التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
500 [ ص: 188 ] [ ص: 189 ] حديث سادس لأبي الزبير .

مالك عن أبي الزبير المكي ، 0 عن طاوس ، عن ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل يقول : اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ، ولك الحمد أنت قيام السماوات والأرض ، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن ، أنت الحق ، وقولك الحق ، ووعدك الحق ، ولقاؤك الحق ، والنار حق ، والساعة حق ، اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنيب ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ، فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت ، أنت إلهي لا إله إلا أنت .


وفي هذا الحديث ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المداومة على قيام الليل والإخبات عند قيامه ، [ ص: 190 ] والدعاء والتضرع والإخلاص والثناء على الله - عز وجل - بما هو أهله ، والإقرار بوعده ووعيده والتسليم والابتهال ، وفيه - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الحسنة فطوبى لمن وفق وأعين على ذلك .

وقد روى هذا الحديث بعض من جمع حديث مالك فذكره عن مالك ، عن أبي الزبير ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، وذلك خطأ ، والحديث صحيح لمالك عن أبي الزبير عن طاوس ، عن ابن عباس كما رواه يحيى ، وسائر رواة الموطأ لا يختلفون في ذلك فيما علمت ، وليس في هذا الحديث معنى يشكل إن شاء الله .

وأما قوله : أنت قيام السماوات والأرض فقيام وقيوم وقيم بمعنى واحد ، وهو الدائم الذي لا يزول ، وقيام فيعال وقيوم فيعول وقيم فيعل ، وأما الرب فمعلوم عند الناس أنه المالك ، سبحان ملك الدنيا والآخرة وملكهما ونورهما ، قوله الحق ، لأن الله هو الحق المبين ، وقد قال : فالحق والحق أقول .

وأما الإقرار بالجنة والنار فواجب مجتمع عليه ، ألا ترى أن ذلك مما يكتب في صدور الوصايا مع الشهادة بالتوحيد وبالنبي [ ص: 191 ] - صلى الله عليه وسلم - وقد قرئت " الحي القيوم والحي القيام " ، وفي مصحف ابن مسعود " القيم " وكل ذلك حسن .

وأما قوله : وإليك أنبت ، فالإنابة الرجوع إلى الخير ، ولا يكون الرجوع إلى الشر إنابة ، قال الله - عز وجل - : وأنيبوا إلى ربكم أي : عودوا إلى ما يرضى به عنكم من التوبة .

وأما قوله : اللهم لك أسلمت ، فمعناه استسلمت لحكمك وأمرك وسلمت ورضيت وآمنت وصدقت واستيقنت والله أعلم .

وقد مضى معنى الإسلام والإيمان في باب ابن شهاب عن سالم والحمد لله .

وروى هذا الحديث سفيان بن عيينة عن سليمان الأحول ، عن طاوس ، عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ، وطاوس يكنى أبا عبد الرحمن ، وهو من جلة التابعين دينا وورعا وفضلا وعلما ، وهو طاوس بن كيسان ، ويقال : طاوس بن أبي حنيفة مولى يحيى بن ريسان الحميري اليماني ، يقال إنه لم ينفرد أحد بابن عباس من أصحابه غير طاوس ، كان له منه مجلس خاص ، وكان يواظب مجلسه مع العامة ، ومات طاوس بمكة [ ص: 192 ] قبل التروية بيوم سنة ست ومائة ، وهو ابن بضع وتسعين سنة ، وصلى عليه هشام بن عبد الملك وهو خليفة كان حج في ذلك العام .

حدثنا أحمد بن محمد ، حدثنا أحمد بن الفضل الدينوري ، حدثنا محمد بن يوسف الهروي ، حدثنا أحمد بن المعلى الأسدي ، حدثنا الوليد بن يزيد - يعرف بابن أبي طلحة - قال : حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن ابن شوذب قال : شهدت جنازة طاوس بمكة سنة ست ومائة ، فسمعتهم يقولون : يرحم الله أبا عبد الرحمن حج أربعين حجة .

التالي السابق


الخدمات العلمية