التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
832 [ ص: 99 ] حديث رابع لأبي الأسود . مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن ، عن عروة بن الزبير ، عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أنها قالت : شكوت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني أشتكي فقال : طوفي من وراء الناس ، وأنت راكبة ، قالت : فطفت راكبة بعيري ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ يصلي إلى جانب البيت ، وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور .


( قال أبو عمر : ) هذا ( ما ) لا خلاف فيه بين أهل العلم كلهم يقول : إن من كان له عذر أو اشتكى مرضا أنه جائز له الركوب في طوافه بالبيت ، وفي سعيه بين الصفا ، والمروة ، واختلفوا في جواز الطواف راكبا لمن لم يكن له عذر أو مرض على ما ذكرنا عنهم في باب جعفر بن محمد ، من [ ص: 100 ] كتابنا هذا فلا حاجة لإعادته هاهنا ، وكلهم يكره الطواف راكبا للصحيح الذي لا عذر له ، وفي ذلك ما يبين أن طواف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راكبا في حجته إن صح ذلك عنه كان لعذر ، والله أعلم . وقد أوضحنا ذلك ، ومضى القول فيه هناك ، وبالله العصمة والتوفيق . وفي هذا الحديث أيضا من الفقه أن النساء في الطواف يكن خلف الرجال كهيئة الصلاة ، وفيه الجهر بالقراءة في التطوع بالنهار ، وقد قيل : إن طواف أم سلمة كان سحرا ، وقد ذكرنا الاختلاف في رميها ذلك اليوم ، وطوافها بعده فيما سلف من كتابنا هذا في باب ابن شهاب عن عيسى بن طلحة ، والحمد لله . وفيه إباحة دخول البعير المسجد ، وذلك والله أعلم ; لأن بوله طاهر ، ولو كان بوله نجسا لم يكن ذلك ; لأنه لا يؤمن منه أن يبول . وقيل : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما صلى إلى جانب البيت يومئذ من أجل أن المقام كان حينئذ ملصقا بالبيت قبل أن ينقله عمر بن الخطاب من ذلك المكان إلى الموضع الذي هو به اليوم من صحن المسجد . [ ص: 101 ] قال أبو عمر : ما أدري ( ما ) وجه هذا القول ; لأن جعفر بن محمد روى عن أبيه عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما طاف في حجته أتى المقام ، فصلى عنده ركعتين ، ثم أتى الحجر فاستلمه ، ثم خرج إلى الصفا فبدأ منها بالسعي . وقد ذكرنا هذا الحديث من طرق في باب بلاغات مالك من هذا الكتاب ، والوجه عندي في صلاته إلى جانب البيت ; لأن البيت كله قبلة ، وحيثما صلى المصلي منه إذا جعله أمامه كان جائزا ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية