمال قال : حدثنا محمد بن عباد قال : حدثنا سفيان - يعني ابن عيينة - عن مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبع الدباء في القصعة ، فلا أزال أحبه ، ورواه جماعة من أصحاب ابن عيينة عنه ، عن مالك بإسناده هذا .

التالي السابق


الخدمات العلمية