التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
73 مالك ، عن ابن شهاب ، عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة ، عن أبيه المغيرة بن شعبة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذهب لحاجته في غزوة تبوك قال المغيرة : فذهبت معه بماء ، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسكبت عليه الماء فغسل وجهه ، ثم ذهب ليخرج يديه من كمي جبته فلم يستطع من ضيق كمي الجبة ، فأخرجهما من تحت الجبة فغسل يديه ، ومسح برأسه ، ومسح على الخفين ، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وعبد الرحمن بن عوف يؤمهم ، وقد صلى بهم [ ص: 120 ] التي بقيت ، ففزع الناس ، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاته قال : أحسنتم .


هكذا قال مالك في هذا الحديث ، عن عباد بن زياد ، وهو من ولد المغيرة بن شعبة لم يختلف رواة الموطأ عنه في ذلك .

وهو وهم وغلط منه ، ولم يتابعه أحد من رواة ابن شهاب ، ولا غيرهم عليه ، وليس هو من ولد المغيرة بن شعبة عند جميعهم .

وزاد يحيى بن يحيى في ذلك أيضا شيئا لم يقله أحد من رواة الموطأ ، وذلك أنه قال فيه عن أبيه المغيرة بن شعبة ، ولم يقل أحد فيما علمت في إسناد هذا الحديث ، عن أبيه غير يحيى بن يحيى ، وسائر رواة الموطأ ، عن مالك يقولون : عن ابن شهاب ، عن عباد بن زياد ، وهو من ولد المغيرة بن شعبة ، عن المغيرة بن شعبة لا يقولون : عن أبيه المغيرة كما قال يحيى ، ولم يتابعه واحد منهم على ذلك .

كتبت هذا ، وأنا أظن أن يحيى بن يحيى وهم في قوله ، عن أبيه حتى وجدته لعبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة ، عن أبيه كما قال يحيى ، ذكره أحمد بن حنبل وغيره ، عن ابن مهدي ، وقد ذكرناه .

[ ص: 121 ] وذكر الدارقطني أن سعد بن عبد الحميد بن جعفر قال فيه ، عن أبيه كما قال يحيى قال : وهو وهم .

قال : ورواه روح بن عبادة ، عن مالك ، عن الزهري ، عن عباد بن زياد ، عن رجل من ولد المغيرة ، عن المغيرة قال : فإن كان روح حفظ فقد أتى بالصواب ; لأن الزهري يرويه ، عن عباد ، عن المغيرة .

وإسناد هذا الحديث من رواية مالك في الموطأ وغيره إسناد ليس بالقائم ; لأنه إنما يرويه ابن شهاب ، عن عباد بن زياد ، عن عروة ، وحمزة ابني المغيرة بن شعبة ، عن أبيه المغيرة بن شعبة .

وربما حدث به ابن شهاب ، عن عباد بن زياد ، عن عروة بن المغيرة ، عن أبيه ، ولا يذكر حمزة بن المغيرة .

وربما جمع حمزة وعروة ابني المغيرة في هذا الحديث ، عن أبيهما المغيرة .

ورواية مالك لهذا الحديث ، عن ابن شهاب ، عن عباد بن زياد ، عن المغيرة مقطوعة ، وعباد بن زياد لم ير المغيرة ، ولم يسمع منه شيئا .

أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة ، عن أبيه : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذهب إلى حاجته في غزوة تبوك ) فذكره سواء كما في الموطأ .

[ ص: 122 ] قال مصعب : وأخطأ فيه مالك خطأ قبيحا ، أخبرنا به أبو محمد رحمه الله ، وكتبته من أصل سماعه ، عن ابن حمدان ، وحدثنا أيضا قال : حدثنا ابن حمدان قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : قرأت على عبد الرحمن يعني ابن مهدي ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة ، عن أبيه المغيرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذهب لحاجته في غزوة تبوك فذكره سواء كما في الموطأ ) ، وكتبته أيضا من الأصل الصحيح لأبي محمد رحمه الله من أصل سماعه ، وقد ذكر عبد الرزاق هذا الخبر ، عن معمر في كتابه ، عن الزهري أن المغيرة بن شعبة قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، وذكر الحديث هكذا مقطوعا ، وأظن هذا إنما أوتي من قبل الزهري - والله أعلم - لأن أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي حدثنا قال : حدثنا أبي قال : حدثنا أحمد بن خالد قال : حدثنا قاسم بن محمد قال : حدثنا أبو عاصم خشيش بن أصرم قال : حدثنا عبد الرزاق قال : حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن عباد بن زياد ، عن عروة بن المغيرة بن شعبة ، عن المغيرة بن شعبة قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فلما كان في بعض الطريق تخلف ، وتخلفت معه بالإداوة ، فتبرز ثم أتاني فسكبت على يديه ، وذلك عند صلاة الصبح ، فلما غسل وجهه ، وأراد غسل ذراعيه ضاق كما جبته ، وعليه جبة شامية قال : فأخرج يديه من تحت [ ص: 123 ] الجبة فغسل ذراعيه ثم توضأ ، ومسح على خفيه قال : ثم انتهينا إلى القوم ، وقد صلى بهم عبد الرحمن بن عوف ركعة قال : فذهبت أوذنه فقال : دعه فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - معه ركعة ثم انصرف ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى ركعة ، ففزع الناس لذلك ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين فرغ أصبتم أو قال : أحسنتم .

وحدثني سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال : حدثني أخي ، عن سليمان بن بلال ، عن يونس ، عن ابن شهاب قال : حدثني عباد بن زياد ، عن عروة ، وحمزة ابني المغيرة بن شعبة أنهما سمعا المغيرة بن شعبة يخبر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ على الخفين ثم صلى فيهما .

وروى ابن وهب في موطئه هذا الحديث ، عن مالك ، عن يونس بن يزيد ، وعمرو بن الحارث ، وابن سمعان : أن ابن شهاب أخبرهم عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة ، عن عروة بن المغيرة بن شعبة أنه سمع أباه يقول : سكبت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توضأ في غزوة تبوك فمسح على الخفين .

ولم يذكر مالك عروة بن المغيرة ، ولم يذكر ابن سمعان عبادا ، هكذا قال ابن وهب ، عن هؤلاء كلهم جمعهم في إسناد واحد ، ولفظ واحد كما ترى ، إلا ما خص من ذكر مالك في عروة ، وذكر [ ص: 124 ] ابن سمعان في عباد بن زياد من ولد المغيرة إلا من رواية ابن وهب هذه ، وإنما يعرف هذا لمالك .

وأظن ابن وهب حمل لفظ بعضهم على بعض ، وكان يتساهل في مثل هذا كثيرا .

وقد كان ابن شهاب ربما أرسل الحديث ، عن عروة بن المغيرة ، ولا يذكر عباد بن زياد في ذلك ، فمن هنالك لم يذكر ابن سمعان عباد بن زياد - والله أعلم - .

وقد حدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال : حدثنا سليمان بن بلال ، عن يونس ، عن عروة ، وحمزة ابني المغيرة أنهما سمعا المغيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث .

قال : إسماعيل لم يذكر ابن أبي أويس في حديثه ، عن سليمان بن بلال ( عن عباد بن زياد ، وذكره في حديثه ، عن أخيه ، عن سليمان بن بلال ) ، وأما صالح بن كيسان فرواه ، عن ابن شهاب فأتقن .

أخبرنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا أحمد بن جعفر قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : حدثنا سعد ، ويعقوب يعني ابني إبراهيم بن سعد قالا : حدثنا أبي ، عن صالح ، عن ابن شهاب قال : حدثني عباد بن زياد قال : حدثنا سعد بن أبي سفيان ، عن عروة بن المغيرة ، عن أبيه المغيرة [ ص: 125 ] بن شعبة قال : تخلفت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، فتبرز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم دفع إلي الإداوة أو قال : ثم رجع إلي ، ومعي الإداوة قال : فصببت على يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم استنثر قال يعقوب : ثم تمضمض ثم غسل وجهه ثلاث مرات ، ثم أراد أن يغسل يديه فأراد أن يخرجهما من كمي جبته فضاق عنه كماها فأخرج يديه من تحت الجبة فغسل يده اليمنى ثلاث مرات ، ويده اليسرى ثلاث مرات ، ومسح برأسه ، ومسح بخفيه ، ولم ينزعهما ، ثم عمد إلى الناس فوجدهم قد قدموا عبد الرحمن بن عوف يصلي بهم ، فأدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى الركعتين ، فصلى مع الناس الركعة الأخرى بصلاة عبد الرحمن ، فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتم صلاته ، فأفزع المسلمين فأكثروا التسبيح ، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته أقبل عليهم فقال : أحسنتم ، وأصبتم ، يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها .

حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال : حدثنا عبد الله بن أحمد قال : حدثني أبي قال : حدثنا عبد الرزاق ، ومحمد بن بكر قالا : أخبرنا ابن جريج قال : حدثني ابن شهاب ، عن عباد بن زياد أن عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره أن المغيرة بن شعبة أخبره : أنه غزا مع [ ص: 126 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة تبوك قال المغيرة : فتبرز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذكر الحديث إلى آخره بمثل رواية صالح بن كيسان .

وعند ابن شهاب في حديث المغيرة هذا إسناد آخر ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ، وكان لا يحدث به ، عن إسماعيل هذا لصغر سنه إلا عبادا .

وقد رواه ابن جريج ، وابن عيينة ، عن الزهري ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد ، عن حمزة بن المغيرة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعند ابن جريج الحديثان جميعا .

أخبرنا خلف بن سعيد قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال : حدثنا أحمد بن خالد قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : أنبأنا عبد الرزاق قال : أنبأنا ابن جريج قال : حدثني ابن شهاب ، عن عباد بن زياد أن عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره : أن المغيرة بن شعبة غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة تبوك قال : فتبرز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الغائط ، فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر ، فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلي ، أخذت أهرق على يديه من الإداوة ، فغسل يديه ثلاث مرات ثم تمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثم ذهب يخرج ذراعيه من جبته فضاق كما جبته ، فأدخل يديه في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة ، فغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم [ ص: 127 ] توضأ على خفيه قال : ثم أقبل ، وأقبلت معه ، حتى نجدهم قد قدموا عبد الرحمن بن عوف يصلي بهم ، فأدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى الركعتين ، وصلى مع الناس الركعة الآخرة ، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتم صلاته ، وأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح ، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاته أقبل عليهم ثم قال : أحسنتم أو قال : أصبتم يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها .

قال ابن شهاب : فحدثني إسماعيل بن محمد بن سعد ، عن حمزة بن المغيرة بمثل حديث عباد بن زياد ، وزاد المغيرة : فأردت تأخير عبد الرحمن بن عوف فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دعه ، وحدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن ابن جريج قال : حدثني ابن شهاب ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد ، عن حمزة بن المغيرة نحو حديث عباد ، قال المغيرة : فأردت تأخير عبد الرحمن بن عوف ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دعه فهذا حديث ابن شهاب خاصة ، وتمهيده في المسح على الخفين ، وأما طرق حديث المغيرة على الاستيعاب فلا سبيل لنا إليها ، وقد قال أبو بكر البزار : روي هذا الحديث عن المغيرة من نحو ستين طريقا .

قال أبو عمر :

وقد روى هذا الحديث ، عن عروة بن المغيرة ، عن أبيه الشعبي ، فزاد فيه حكما جليلا حسنا ، وذلك اشتراط طهارة [ ص: 128 ] القدمين بطهر الوضوء عند إدخالهما الخفين لمن أراد المسح عليهما بعد الحدث ، قرأت على عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا بكر بن حماد ، وحدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود قالا : حدثنا مسدد قال : حدثنا عيسى بن يونس قال : حدثني أبي ، عن الشعبي قال : سمعت عروة بن المغيرة بن شعبة يذكر عن أبيه قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركب ، ومعي إداوة ، فخرج لحاجته ثم أقبل فتلقيته بالإداوة فأفرغت عليه فغسل كفيه ووجهه ، ثم أراد أن يخرج ذراعيه ، وعليه جبة من صوف من جباب الروم ضيقة الكمين ، فضاقت فادرعها ادراعا ، ثم أهويت إلى الخفين لأنزعهما فقال : دع الخفين ، فإني أدخلت القدمين وهما طاهرتان ، فمسح عليهما .

قال أبي : قال لي الشعبي : شهد لي عروة على أبيه ، وشهد أبوه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذكره أحمد بن حنبل ، وغيره عن وكيع ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن الشعبي بإسناده مثله سواء .

وكذلك رواه مجالد ، وزكرياء بن أبي زائدة ، وغيرهم ، عن الشعبي بإسناده مثله .

هذا هو الأصل المجتمع عليه ، قال : لا يمسح على الخفين إلا من أدخل رجليه فيهما طاهرتين .

[ ص: 129 ] حدثنا محمد بن عبد الملك قال : حدثنا ابن الأعرابي قال : حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار قال : سمعت ابن عمر يقول : سألت عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أيتوضأ أحدنا ، ورجلاه في الخفين ؟ قال : نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان .

حدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا الحسن بن سلام السويقي قال : حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال : حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال : سمعت يحيى بن سعيد .

وحدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : حدثنا هاشم بن القاسم قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة قالا جميعا : أخبرنا سعد بن إبراهيم أن نافع بن جبير بن مطعم أخبره أنه سمع عروة بن المغيرة يحدث عن المغيرة : أنه كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، وأنه ذهب في حاجته ، وأن المغيرة جعل يصب عليه فتوضأ فغسل وجهه ، ومسح برأسه ، ومسح على الخفين .

هذا لفظ حديث عبد الوارث .

وفي حديث عبد الله : ذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبعض حاجته ، ثم جاء فسكبت عليه الماء ، فغسل وجهه ثم ذهب يغسل ذراعيه فضاق عنهما كما الجبة قال : فأخرجهما من تحت الجبة فغسلهما ثم مسح على خفيه .

[ ص: 130 ] ذكرت هذا الإسناد من أجل أنه من رواية فقهاء المدينة ، ورواه بكر المزني ، عن حمزة بن المغيرة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ورواه الحسن البصري ، عن حمزة أيضا ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

ورواه ، عن المغيرة بن شعبة أبو أمامة الباهلي ، وعمرو بن وهب الثقفي ، ورواه ابن سيرين ، عن عمرو بن وهب .

ورواه أيضا ، عن المغيرة بن شعبة عبد الرحمن بن أبي يعمر ، ومسروق بن الأجدع ، وقبيصة بن برمة ، وأبو السائب مولى هشام بن زهرة ، وغيرهم .

وفي حديث عمرو بن وهب الثقفي ، عن المغيرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح بناصيته ، ومسح على عمامته ، وعلى خفيه ، وكذلك في رواية الحسن ، وبكر المزني ، عن حمزة بن المغيرة ، عن أبيه هذه الزيادة أيضا .

وحديث عمرو بن وهب الثقفي صحيح من رواية أيوب ، عن ابن سيرين عنه من حديث حماد بن يزيد ، وابن علية ، وغيرهما ، وكذلك حديث بكر ، وغيره صحاح ، والحمد لله .

وكلهم يصف ضيق الجبة ، ويصف إمامة عبد الرحمن بن عوف ، والقصة على وجهها بألفاظ متقاربة ، ومعنى واحد ، إلا قليل منهم ممن اختصر القصة ، وقصد إلى الحكم في المسح على الخفين ، وعلى الناصية .

[ ص: 131 ] قال أبو عمر :

في حديث مالك في هذا الباب ضروب من معاني العلم .

منها : خروج الإمام بنفسه في الغزو لجهاد عدوه ، وكانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك في سنة تسع من الهجرة ، وهي المعروفة بغزاة العسرة .

قال ابن إسحاق : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك فصالحه أهل أيلة ، وكتب لهم كتابا قال خليفة : وقال المدائني : كان خروجه إليها في غرة رجب ، ولم يختلفوا أن ذلك في سنة تسع .

وفيه آداب الخلاء ، والبعد عن الناس عند حاجة الإنسان ، وفيه على ظاهر حديث مالك وغيره ، وأكثر الروايات ترك الاستنجاء بالماء مع وجود الماء ; لأنه لم يذكر أنه استنجى به ، وإنما ذكر أنه سكب عليه فغسل وجهه يعني لوضوئه .

وفي غير حديث مالك : فتبرز ثم جاء فصببت على يديه من الإداوة فغسل كفيه ، وتوضأ .

وفي حديث الشعبي ، عن عروة بن المغيرة ، عن أبيه : فخرج لحاجته ثم أقبل فتلقيته بالإداوة .

فدل على أنه لم يدفعها إليه .

وقد صح أن الإداوة كانت مع المغيرة ، ولم يذكر في شيء من الآثار أنه ناولها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذهب بها ، ثم لما جاء ردها إليه ، فسكب منها الماء عليه ، بل في قوله فتلقيته بالإداوة تصريح أنها كانت مع المغيرة ، وأن رسول الله - صلى الله [ ص: 132 ] عليه وسلم - تبرز لحاجته دونها ، وفي ذلك ما يوضح لك أنه استنجى بالأحجار بحضرة الماء - والله أعلم - .

وقد قال ابن جريج ، وغيره في هذا الحديث : فتبرز لحاجته قبل الغائط ، فحملت معه إداوة وقال معمر : فتخلف ، وتخلفت معه بإداوة .

فإن صح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استنجى بالماء يومئذ في نقل من يقبل نقله ، وإلا فالاستدلال من حديث مالك ، وما كان مثله صحيح ، فإن في هذا الحديث ترك الاستنجاء بالماء ، والعدول عنه إلى الأحجار مع وجود الماء .

وقد نزع بنحو هذا الاستدلال جماعة من الفقهاء ، وزعمت منهم طائفة بأن في هذا الحديث الاستنجاء بالماء لما ذكرنا من ألفاظ بعض الناقلين له بذلك ، وذلك استدلال أيضا لا نص ، وأي الأمرين كان ، فإن الفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أطهر ، وأطيب ، وأن الأحجار رخصة ، وتوسعة ، وأن الاستنجاء بها جائز في السفر ، والحضر ، وقد مضى القول في الاستنجاء فيما مضى من كتابنا ، والحمد لله .

وفيه إباحة لبس الضيق من الثياب ، بل ذلك ينبغي أن يكون مستحبا مستحسنا في الغزو لما في ذلك من التأهب ، والانشمار ، والتأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

ولباس مثل ذلك في الحضر عندي ليس به بأس .

[ ص: 133 ] وفيه أن العمل الخفيف في الغسل ، والوضوء لا يوجب استينافه ، وكذلك كل عمل إذا كان صاحبه آخذا في طهارته ، ولم يتركها انصرافا عنها إلى غيرها كاستقاء الماء ، وغسل الإناء ، وشبه ذلك .

فإن أخذ المتوضئ في غير عمل الوضوء وتركه ، استأنف الوضوء من أوله إلا أن يكون شيئا خفيفا جدا ، فإن كان شيئا خفيفا فهو متجاوز عنه إن شاء الله .

ولا ينبغي لأحد أن يدخل على نفسه شغلا ، وإن قل وهو يتوضأ حتى يفرغ من وضوئه .

وفيه : أن لا بأس بالفاضل من الرجال والعالم والإمام أن يخدم ، ويعان على حوائجه .

وفيه : أنه لا بأس أن يصب على المتوضئ فيتوضأ ، وذلك عندي - والله أعلم - إذا كان الإناء لا يتهيأ أن يدخل المتوضئ يده فيه .

وفيه : إذا خيف فوت وقت الصلاة أو فوت الوقت المختار منها لم ينتظر الإمام لها ولا غيره ، فاضلا كان أو عالما أو لم يكن .

وقد احتج الشافعي بأن أول الوقت أفضل بهذا الحديث ، وقال : معلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ليشتغل حتى يخرج الوقت كله ، وقال : لو أخرت الصلاة لشيء من الأشياء عن أول وقتها لأخرت لإقامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 134 ] وفضل الصلاة معه ; إذ قدموا عبد الرحمن بن عوف في السفر ، وفيما قال : من ذلك عندي نظر .

وفيه أن تحري المسلمين بأن يقدموا إماما بغير إذن الوالي .

ومنها أن يأتم الإمام والوالي من كان برجل من رعيته .

ومنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى مع عبد الرحمن بن عوف ركعة ، وجلس معه في الأولى ثم قام فقضى .

وفيه فضل عبد الرحمن بن عوف ; إذ قدمه جماعة الصحابة في ذلك الموضع لصلاتهم بدلا من نبيهم - صلى الله عليه وسلم - .

وفيه صلاة الفاضل خلف المفضول .

وفيه حمد من بدر إلى أداء فرضه ، وشكره على ذلك ، وتحسين فعله .

وفيه الحكم الجليل الذي فرق بين أهل السنة ، وأهل البدع ، وهو المسح على الخفين لا ينكره إلا مخذول أو مبتدع خارج عن جماعة المسلمين أهل الفقه والأثر ، لا خلاف بينهم في ذلك بالحجاز ، والعراق ، والشام ، وسائر البلدان إلا قوما ابتدعوا فأنكروا المسح على الخفين ، وقالوا : إنه خلاف القرآن ، وعسى القرآن نسخه ، ومعاذ الله أن يخالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتاب الله ، بل بين مراد الله منه كما أمره الله عز وجل في قوله وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ، وقال : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية .

[ ص: 135 ] والقائلون بالمسح جمهور الصحابة ، والتابعين ، وفقهاء المسلمين قديما ، وحديثا ، وكيف يتوهم أن هؤلاء جاز عليهم جهل معنى القرآن ؟ أعاذنا الله من الخذلان .

روى ابن عيينة ، والثوري ، وشعبة ، وأبو معاوية ، وغيرهم ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث قال : رأيت جريرا يتوضأ من مطهرة ، ومسح على خفيه ، فقيل له : أتفعل هذا ؟ فقال : وما يمنعني أن أفعله ، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله .

قال إبراهيم : فكانوا يعني أصحاب عبد الله ، وغيرهم يعجبهم هذا الحديث ، ويستبشرون به ; لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة
.

وعن حماد بن أبي سليمان ، عن ربعي بن خراش ، عن جرير بن عبد الله قال : وضأت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمسح على خفيه بعد ما أنزلت سورة المائدة حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي ، وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر بن حماد بإسناده ، عن مسدد قالا : حدثنا سفيان قال : حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث قال : رأيت جرير بن عبد الله يتوضأ من مطهرة ، ومسح على خفيه فقالوا : أتمسح على خفيك فقال : إني رأيت رسول الله - صلى [ ص: 136 ] الله عليه وسلم - يمسح على خفيه ، وكان هذا الحديث يعجب أصحاب عبد الله يقولون : إنما كان إسلامه بعد نزول المائدة .

وأخبرنا عبد الله بن محمد قال : أنبأنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثنا أبي رحمه الله قال : حدثنا معاوية قال : حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام قال : بال جرير بن عبد الله ثم توضأ ، ومسح على خفيه فقيل له : أتفعل هذا وقد بلت ؟ فقال : نعم رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بال ثم توضأ ، ومسح على خفيه قال إبراهيم : وكان يعجبهم هذا الحديث ; لأن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة .

وحدثنا عبد الله قال : حدثنا أحمد قال : حدثنا عبد الله قال : حدثني أبي قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن سليمان ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث ، عن جرير : أنه بال ثم توضأ ، ومسح على خفيه ، وصلى ، فسئل عن ذلك فقال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع مثل هذا .

وكان يعجبهم هذا الحديث من أجل أن جريرا كان من آخر من أسلم
.

حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا علي بن الحسن الدرهمي حدثنا أبو داود ، عن بكير بن عامر بن أبي زرعة بن عمرو بن جرير : أن جريرا بال ثم توضأ ، ومسح على الخفين فقيل له في ذلك فقال : ما [ ص: 137 ] يمنعني أن أمسح ، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح قالوا : إنما كان ذلك قبل نزول المائدة قال : ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة .

وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة ، واستفاض ، وتواتر ، وأتت به الفرق ، إلا أن بعضهم زعم أنه كان قبل نزول المائدة ، وهذه دعوى لا وجه لها ، ولا معنى .

وقد روي عن الحسن البصري رحمه الله قال : أدركت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم يمسح على خفيه .

وعمل بالمسح على الخفين أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وسائر أهل بدر ، والحديبية ، وغيرهم من المهاجرين ، والأنصار ، وسائر الصحابة ، والتابعين أجمعين ، وفقهاء المسلمين في جميع الأمصار ، وجماعة أهل الفقه والأثر ، كلهم يجيز المسح على الخفين في الحضر والسفر ، للرجال والنساء .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا عبد الله بن الخيار الحمصي قال : حدثنا إسماعيل بن عياش قال : حدثني سفيان بن سعيد الثوري قال : مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وأبو الدرداء ، وزيد بن ثابت ، وقيس بن [ ص: 138 ] سعد بن عبادة ، وعبد الله بن عباس ، وحذيفة بن اليمان ، وعبد الله بن مسعود ، وأبو موسى الأشعري ، وأبو مسعود الأنصاري ، وخزيمة بن ثابت الأنصاري ، والبراء بن عازب ، وأبو أيوب الأنصاري ، وأنس بن مالك ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، وصفوان بن عسال ، وفضالة بن عبيد الأنصاري ، وجرير بن عبد الله البجلي .

قال أبو عمر :

ممن روينا عنه أنه مسح على الخفين ، وأمر بالمسح عليهما في الحضر ، والسفر بالطرق الحسان من مصنف ابن أبي شيبة ، ومصنف عبد الرزاق : عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، والبراء بن عازب ، وحذيفة بن اليمان ، والمغيرة ، وسليمان ، وبلال ، وخزيمة بن ثابت ، وعمرو بن أبي أمية ، وعبد الله بن الحارث بن جرير الزبيري ، وأبو أيوب ، وجرير ، وأبو موسى ، وعمار ، وسهل بن سعد ، وأبو هريرة .

ولم يرو عن غيرهم منهم خلاف إلا شيء لا يثبت ، عن عائشة ، وابن عباس ، وأبي هريرة .

أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال : حدثني أبي قال : حدثنا عبد الله بن يونس قال : حدثنا نعيم بن [ ص: 139 ] مخلد قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا ابن إدريس يعني عبد الله بن إدريس الأزدي ، عن فطر قال : قلت لعطاء : إن عكرمة يقول : قال ابن عباس : سبق الكتاب الخفين قال عطاء : كذب عكرمة أنا رأيت ابن عباس يمسح عليهما ، .

وروى أبو زرعة ، عن عمرو بن جرير ، عن أبي هريرة : أنه كان يمسح على خفيه ، ويقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أدخل أحدكم رجليه في خفيه وهما طاهرتان فليمسح عليهما .

وذكر الأثرم قال : سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول فيمن تأول : إنه لا بأس أن يصلى خلفه إذا كان لتأويله وجه في السنة .

وقال أبو عبد الله : أرأيت لو أن رجلا لم ير المسح على الخفين فقد كان مالك لا يرى المسح على الخفين في الحضر لا ينبغي أن يصلى خلفه ؟ قال : بلى ثم قال : لو أنك لم تر أن تمسح ، وصلى بك رجل يرى المسح ألم تكن تصلي خلفه ؟ ثم قال : لو أن رجلا لم ير الوضوء من الدم الخارج من الجسد ثم صلى ألم تصل خلفه ؟ ثم قال : نحن نرى الوضوء من الدم أفلا نصلي خلف سعيد بن المسيب ، ومالك ممن سهل الوضوء من الدم ؟ قال : بلى نصلي .

ثم قال : قد روي عن أبي هريرة أنه لا يمسح ، وعن ابن عباس ، وعائشة ، وأبي أيوب [ ص: 140 ] قيل لأبي عبد الله : فإن قال رجل : أنا أذهب إلى حديث أبي أيوب : حبب إلي الغسل قال : نحن لا نذهب إلى قول أبي أيوب ، ولكن لو ذهب إليه ذاهب صلينا خلفه .

قال : إلا أن يترك رجل المسح من أهل البدع من الرافضة الذين لا يمسحون ، وما أشبهه فهذا لا نصلي خلفه .

أخبرنا خلف بن سعيد قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال : حدثنا أحمد بن خالد قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ابن عمر رأى سعد بن أبي وقاص يمسح على خفيه ، فأنكر ذلك عبد الله فقال سعد : إن عبد الله أنكر علي أن أمسح على خفي فقال عمر : لا يختلجن في نفس رجل مسلم أن يتوضأ على خفيه ، وإن جاء من الغائط .

قال : وأخبرنا معمر ، عن أبي إسحاق ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عمر قال لعبد الله بن عمر : عمك أعلم منك يعني سعد بن أبي وقاص ، إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان ، فامسح عليهما ، وإن جئت من الغائط .

قال : وأخبرنا ابن جريج قال : أخبرني نافع ، عن ابن عمر قال : أنكرت على سعد بن أبي وقاص ، وهو أمير بالكوفة المسح على الخفين فقال : أوعلي في ذلك بأس ؟ ، وهو مقيم بالكوفة قال عبد الله : فلما قال ذلك : عرفت أنه يعلم من ذلك ما لا أعلم ، فلم أرجع إليه شيئا ، فلما التقينا عند عمر قال سعد : استفت أباك [ ص: 141 ] فيما أنكرت علي في شأن الخفين ، فقلت له : أرأيت أحدنا إذا توضأ ، وفي رجليه الخفان في ذلك بأس أن يمسح عليهما ؟ ( فقال عمر : لا فقلت : وإن ذهب أحدنا إلى الغائط ليس عليه في ذلك بأس أن يمسح عليهما ؟ ) .

قال ابن جريج ، وأخبرنا أبو الزبير قال : سمعت ابن عمر يحدث بمثل حديث نافع إياي ، وزاد عن عمر : إذا أدخلت رجليك فيهما ، وأنت طاهر .

وكان ابن عمر يفتي بذلك ، ويعمل به إلى أن مات ، من رواية مالك ، عن نافع عنه ، ومن رواية ابن جريج ، ومعمر ، عن ابن شهاب ، عن سالم عنه ، ولا أعلم في الصحابة مخالفا إلا شيء لا يصح ، عن عائشة ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وقد روي عنهم من وجوه خلافه في المسح على الخفين ، وكذلك لا أعلم في التابعين أحدا ينكر ذلك ، ولا في فقهاء المسلمين إلا رواية جابر ، عن مالك ، والروايات الصحاح عنه بخلافه ، وهي منكرة يدفعها موطؤه ، وأصول مذهبه .

أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثنا أبي قال : حدثنا وكيع قال : حدثنا بكير بن عامر بن أبي نعيم ، عن المغيرة بن شعبة قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فقضى حاجته وتوضأ ، ومسح على خفيه ، قلت يا رسول الله : نسيت قال : بل أنت نسيت ، بهذا أمرني ربي .

وحدثنا عبد الله قال : حدثنا أحمد بن جعفر قال : حدثنا عبد الله بن أحمد قال : حدثني أبي قال : حدثنا محمد بن عبيد [ ص: 142 ] قال : حدثنا بكير بن عبد الرحمن بن أبي نعيم قال : حدثنا المغيرة بن شعبة : أنه سافر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث ، وفيه وتوضأ ، ومسح على خفيه فقلت : يا نبي الله نسيت ، لم تخلع خفيك قال : كلا بل أنت نسيت ، بهذا أمرني ربي .

وقد احتج بعض من لم ير المسح في الحضر بحديث شريح بن هانئ أنه سأل عائشة عن المسح على الخفين فقالت له : سل عليا ، فإنه كان يغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

ولم ينعم النظر من احتج بهذا أو سامح نفسه في احتجاجه ببعض الحديث ، وترك بعضه .

وفي هذا الحديث المسح بالحضر والسفر ، والتوقيت في ذلك أيضا ، فكيف يسوغ لعاقل أن يحتج بحديث موضع الحجة منه عليه لا له .

أخبرنا عبد الوارث بالسعي حدثنا قاسم حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، عن الحكم بن القاسم بن مخيمرة ، عن شريح بن هانئ قال : سألت عائشة رضي الله عنها عن المسح على الخفين فقالت : اسألوا علي بن أبي طالب فإنه كان يغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته فقال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر ، ويوما وليلة للمقيم .

[ ص: 143 ] وكذلك رواه أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن الحكم بهذا الإسناد مرفوعا .

وكذلك رواه المقدام بن شريح ، عن أبيه مرفوعا ، ومن رفعه أحفظ ، وأثبت ، وأرفع ممن وقفه ، على أن توقيفه عندي فتيا به ، واستعمال له فكيف يكون قدحا فيه .

وحدثنا خالد بن سعيد قال : حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا أحمد بن خالد قال : حدثنا علي بن عبد العزيز قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ابن عمر قال : لا يحيكن في صدر امرئ المسح على الخفين ، وإن جاء من الغائط ، فإني كنت من أشد الناس في المسح .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو قال : وحدثني عبد الله بن نافع ، عن داود بن قيس ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أسامة بن زيد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل دار رجل فتوضأ ، ومسح على خفيه .

قال ابن وضاح : قلت لأبي علي عبد العزيز بن عمران بن مقلاص : أمسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خفيه في الحضر ؟ قال : نعم ثم حدثني بهذا الحديث ، عن الشافعي عبد الله بن نافع بإسناد مثله .

[ ص: 144 ] قال ابن وضاح ، وقال لي أبو مصعب : دار رجل بالمدينة ، وقال لي زيد بن بشر ، عن ابن وهب قد مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسفر ، والحضر اهـ .

قال أبو عمر :

حديث ابن نافع هذا معروف عند أهل المدينة ، ومصر ، رواه ثقات الفقهاء ، حدثنا محمد بن محمد بن نصر ، ومحمد بن إبراهيم بن سعد ، وخلف بن أحمد قالوا : حدثنا أحمد بن مطرف قال : حدثنا سعيد بن عثمان ، وسعيد بن جبير قالا : حدثنا محمد بن عبد الله بن الحكم قال : أنبأنا عبد الله بن نافع قال : أنبأنا داود بن قيس ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أسامة بن زيد قال : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسواف ، فذهب لحاجته ثم خرج قال أسامة : فسألت بلالا : ما صنع ؟ قال : ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاجته ثم توضأ فغسل وجهه ، ويديه ، ومسح برأسه ، ومسح على الخفين .

قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : هذا صحيح في المسح بالحضر ، والأسواف موضع بالمدينة .

وأخبرني عبد الله بن محمد بن أسد قال : حدثنا حمزة بن محمد الكناني قال : حدثنا أحمد بن شعيب قال : حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم ، وسليمان بن داود ، عن ابن نافع ، عن [ ص: 145 ] داود بن قيس ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أسامة بن زيد فذكر الحديث مثله سواء .

وأخبرنا أحمد بن قاسم ، ويعيش بن سعيد قالا : حدثنا محمد بن معاوية قال : حدثنا محمد بن الحسين بن مرداس قال : حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا عبد الله بن نافع ، عن داود بن قيس ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أسامة بن زيد قال : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبلال بالأسواف قال : فذهب لحاجته ثم خرجا قال أسامة : فسألت بلالا : ما صنع ؟ فقال بلال : ذهب عليه السلام لحاجته ثم توضأ فغسل وجهه ، ويديه ، ومسح برأسه ، ومسح الخفين .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو خيثمة قال : حدثنا عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة بن اليمان قال : كنت أمشي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، فانتهى إلى سباطة قوم ، فبال قائما ، فتنحيت فدعاني ، فجئت فأتى بماء فتوضأ ، ومسح على الخفين .

قال ابن وضاح هكذا قال عيسى بن يونس : بالمدينة ، وخالفه أصحاب الأعمش : أبو معاوية ، ووكيع ، وسفيان ، وجرير لا يقولون بالمدينة ، قال ابن وضاح : والسباطة : المزبلة ، والمزابل لا تكون إلا في الحضر - والله أعلم - .

[ ص: 146 ] قال أبو عمر :

عيسى بن يونس ثقة حافظ ليس يرويه غيره ، وقد زاد ما حذفه غيره ، وزيادة مثله واجب قبولها ، وليس في الأصول ما يدفع ما جاء به بل الناس عليه اهـ .

واختلف الفقهاء في كيفية المسح على الخفين ، فقال مالك ، والشافعي : يمسح ظهورهما وبطونهما ، وهو قول ابن عمر ، وابن شهاب ، ذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج قال : قال لي نافع : رأيت ابن عمر يمسح على ظهورهما وبطونهما

قال : وأخبرنا معمر ، عن الزهري : أنه كان إذا توضأ على خفيه يضع إحدى يديه فوق الخف ، والأخرى تحت الخف ، وذكر مالك ، عن ابن شهاب أنه سئل عن كيفية المسح على الخفين ، فأجابه بنحو ما حكاه عنه معمر .

وقال مالك والشافعي : إن مسح ظهورهما دون بطونهما أجزأه ، إلا أن مالكا قال : من فعل ذلك يعيد في الوقت قال : ومن مسح باطن الخفين دون ظاهرهما لم يجزه ، وكان عليه الإعادة في الوقت ، وبعده عند مالك وجميع أصحابه ، إلا شيئا روي عن أشهب أنه قال : باطن الخفين وظاهرهما سواء ( ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما أعاد في الوقت كمن مسح ظهورهما سواء ) .

وقال عبد الله بن نافع : من مسح ظهورهما ولم يمسح بطونهما أعاد في الوقت ، وبعده .

[ ص: 147 ] والمشهور من قول الشافعي أن من مسح ظهورهما ، واقتصر على ذلك أجزأه ، ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما لم يجزه ، وليس بماسح ، مثل قول مالك سواء .

وله قول آخر مثل قول أشهب إن مسح بطونهما ، ولم يمسح ظهورهما أجزأه .

والصحيح في مذهبه أن أعلى الخف يجزئ عن أسفله ، ولا يجزئ مسح أسفله ، وتمام المسح عنده أن يمسح أعلى الخف وأسفله ، وحجة مالك والشافعي في مسح أعلى الخف وأسفله ما حدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المومن قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا ثور ، عن رجاء بن حيوة ، عن كاتب المغيرة بن شعبة ، عن المغيرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمسح أعلى الخف وأسفله .

وقال أبو بكر الأثرم : سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال : ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فذكر عن ابن المبارك ، عن ثور قال : حدثت عن رجاء بن حيوة ، عن كاتب المغيرة ، وليس فيه المغيرة ، وهذا إفساد لهذا الحديث بما ذكر من الإخلال في إسناده .

وقد حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا ابن أبي دليم قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا الحكم بن موسى قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن ثور بن يزيد ، عن رجاء بن حيوة ، عن كاتب [ ص: 148 ] المغيرة : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يمسح أعلى الخفين وأسفلهما .

وذكر ابن وهب ، عن أسامة بن زيد ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يمسح أعلاهما ، وأسفلهما .

وحدثنا سعيد حدثنا ابن أبي دليم حدثنا ابن وضاح حدثنا موسى بن معاوية حدثنا حماد بن خالد الخياط ، عن فرج بن فضالة ، عن محمد بن الوليد يعني الزبيري ، عن ابن شهاب قال : إنما هما بمنزلة رجليك ما لم تخلعهما .

وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا محمد بن عمرو ، عن مصعب ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يمسح ظهور خفيه وبطونهما .

وحدثنا سعيد بن نصر حدثنا ابن أبي دليم حدثنا ابن وضاح حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي حدثني أبي ، عن محمد بن مهاجر ، عن أخيه عمرو بن مهاجر : تضع يدك اليمنى على ظاهر الخف ، واليسرى على باطنه ، قيل لابن وضاح : من كلتا رجليه قال : نعم تكون اليسرى من تحت الخف في كلتيهما .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري : يمسح ظاهر الخفين دون باطنهما ، وقد قاله أحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وجماعة ، وهو قول قيس بن سعيد ، وابن عبادة ، وقول الحسن البصري ، وعروة بن الزبير ، وعطاء بن أبي رباح ، وغيرهم .

[ ص: 149 ] وحجة من قال بهذا القول : ما حدثناه سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال : حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا أبو السوداء عمر النهدي ، عن ابن عبد خير ، عن أبيه قال : رأيت علي بن أبي طالب يمسح على ظهور قدميه ، ويقول : لولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح ظهورهما لظننت أن بطونهما أحق .

قال الحميدي : هذا منسوخ .

قال أبو عمر :

من أهل العلم من يحمل هذا على المسح على ظهور الخفين ، ويقول : معنى ذكر القدمين هاهنا أن يكونا مغيبين في الخفين فهذا هو المسح الذي ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله .

وأما المسح على القدمين فلا يصح عنه بوجه من الوجوه ، ومن قال : إن هذا الحديث على ظاهره جعله منسوخا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ويل للأعقاب من النار اهـ .

وسنذكر أقاويل العلماء في ذلك ، والحجة لهذا القول عند ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - : ويل للأعقاب من النار في مرسلات مالك إن شاء الله تعالى .

والذي تأولته في حديث علي هذا أنه أراد بذكر القدمين إذا كانا في الخفين قد جاء منصوصا من طريق جيد ، أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص بن غياث حدثنا الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن عبد خير ، عن علي [ ص: 150 ] قال : لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه ، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على ظاهر خفيه ذكره أبو داود هكذا من وجوه .

ومن حجة من قال بمسح أعلا الخفين دون أسفلهما أيضا ; ما حدثناه عبد الله بن محمد بن يحيى قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : حدثنا إبراهيم بن أبي العباس قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبي الزناد ، عن عروة قال : قال المغيرة بن شعبة : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح ظهري الخفين .

وهذا أيضا منقطع ليس فيه حجة ، واختلفوا في توقيت المسح على الخفين ، فقال مالك والليث بن سعد : لا وقت للمسح على الخفين ، ومن لبس خفيه وهو طاهر مسح ما بدا له ، قال مالك والليث : المقيم والمسافر في ذلك سواء .

وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعقبة بن عامر ، وعبد الله بن عمر ، والحسن البصري .

روى حماد بن سلمة ، عن محمد بن زياد ، عن زيد بن أبي الصلت قال : سمعت عمر يقول : إذا توضأ أحدكم ثم لبس الخفين ثم أحدث فليمسح عليهما إن شاء ، ولا يخلعهما إلا من جنابة .

[ ص: 151 ] قال حماد بن سلمة : وحدثنا عبد الله بن عمر أن عمر كان لا يجعل للمسح على الخفين وقتا .

ذكر ابن وهب ، عن أبي لهيعة ، وعمرو بن الحارث بن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الله بن الحكم البلوي أنه سمع علي بن رباح يخبر عن عقبة بن عامر الجهني قال : قدمت على عمر بن الخطاب بفتح من الشام ، وعلي خفان ، فنظر إليهما ثم قال : كم لك منذ لم تنزعهما ؟ قال : فقلت لبستهما يوم الجمعة ، واليوم الجمعة ثمان قال : أصبت .

قال ابن وهب : وحدثنا عبد الجبار بن عمر قال : قلت لابن شهاب : المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن ؟ ، وللمقيم يوم وليلة ؟ قال ابن شهاب : قد طلبنا ذلك فلم نجد أحدا يوقت لهما وقتا اهـ .

وقال ابن وهب ، وحدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه قال : لا أعلم للمقيم أجلا ، قال ابن وهب : وحدثنا عبد الله بن عمر بن حفص قال : سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول : ليس لمسح الخفين عندنا وقت .

قال ابن وهب : وسمعت مالكا يقول : ليس عند أهل بلادنا في ذلك وقت ، قال مالك : يمسح عليهما ما لم ينزعهما قال : وقال ابن وهب : وهذا رأيي الذي آخذ به اهـ .

ذكر عبد الرزاق ، عن عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : امسح على الخفين ما لم تخلعهما لا توقت [ ص: 152 ] وقتا قال : وأخبرنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن الحسن مثله .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، والأوزاعي ، والحسن بن حي ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وداود ، والطبري للمقيم يوم وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن .

وقد روي عن مالك في رسالته إلى هارون ، أو بعض الخلفاء التوقيت ، وأنكر ذلك أصحابه ، وروي التوقيت في المسح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه كثيرة .

منها ما رواه شعبة ، عن الحكم ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن شريح بن هانئ ، عن علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

ومنها حديث خزيمة بن ثابت ، وصفوان بن عسال ، وأبي بكرة ، وغيرهم ، وروى معمر ، وغيره عن يزيد بن أبي زياد ، عن زيد بن وهب الجهني قال : كنا بأذربيجان فكتب إلينا عمر بن الخطاب أن نمسح على الخفين ثلاثا إذا نحن سافرنا ، وليلة إذا نحن أقمنا .

وذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن نباتة الجعفي ، ) عن عمر قال : للمسافر ثلاثة أيام ، وللمقيم يوم وليلة .

وذكر ابن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث ، عن أشعب ، عن سويد بن غفلة ، عن عمر قال : للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمقيم يوم وليلة .

[ ص: 153 ] وروي عن عمر مثله من وجوه كثيرة غير هذه فيها ضعف .

وذكر عبد الرزاق وغيره ، عن ابن المبارك قال : حدثني عاصم بن سليمان ، عن أبي عثمان قال : حضرت سعدا ، وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين فقال عمر : يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يوم وليلة ، وثبت التوقيت عن علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وحذيفة ، وابن مسعود من وجوه .

وأكثر التابعين والفقهاء على ذلك ، وهو الاحتياط عندي ; لأن المسح ثبت بالتواتر ، واتفق عليه أهل السنة والجماعة ، واطمأنت النفس إلى اتفاقهم .

فلما قال أكثرهم : إنه لا يجوز المسح للمقيم أكثر من خمس صلوات يوم وليلة ، ولا يجوز للمسافر أكثر من خمس عشرة صلاة ثلاثة أيام ولياليها ، فالواجب على العالم أن يؤدي صلاته بيقين ، واليقين الغسل حتى يجمعوا على المسح ، ولم يجمعوا فوق الثلاث للمسافر ، ولا فوق اليوم للمقيم .

وقد اختلف أهل التوقيت في شيء من حدود التوقيت ، ومراعاة الحدث ، وعدد الصلوات ، والذي ذكرت لك أولى ما ذهبوا إليه من ذلك ، وبالله التوفيق اهـ .

قرأت على عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا بكر بن حماد قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى يعني القطان ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن شريح بن هانئ قال : سألت عائشة عن المسح على الخفين ، فقالت : سل علي بن أبي طالب فإنه كان يسافر مع [ ص: 154 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فسألت عليا فقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : يوم وليلة للمقيم ، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر .

وذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن عمرو بن قيس ، عن الحكم بن عتيبة ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن شريح بن هانئ مثله سواء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

ورواه عن القاسم بن مخيمرة جماعة ، وذكر معمر ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش قال : أتيت صفوان بن عسال المرادي فقال : ما حاجتك ؟ قلت : جئت ابتغاء العلم قال : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما من خارج يخرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع قال : قلت جئت أسألك عن المسح على الخفين قال : نعم كنت في الجيش الذي بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهور ثلاثا إذا سافرنا ، وليلة إذا أقمنا ، ولا نخلعهما من غائط ، ولا بول ، ولا نوم ، ولا نخلعهما إلا من جنابة .

ورواه الثوري ، وابن عيينة ، وحماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، وغيرهم ، عن عاصم بن أبي النجود بإسناده مثله في المسح على الخفين مرفوعا ، وحدثنا إبراهيم بن شاكر قال : حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال : حدثنا إسحاق بن محمد بن حمدان قال : حدثنا زكرياء بن يحيى الساجي قال : حدثنا بندار ، وابن المثنى قالا : حدثنا عبد الوهاب قال : حدثنا المهاجر مولى أبي بكرة ، عن [ ص: 155 ] عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت ثلاثا للمسافر ، ويوما وليلة للمقيم في المسح على الخفين .

قال
أبو يحيى الساجي : مهاجر أبو مخلد هذا صدوق ، ومعروف ، وليس قول من قال فيه : مجهول بشيء ، روى عنه أيوب السختياني ، وعوف الأعرابي ، وحماد بن زيد ، وإسماعيل بن علية ، وعبد الوهاب الثقفي ، وغيرهم ، واحتج به الشافعي في توقيت المسح على الخفين .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال : حدثنا علي بن المديني قال : حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال : حدثنا المهاجر ، وهو أبو مخلد مولى أبي بكرة ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه أرخص للمسافر ثلاثة أيام ، وللمقيم يوما وليلة ، إذا تطهر ولبس خفيه أن يمسح عليهما .

وقرأت على سعيد بن نصر أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال : حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا منصور ، عن إبراهيم التيمي ، عن عمرو بن ميمون الأودي ، عن أبي عبد الله الجدلي ، عن خزيمة الأنصاري قال : رخص لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ، ويوما وليلة للمقيم ، ولو استزدناه زادنا .

واختلف الفقهاء في الخف المخرق هل يمسح عليه ؟ فقال مالك ، وأصحابه : يمسح إذا كان الخرق يسيرا ، ولم يظهر منه القدم ، وإن ظهر منه القدم لم يمسح .

[ ص: 156 ] وقال ابن خويز منداد : معناه أن يكون الخرق لا يمنع من الانتفاع به ، ومن لبسه ، ويكون مثله يمشى فيه ، وينتفع به .

وبمثل قول مالك في ذلك قال الثوري ، والشافعي ، والطبري على اختلاف عنهم في ذلك .

وقد روي عن الثوري والطبري إجازة المسح على الخف المخرق جله ، وأما اليسير من الخرق فمتجاوز عنه عند الجمهور منهم .

وقد روي عن الشافعي فيه تشديد ، قال الشافعي : إذا كان الخرق في مقدم الرجل فلا يجوز أن يمسح عليه إذا بدا منه شيء ، وقال الأوزاعي : يمسح على الخف ، وعلى ما ظهر من القدم ، وهو قول الطبري .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : إذا كان ما ظهر من الرجل أقل من ثلاثة أصابع مسح ، ولا يمسح إذا ظهرت ثلاث .

وقال الحسن بن حي : يمسح على الخف إذا كان ما ظهر منه يغطيه الجورب ، فإن ظهر شيء من القدم لم يمسح اهـ .

قال أبو عمر :

هذا على مذهبهم في المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين ، وهو قول الثوري ، وأبي يوسف ، ومحمد .

ولا يجوز المسح على الجوربين ، عن أبي حنيفة ، والشافعي إلا أن يكونا مجلدين .

[ ص: 157 ] وهو أحد قولي مالك ، ولمالك قول آخر : أنه لا يجوز المسح على الجوربين ، وإن كانا مجلدين .

واختلف فيمن نزع خفيه ، وقد مسح عليهما ، فقال أبو حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهما : إذا كان ذلك غسل قدميه ، وقال مالك مثل ذلك ، إلا أنهما قالا : إن غسلهما مكانه أجزأه ، وإن أخر غسلهما استأنف الوضوء .

وقال الحسن بن حي : إذا خلع خفيه أعاد الوضوء من أوله ، ولم يفرق بين تراخي الغسل وغيره .

وقال ابن أبي ليلى : إذا نزع خفيه بعد المسح صلى كما هو ، وليس عليه غسل رجليه ، ولا استيناف الوضوء ، وروي عنه أنه يغسل رجليه خاصة .

وعن إبراهيم النخعي في ذلك ثلاث روايات : إحداها : أنه لا شيء عليه مثل قول ابن أبي ليلى ، والحسن البصري ، والثانية : أنه يعيد الوضوء ، والثالثة : أنه يغسل قدميه .

واختلفوا فيما إذا غسل إحدى رجليه عند لبس خفه ثم غسل الأخرى ، ولبس الخف الآخر ، هل يمسح عليهما إن أحدث ؟ فقال مالك : لا يمسح عليهما ، وبذلك قال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وحجتهم في ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث المغيرة بن شعبة من رواية الشعبي ، عن عروة بن المغيرة ، عن المغيرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له حين أهوى لينزع خفيه : دع الخفين فإني أدخلت القدمين فيهما ، وهما طاهرتان .

[ ص: 158 ] وقول عمر بن الخطاب : إذا أدخلت رجليك في الخفين ، وهما طاهرتان فامسح عليهما ، وإن جئت من الغائط .

قالوا : فلا يمسح على خفيه إلا من لبسهما بعد تمام طهارته .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، والمزني ، والطبري ، وداود : يجزيه أن يمسح .

قالوا : ولا فرق بين أن لا يمسح لابس خفيه حتى يتم غسل رجليه ، وبين أن يغسل رجلا ، ويلبس فيها خفا ثم يغسل رجله الأخرى ، ويلبس الخف الثانية ; لأن الأمر في ذلك سواء .

قالوا : وقد يقاس بأبعد من هذا ، وحسب كل رجل أنها لم تلبس الخف إلا وهي طاهرة بطهر الوضوء ، وقد أجمعوا أنه لو نزع خفه ثم أعادها كان له أن يمسح اهـ .

قال أبو عمر :

قد بقيت أشياء من مسائل المسح لو تقصيناها خرجنا عن شرطنا في تأليفنا ، وبالله توفيقنا .

وفي هذا الحديث أيضا من الفقه : أنه من فاته شيء من صلاته مع الإمام صلى معه ما أدرك ، وقضى ما فاته ، وهذا أمر مجمع عليه .

[ ص: 159 ] وفيه : أن الرجل العالم الخير الفاضل جائز له أن يأتم في صلاته بمن هو دونه .

وأن إمامة المفضول جائزة بحضرة الفاضل إذا كان المفضول أهلا لذلك .

ولا أعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى خلف أحد من أمته إلا خلف عبد الرحمن بن عوف ، واختلف في صلاته خلف أبي بكر .

أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثنا أبي قال : حدثنا إسماعيل قال : حدثنا أيوب ، عن محمد ، عن عمرو بن وهب الثقفي قال : كنا مع المغيرة بن شعبة فسئل : هل أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد من هذه الأمة غير أبي بكر ؟ فقال : نعم كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فلما كان من السحر ضرب عنق راحلتي فظننت أن له حاجة ، فعدلت معه فانطلقنا حتى إذا برزنا عن الناس ، فنزل عن راحلته ثم انطلق فتغيب عني حتى ما أراه ، فمكث طويلا ثم جاء فقال : حاجتك يا مغيرة قلت : ما لي حاجة ، فقال : هل معك ماء ؟ فقلت : نعم فقمت إلى قربة أو سطحية معلقة في آخر الرحل فأتيت بماء فصببت عليه ، فغسل يديه فأحسن غسلهما قال : وأشك أقال : أدلكهما بتراب أم لا ؟ ثم غسل وجهه ثم ذهب يحسر عن يديه ، وعليه جبة [ ص: 160 ] شامية ضيقة الكمين ، فضاقت فأخرج يديه من تحتها إخراجا ، فغسل وجهه ويديه قال : فيجيء في هذا الحديث غسل الوجه مرتين فلا أدري أهكذا أم لا ؟ ثم مسح بناصيته ، ومسح على العمامة ، ومسح على الخفين ، فأدركنا الناس ، وقد أقيمت الصلاة ، وتقدمهم عبد الرحمن بن عوف ، وقد صلى بهم ركعة ، وهم في الثانية ، فذهبت أوذنه فنهاني فصلينا الركعة التي أدركنا ، وقضينا الركعة التي سبقتنا .

حدثنا محمد بن زكريا قال : حدثنا أحمد بن سعيد قال : حدثنا أحمد بن خالد قال : حدثنا مروان بن عبد الملك قال : حدثنا أبو حاتم الأصمعي حدثنا معتمر بن سليمان قال : كان أبي لا يختلف عليه في شيء من الدين إلا أخذ بأشده إلا المسح على الخفين ، فإنه كان يقول : هو السنة ، واتباعها أفضل .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا عبد الله بن أبي حسان قال : حدثنا الفضيل بن عياض ، عن المغيرة بن مقسم ، عن إبراهيم النخعي قال : من ترك المسح على الخفين فقد ترك سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وإني لأحسب ترك ذلك من فعل الشيطان .

وذكر ابن أبي شيبة قال : أنبأنا هشيم قال : أنبأنا المغيرة ، عن إبراهيم قال : مسح أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 161 ] على الخفين ، فمن ترك ذلك رغبة عنهم ، فإنما هو من الشيطان .

قال أبو بكر : وأخبرنا جرير ، عن مغيرة قال : كان إبراهيم في سفر ، فأتى عليهم يوم حار فقال : لولا خلاف السنة لتركت الخفين .

التالي السابق


الخدمات العلمية