التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1025 [ ص: 24 ] حديث ثالث لابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة - مسند

مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس ، أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اقضه عنها .


ليس عن مالك ولا عن ابن شهاب اختلاف في إسناد هذا الحديث - فيما علمت .

وقد أخبرني محمد ، حدثنا علي بن عمر الحافظ ، قال : حدثني أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن الواثق بالله ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، حدثنا شجاع بن مخلد ، حدثنا حماد ، حدثنا مالك ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، أن سعدا [ ص: 25 ] قال : يا رسول الله أينفع أمي أن أتصدق عنها وقد ماتت ؟ قال : نعم ، قال : فما تأمرني ؟ قال : اسق الماء .

قال ابن منيع : الصحيح في هذا الإسناد حديث النذر ، وحماد بن خالد ثقة ، ولكنه كان أميا . قال علي بن عمر : لا أعلم روى هذا غير شجاع بن مخلد ، عن حماد بن خالد .

قال أبو عمر :

قد روى هذا الحديث هشام بن عروة ، عن ابن شهاب ، حدث به الدراوردي ، عن هشام بن عروة ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، أن سعد بن عبادة سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أمي هلكت وعليها نذر لم تقضه ، أفأقضيه عنها ؟ قال : نعم .

وروى عبدة بن سليمان هذا الحديث عن هشام بن عروة ، عن بكر بن وائل بن داود ، عن الزهري بإسناده مثله .

[ ص: 26 ] واختلف أهل العلم في النذر وفي حكمه ، فقال أهل الظاهر : كل من كان عليه نذر وتوفي ولم يقضه ، كان على أقعد أوليائه قضاؤه عنه واجبا بظاهر هذا الحديث ، وسواء كان في بدن أو مال .

وقال فقهاء الأمصار ليس ذلك على وليه إلا أن يوصي به ، ومحمل هذا الحديث عندهم على الندب لا على الإيجاب .

واختلفوا في النذر الذي كان على أم سعد بن عبادة المذكور في هذا الحديث ، فقالت فرقة : كان ذلك صياما نذرته ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقضيه عنها ، واستدل من قال ذلك بحديث الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أمي ماتت وعليها صوم ، أفأصوم عنها ؟ فقال : أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضيه ؟ قال : نعم ، قال : فدين الله أحق أن يقضى قال أبو عمر :

هذا حديث قد اختلف فيه عن الأعمش في إسناده ومتنه ، فقال فيه جماعة من رواته عنه بإسناده عن ابن عباس : قال : جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : إن أختي ماتت وعليها صيام .

وبعضهم يقول في حديث ابن عباس هذا : إن امرأة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : إن أمي ماتت وعليها صوم .

وفي هذا ما [ ص: 27 ] يدلك على أن هذا الحديث ليس ذلك الحديث ، وأن الرجل المذكور فيه ليس سعد بن عبادة ، والله أعلم . على أن هذا الحديث مضطرب ، وقد كان ابن عباس يفتي بخلافه ، فدل على أنه غير صحيح عنه . حدثنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا حجاج الأحول ، قال : حدثنا أيوب بن موسى ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس ، قال : لا يصلي أحد عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة .

واختلف الفقهاء فيمن مات وعليه صيام من قضاء رمضان ، أو من نذره وقد كان قادرا على صيامه ، فقال مالك : لا يصوم عنه وليه في الوجهين جميعا ، ولا يصوم أحد عن أحد ، قال مالك : وهذا أمر مجتمع عليه عندنا .

وتحصيل مذهبه أن الإطعام في ذلك واجب على الميت ، وغير واجب على الورثة ، وإن أوصى بذلك الميت كان في ثلثه .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن أمكنه القضاء فلم يفعل ، أطعم عنه ورثته في النذر ، وفي قضاء رمضان جميعا ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وقد روي عن هؤلاء أنه إن لم يجد ما يطعم عنه صام عنه [ ص: 28 ] وليه ، والمشهور عنهم الإطعام دون الصيام ، وهو المعروف من مذهب الشافعي وبه قال الحسن بن حي ، وابن علية ( أن لا يصوم أحد عن أحد ، والإطعام عند أبي حنيفة والثوري والشافعي والأوزاعي والحسن بن حي ) وابن علية واجب في رأس ماله ، أوصى به أو لم يوص . وقال الليث بن سعد ، وأحمد بن حنبل ، وأبو عبيد : يصوم عنه وليه في النذر ، ويطعم عنه في قضاء رمضان مدا من حنطة عن كل يوم ، والإطعام عندهم واجب في مال الميت .

وقال أبو ثور : يصوم عنه وليه في قضاء رمضان ، وفي النذر جميعا ، وحجة أبي ثور حديث عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من مات وعليه صيام صام عنه وليه .

رواه عمرو بن الحارث ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن محمد ( بن جعفر ) بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة .

وروي عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله لم يخص نذرا من غير نذر .

[ ص: 29 ] واحتج من فرق بين النذر وقضاء رمضان ، بأن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس في قضاء رمضان : يطعم عنه ، وفي النذر يصام عنه ، وهو راوي الحديث ، وهو أعلم بتأويله .

واحتج من قال لا يصام عنه في وجه من الوجوه بما قدمنا من قول ابن عباس : لا يصوم أحد عن أحد مطلقا ، وبما روى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن ابن عباس فيهما جميعا الإطعام ، وفي فتوى ابن عباس بخلافه ما يوهنه عند الكوفي والمدني ، قالوا لأنه لو صح عنه أو عنده لم يخالفه ، وكذلك حديث عائشة سواء ، لأنها أفتت بخلافه . روى عبد العزيز بن رفيع عن امرأة منهم يقال لها عمرة ، عن عائشة من قولها : يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام ، وقد أجمعوا أن لا يصلي أحد عن أحد والصوم في القياس مثله ، فإن ادعوا فيه أثرا عورضوا بما ذكرنا من علل الأثر في ذلك ، ولا أعلمه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير هذين الوجهين ، والله أعلم .

وأما مذهب الشافعي وأبي ثور ، وأحمد في مثل هذا الأصل ، فالمصير إلى المسند عندهم أولى من قول الصاحب ، وفتواه عندهم بخلاف ما رواه ، لا حجة فيه ، وهذا الأصل قد أوضحناه في غير هذا الموضع .

وقال بعض أهل العلم : إن النذر الذي كان على أم سعد بن عبادة كان عتقا ، وكل ما كان في مال الإنسان واجبا فجائز أن يؤديه عنه [ ص: 30 ] غيره ، واستدل قائل هذا القول بحديث القاسم بن محمد ، أن سعد بن عبادة قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أمي هلكت ، فهل ينفعها أن أعتق عنها ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نعم . قال : فهذا تفسير النذر المجمل الذي ذكره ابن عباس في حديثه .

وقال منهم قائلون : إن النذر الذي كان على أم سعد بن عبادة كان صدقة ، ورووا في ذلك آثارا قد ذكرنا بعضها ، وأكثرها في باب سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة ، وفي باب عبد الرحمن بن أبي عمرة من كتابنا هذا .

وقال آخرون : بل كان نذرا مطلقا على ظاهر حديث ابن عباس ، ومن جعل على نفسه نذرا هكذا مجملا مبهما ، فكفارته كفارة يمين عند أكثر العلماء ، وروي ذلك أيضا عن عائشة ، وابن عباس ، وجابر بن عبد الله وقد روي عن ابن عمر : ليس للنذر إلا الوفاء به .

وعن سعيد بن المسيب مثل ذلك . وهذا عند أهل العلم على ما قد سمي من النذر .

وروى الثوري عن أبي سلمة ، عن أبي معشر ، عن سعيد بن جبير ، ابن عمر أنه سئل عن النذر ، فقال : أفضل الأيمان ، فإن لم يجد فالتي تليها ، فإن لم يجد فالتي تليها ، يقول : الرقبة والكسوة [ ص: 31 ] فالطعام .

وروى ابن عيينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : النذر إذا لم يسمه صاحبه فهو أغلظ الأيمان ، وله أغلظ الكفارة بعتق رقبة

. وقد روي عن ابن عباس في النذر كفارة يمين ، ولم يقل مغلظة . وعن جابر بن عبد الله وعائشة مثله .

وقال معمر ، عن قتادة : اليمين المغلظة عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكينا

. وروى ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي : إني لأعجب ممن يقول : إن النذر يمين مغلظة .

قال الشعبي : يجزيه إطعام عشرة مساكين ، وقاله الحسن ، وذكر عبد الرزاق عن الثوري ، عن هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : في النذر كفارة يمين ، قال : وقال : إبراهيم يجزئه من النذر صيام ثلاثة أيام ، قال الثوري : عن حماد ، عن إبراهيم ، قال : سواء قال : علي نذر أو : لله علي نذر ، هي يمين .

[ ص: 32 ] وعن ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : النذر يمين ، وعن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : ما قول الناس علي نذر لله ، قال : يمين ، فإن سمى نذرا فهو ما سمى ، قال ابن جريج : أخبرني عطاء أنه سمع أبا الشعثاء يقول : إن نذر الرجل ليفعلن شيئا فهو يمين ، ما لم يسم النذر ، وهو قول مالك والفقهاء .

التالي السابق


الخدمات العلمية