التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1551 [ ص: 385 ] حديث رابع وأربعون لنافع ، عن ابن عمر

مالك ، عن نافع ، عن عبيد الله بن عمر أن اليهود جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا أن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال : لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم فقالوا : نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام : كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم ثم قرأ ما قبلها وما بعدها فقال عبد الله بن سلام : ارفع يدك ، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا : صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجما . قال عبد الله بن عمر : فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة .


[ ص: 386 ] قال أبو عمر : هكذا قال يحيى : عند أكثر شيوخنا يحني على المرأة ، وكذلك قال القعنبي ، وابن بكير بالحاء ، وقد قيل عن كل واحد منهما : يجني بالجيم ، وقال أيوب : عن نافع يجافي عنها بيده ، وقال معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر يجافي بيده ، والصواب فيه عند أهل اللغة يجنأ عن المرأة بالهمز أي يميل عليها يقال : منه جنأ يجنأ جنأ وجنوءا إذا مال ، والأجنأ المنحني ويجنأ ويتجنى بمعنى واحد .

وفي هذا الحديث من الفقه سؤال أهل الكتاب عن كتابهم ، وفي ذلك دليل على أن التوراة صحيحة بأيديهم ولولا ذلك ما سألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( عنها ) ، ولا دعا بها ، وفيما ذكرنا دليل على أن الكتاب الذين كانوا يكتبونه بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله هي كتب أحبارهم وفقهائهم ورهبانهم كانوا يصنعون لهم كتبا من آرائهم وأهوائهم ويضيفونها إلى الله عز وجل ، ولهذا وشبهه من إشكال أمرهم نهينا عن التصديق بما حدثونا به وعن التكذيب بشيء [ ص: 387 ] من ذلك لئلا نصدق بباطل أو نكذب بحق وهم قد خلطوا ، ومن صح عنده شيء من التوراة بنقل مثل ابن سلام ، وغيره من أحبار اليهود الذين أسلموا جاز له أن يقرأه ويعمل بما فيه إن لم يكن مخالفا لما في شريعتنا من كتابنا وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - . ألا ترى إلى قول عمر بن الخطاب حين قال لكعب إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران بطور سيناء فاقرأها آناء الليل ، وآناء النهار ، وقد أفردنا لهذا المعنى بابا في كراهية مطالعة كتب أهل الكتاب ( ذكرناه في آخر ) كتاب العلم يشفي الناظر فيه إن شاء الله .

وفي هذا الحديث أيضا دليل على أنهم كانوا يكذبون على توراتهم ويضيفون كذبهم ذلك إلى ربهم وكتابهم ، لأنهم قالوا : إنهم يجدون في التوراة أن الزناة يفضحون ويجلدون محصنين كانوا بالنكاح أو غير محصنين ، وفي التوراة غير ذلك من رجم الزناة المحصنين .

وفيه دليل على أن شرائع من قبلنا شرائع لنا إلا بما ورد في القرآن ، أو في سنة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - نسخه وخلافه ، وإنما يمنعنا من مطالعة التوراة ، لأن اليهود الذين بأيديهم التوراة غير مؤتمنين عليها إنما غيروا وبدلوا منها ، ومن علم منها ما قال ابن عمر لكعب الأحبار جاز له مطالعتها . [ ص: 388 ] وفيه دليل على ما اليهود عليه من الخبث ، والمكر ، والتبديل ، وفيه إثبات الرجم ، والحكم به على الثيب الزاني وهو أمر أجمع أهل الحق وهم الجماعة أهل الفقه ، والأثر عليه ، ولا يخالف فيه من يعده أهل العلم خلافا ، وقد ذكرنا المعنى الذي اختلف فيه أهل العلم منه في باب ابن شهاب ، عن عبيد الله وذلك الجلد مع الرجم ، وجمعهما على الثيب فلا معنى لإعادة شيء من ذلك هاهنا .

وفيه أن أهل الكتاب ، وسائر أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا ورضوا بحكم حاكمنا حكم بينهم بما في شريعتنا كان ذلك موافقا لما عندهم ، أو مخالفا ، وأنزلهم في الحكم منزلتنا ، وعلى هذا عندنا كان حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرجم على اليهوديين ، لأنه قد رجم ماعزا ، وغيره من المسلمين ومعلوم أنه إنما رجم من رجم من المسلمين بأمر الله وحكمه ، لأنه كان لا ينطق عن الهوى ، ولا يتقدم بين يدي الله ، وإنما يحكم بما أراه الله فوافق ذلك ما في التوراة ، وقد كان عنده بذلك علم فلذلك سألهم عنه - والله أعلم - .

واختلف أهل العلم في أهل الذمة إذا ترافعوا إلينا في خصوماتهم ، وسائر مظالمهم وأحكامهم هل علينا أن نحكم بينهم فرضا واجبا أم نحن في ذلك مخيرون فقال جماعة من علماء الحجاز ، والعراق إن الإمام ، والحاكم مخير [ ص: 389 ] إن شاء حكم بينهم بحكم الله علينا إذا تحاكموا إلينا ، وإن شاء ردهم إلى حاكمهم لقول الله عز وجل : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) ‎ .

وممن قال ذلك مالك ، والشافعي في أحد قوليه وهو قول عطاء ، والشعبي ، والنخعي ذكره عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، وذكره وكيع ، عن سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، والشعبي ، وجملة مذهب مالك في هذا الباب أن ترك الحكم بين أهل الذمة أحب إليه ويردون إلى أهل دينهم ، وإن حكم بينهم إذا تحاكموا إليه حكم بحكم الإسلام وهو مخير في ذلك إن شاء نظر ، وإن شاء لم ينظر ، ولا يعرض لهم في تعاملهم بالربا ، ولا في فساد بيع ولكن من امتنع منهم من دفع ثمن ، أو مثمون في البيع حكم بينهم ، لأن هذا من التظالم قال : والذين حكم بينهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا أهل ذمة ، وقال يحيى بن عمر : إذا رضي الذميان بحكمه أخبرهم بما يحكم به ، فإن رضياه حكم ، وإن أبى أحدهما ترك ، وإن كانا أهل ملتين حكم بينهما ولو كره ذلك أحدهما ، وقاله [ ص: 390 ] سحنون ، وذكر العتبي في كتاب السلطان من المستخرجة قال عيسى : قال ابن القاسم : إن تحاكم أهل الذمة إلى حكم المسلمين ورضيا به جميعا فلا يحكم بينهم إلا برضى من أساقفتهم ، فإن كره ذلك أساقفتهم فلا يحكم بينهم ، وإن رضي أساقفتهم بحكم الإسلام ، وأبى ذلك الخصمان أو أحدهما لم يحكم بينهم المسلمون ، وقال الشافعي : ليس للإمام الخيار في أحد من المعاهدين الذين يجري عليهم الحكم إذا جاءوه في حد لله وعليه أن يقيمه لقول الله ( وهم صاغرون ) قال المزني : هذا أشبه من قوله في كتاب الحدود لا يحدون إذا جاءوا إلينا في حد لله وأرفعهم إلى أهل دينهم قال الشافعي : وما كانوا يدينون به فلا يجوز حكمنا عليهم بإبطاله إذا لم يرتفعوا إلينا ، ولا يكشفوا عما استحلوا ما لم يكن ضررا على مسلم أو معاهد أو مستأمن غيرهم ، فإن جاءت امرأة منهم تستعدي بأن زوجها طلقها ، أو آلى منها حكمت عليه حكمي على المسلمين . ذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه قال : كتب محمد بن أبي بكر إلى علي يسأله عن مسلم زنا بنصرانية فكتب إليه أقم الحد على المسلم ورد النصرانية إلى أهل دينها قال عبد الرزاق وأخبرنا معمر ، عن ابن شهاب الزهري ، وذكره ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب بمعنى واحد قال : مضت أن يردوا في حقوقهم ودعاويهم ومعاملاتهم [ ص: 391 ] وموازينهم إلى أهل دينهم إلا أن يأتوا راغبين في حد فيحكم بينهم فيه بكتاب الله قال الله عز وجل ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) .

قال أبو عمر : وقال آخرون واجب عليه أن يحكم بينهم بما أنزل الله إذا تحاكموا إليه وزعموا أن قوله ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ) ناسخ للتخيير المذكور في الآية قبل هذا ، روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وهو قول الزهري وعمر بن عبد العزيز ، والسدي وأحد قولي الشافعي وقول أبي حنيفة ، وأصحابه إلا أن أبا حنيفة قال : إذا جاءت المرأة والزوج عليه أن يحكم بينهما بالعدل ، فإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم ، وقال أبو يوسف ومحمد وزفر بل يحكم ، وكذلك اختلف أصحاب مالك على هذين القولين إذا شكا أحد الزوجين الذميين ، وأبى صاحبه من التحاكم بينهما ، والمشهور من مذهب مالك في الذميين يشكو أحدهما ويأبى صاحبه من التحاكم عندنا أنا لا نحكم بينهما إلا بأن يتفقا جميعا على الرضا بحكمنا ، فإن كان ظلما ظاهرا منعوا من أن يظلم بعضهم بعضا ، وقد قال مالك وجمهور أصحابه في الذمي ، أو المعاهد ، أو المستأمن يسرق من مال ذمي أنه يقطع كما يقطع لو سرق من مال مسلم ، لأن ذلك من الخيانة فلا يقروا عليها ، ولا على التلصص [ ص: 392 ] قال أبو عمر : الصحيح في النظر عندي ألا يحكم بنسخ شيء من القرآن إلا ما قام عليه الدليل الذي لا مدفع له ، ولا يحتمل التأويل ، وليس في قوله عز وجل ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) دليل على أنها ناسخة للآية قبلها ، لأنها يحتمل معناها أن يكون ، ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) إن حكمت ‎ ( ولا تتبع أهواءهم ) فتكون الآيتان متدافعتين ، واختلف الفقهاء أيضا في اليهوديين الذميينذا زنيا هل يحدان أم لا فقال مالك : إذا زنى أهل الذمة ، أو شربوا الخمر فلا يعرض لهم الإمام إلا أن يظهروا ذلك في ديار المسلمين ويدخلوا عليهم الضرر فيمنعهم السلطان من الإضرار بالمسلمين قال : وإنما رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهوديين ، لأنه لم يكن لهم يومئذ ذمة وتحاكموا إليه ، وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : يحدان إذا زنيا كحد المسلم وهو أحد قولي الشافعي ، وقال في كتاب الحدود إن تحاكموا إلينا فلنا أن نحكم ، أو ندع ، فإن حكمنا حددنا المحصن بالرجم ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم يهوديين زنيا وجلدنا البكر مائة وغربناه عاما ، وقال في كتاب الجزية لا خيار للإمام ولا للحاكم إذا جاءوه في حد لله وعليه أن يقيمه عليهم لقول الله عز وجل : [ ص: 393 ] ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ، والصغار أن يجري عليهم حكم الإسلام ، وهذا القول اختيار المزني واختار غيره من أصحاب الشافعي القول الأول ، وقال الطحاوي حين ذكر قول مالك إنما رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهوديين ؛ لأنهم لم تكن لهم ذمة وتحاكموا إليه قال : ولو لم يكن واجبا عليهم لما أقامه النبي عليه السلام قال : وإذا كان من لا ذمة له قد حده النبي - صلى الله عليه وسلم - في الزنا فمن له ذمة أحرى بذلك قال : ولم يختلفوا أن الذمي يقطع في السرقة .

قال أبو عمر : إذا سرق الذمي من ذمي ، ولم يترافعوا إلينا فلا يعرض لهم عندنا ، وإن ترافعوا إلينا حكمنا بحكم الله فيهم ) ، لأن هذا من تظالمهم الذي يجب علينا المنع منه إذا رفع إلينا ، وإذا سرق ذمي من مسلم كان الحكم حينئذ إلينا فوجب القطع ، والحديث المشهور يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما رجم اليهوديين ؛ لأنهم تحاكموا إليه ، وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء في حد الإحصان الموجب للرجم في كتابنا هذا عند ذكر حديث ابن شهاب عن عبيد الله ، فلا وجه لإعادته [ ص: 394 ] هاهنا وكلهم يشترط في الإحصان الموجب للرجم - الإسلام ، هذا من شروطه عند جميعهم ، ومن رأى رجم أهل الذمة منهم إذا أحصنوا إنما رآه من أجل أنهم ( إذا ) تحاكموا إلينا لزمنا أن نحكم بينهم بحكم الله فينا ، وكذلك فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليهوديين المذكورين في هذا الحديث حين تحاكموا إليه ، وقالت طائفة ممن يرى أن قول الله عز وجل : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) ناسخ للآية قبلها ، معنى قوله ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) الآية ، قالوا : على الإمام إذا علم من أهل الذمة حدا من حدود الله أن يقيمه عليهم ، وإن لم يتحاكموا إليه ، لأن الله عز وجل يقول : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) ، ولم يقل إن تحاكموا إليك قالوا : والسنة تبين ذلك ، واحتجوا بحديث البراء في ذلك وهو ما حدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد ، قال : حدثنا حمزة بن محمد ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب قالا : حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب وأخبرنا محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن زياد ، قال : حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قالا جميعا ، حدثنا أبو معاوية ، قال : حدثنا الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن البراء قال : مر على رسول [ ص: 395 ] الله - صلى الله عليه وسلم - بيهودي محمم مجلود فدعاهم فقال : هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قالوا : نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقال : اللهم لا ولولا أنك ناشدتني بهذا لم أخبرك نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف ، والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد وتركنا الرجم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه . فأمر به فرجم، وأنزل الله تعالى ( ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) إلى قوله ( إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ) يقول : ائتوا محمدا ، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا إلى قوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) في اليهود إلى قوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) في اليهود إلى قوله [ ص: 396 ] ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) قال : هي في الكفار كلها يعني الآية ، واللفظ لمحمد بن العلاء ، والمعنى واحد متقارب قالوا : ففي هذا الحديث أنه حكم بينهم ، ولم يتحاكموا إليه .

قال أبو عمر : لو تدبر من احتج بهذا الحديث ما احتج به منه لم يحتج به ، لأنه في درج الحديث تفسير قوله عز وجل ( إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ) يقول : إن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا وذلك دليل على أنهم حكموه لا أنه قصرهم على ذلك الحكم وذلك بين أيضا في حديث ابن عمر وغيره ، فإن قال قائل إن حديث ابن عمر من حديث مالك ، وغيره ليس فيه أن الزانيين حكما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا رضيا بحكمه قيل له حد الزاني حق من حقوق الله على الحاكم إقامته ومعلوم أن اليهود كان لهم حاكم يحكم بينهم ويقيم حدودهم عليهم وهو الذي حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - والله أعلم - .

ألا ترى إلى ما في حديث ابن عمر أن اليهود جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إن رجلا منهم وامرأة زنيا ثم [ ص: 397 ] حكموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك فإذا كان من إليه إقامة الحد هو الذي حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا وجه للاعتبار بحكم الزانيين فيما ليس لهما ، ولا لأحدهما .

أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني قال : حدثني ابن وهب قال : حدثني هشام بن سعد أن زيد بن أسلم حدثه ، عن ابن عمر قال : أتى نفر من يهود فدعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم في بيت المدراس فقالوا : يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم فوضعوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وسادة ، فجلس عليها ثم قال : ائتوني بالتوراة فأتوه بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها ثم قال : آمنت بك وبمن أنزلك ثم ذكر قصة الرجم نحوا من حديث مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر .

ففي هذا الحديث أن اليهود دعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحكموه في الزانيين منهم ، وكذلك حديث مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر بنحو ذلك ، وحديث ابن شهاب أيضا في ذلك يدل على ما وصفنا قرأت على عبد الوارث بن سفيان [ ص: 398 ] أن قاسم بن أصبغ حدثهم ، قال : حدثنا مطلب بن شعيب ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني الليث قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني رجل من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه ، عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال : بينا نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءه اليهود وكانوا قد شاوروا في صاحب لهم زنى بعد ما أحصن فقال بعضهم لبعض إن هذا النبي قد بعث ، وقد علمتم أنه قد فرض عليكم الرجم فذكر حديثا فيه فقال لهم يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا معشر اليهود أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى بن عمران ما تجدون في التوراة على من زنى ، وقد أحصن قالوا : نجد يحمم ويجلد ، وسكت حبرهم وهو في جانب البيت فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صمته ألظ به ينشده فقال حبرهم : أما إذ نشدتنا نجد عليه الرجم فذكر حديثا فيه ، فإني أقضي بما في التوراة ، فأنزل الله ( ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) إلى قوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من النبيئين الذين أسلموا فحكموا بما في التوراة [ ص: 399 ] على الذين هادوا ، وهكذا رواه معمر ، عن الزهري قال : حدثني رجل من مزينة ونحن جلوس عند سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة فذكر الحديث . ذكره عبد الرزاق في التفسير ، وفي المصنف . وأخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أحمد بن صالح ، قال : حدثنا عنبسة ، قال : حدثنا يونس قال : قال : محمد بن مسلم سمعت رجلا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه ونحن عند ابن المسيب يحدث عن أبي هريرة قال : أتى رجل من اليهود وامرأة فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي ، فإنه نبي بعث بالتخفيف ، فإن أفتى بفتيا دون الرجم قبلناها ، واحتججنا بها عند الله وقلنا فتيا نبي من أنبيائك قال : فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا : يا أبا القاسم ما ترى في رجل منهم وامرأة زنيا فلم يكلمهم بكلمة حتى أتى بيت مدراسهم فقام على الباب فقال : أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن قالوا : يحمم ويجبه ويجلد ، والتجبيه أن يحمل الزانيان على حمار ويقابل أقفيتهما ويطاف بهما قال : [ ص: 400 ] وسكت شاب منهم فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - ألظ به ينشده فقال : اللهم إذ نشدتنا نجد في التوراة الرجم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فيم ارتخصتم أمر الله ؟ قال : زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم ثم زنى رجل في أسرة من الناس فأراد رجمه فحال قومه دونه ، وقالوا : لا يرجم صاحبنا حتى نجيء بصاحبك فترجمه فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فإني أحكم بما في التوراة . فأمر بهما فرجما .

وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم ، قال : حدثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد وأخبرنا عبد الله بن محمد قال : أخبرنا محمد بن بكر قال : أخبرنا أبو داود ، قال : حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحراني قال : حدثني محمد بن سلمة جميعا ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري قال : سمعت رجلا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب [ ص: 401 ] ، عن أبي هريرة قال : زنى رجل وامرأة من اليهود ، وقد أحصنا حين قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وكان الرجم مكتوبا عليهم في التوراة فتركوه وأخذوا بالتجبيه يضرب مائة بحبل مطلي بقار ويحمل على الحمار ووجهه مما يلي دبر الحمار قال فيه ، ولم يكونوا من أهل دينه فخير في ذلك قال : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) ، واللفظ لحديث أبي داود مختصر .

ففي هذا الآثار كلها دليل على أنه إنما حكم في اليهوديين بما حكم من أجل أنه حكم وتحوكم إليه ورضي به ، وفي حديث ابن إسحاق إن ذلك كان حين قدم المدينة وذلك يدل على أن اليهود لم يكن لهم يومئذ ذمة كما قال مالك : رحمه الله ، وعبد ابن شهاب أيضا في هذا الباب ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أمر برجمهما فلما رجما رأيته يجافي بيده عنها ليقيها الحجارة رواه معمر ، وغيره عنه ، والحكم كان فيهم بشهادة لا باعتراف وذلك محفوظ من حديث جابر .

أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا يحيى بن موسى البلخي ، قال : حدثنا أبو أسامة قال مجالد : أخبرنا عن عامر ، عن جابر بن عبد الله قال : جاءت يهود برجل منهم وامرأة زنيا فقال : ائتوني بأعلم رجل منكم فأتوه بابني صوريا فناشدهما كيف [ ص: 402 ] تجدان أمر هذين في التوراة ؟ قالا : نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما قال : فما منعكما أن ترجموهما قال : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشهود فجاء أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجمهما . وروى شريك ، عن سماك بن حرب ، عن جابر بن سمرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجم يهوديا ويهودية . انفرد به عن سماك شريك ، وأما الرواية عن ابن عباس في أن الآية منسوخة أعني قوله عز وجل ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) فأخبرنا محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن زياد ، قال : حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني ، قال : حدثنا سعيد بن سليمان ، قال : حدثنا عباد ، عن سفيان ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : نسخ من المائدة آيتان : آية القلائد ، وقوله عز وجل ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخيرا إن شاء حكم ، وإن شاء أعرض عنهم وردهم إلى حكامهم ، فنزلت ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ) فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحكم بينهم بما في كتابنا . [ ص: 403 ]

قال أبو عمر : هذا خبر إنما يرويه سفيان بن حسين ، وليس بالقوي ، وقد اختلف عليه فيه فروي عنه موقوفا على مجاهد وهو الصحيح من قول مجاهد لا من قول ابن عباس أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي أن أباه أخبره ، قال : حدثنا عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا بقي بن مخلد ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن مجاهد قال : لم ينسخ من المائدة إلا هاتان الآيتان ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) نسختها ، ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ) وقوله ( ياأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ) نسختها ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) .

وحدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا موسى ، قال : حدثنا ابن مهدي ، عن هشيم ، عن منصور بن زاذان ، عن الحكم ، عن مجاهد في قوله ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) قال : نسختها ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) ، وقد [ ص: 404 ] روى يونس بن بكر ، عن ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) قال : نزلت في بني قريظة وهي محكمة ، وذكر وكيع ، عن سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، والشعبي ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) قالا : إن شاء حكم ، وإن شاء لم يحكم .

حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا موسى بن معاوية ، قال : حدثنا وكيع فذكره ، حدثنا أحمد بن قاسم ، قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا موسى ، قال : حدثنا ابن مهدي ، عن أبي عوانة ، عن المغيرة ، عن إبراهيم ، والشعبي قالا : إن شاء حكم ، وإن شاء أعرض ، وقد مضى القول فيمن تابعهم على هذا القول ، ومن خالفهم فيه من العلماء في صدر هذا الباب ، والوجه عندي فيه التخيير لئلا يبطل حكم من كتاب الله بغير يقين لأن قوله ( وأن احكم بينهم ) محتمل للتأويل يعني إن حكمت ، وآية التخيير محكمة ، نص لا تحتمل التأويل ، وذكر عبد الرزاق ، وأبو سفيان ومحمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزهري في قوله ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) قال : مضت السنة أن يردوا في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم إلا أن يأتوا راغبين في حد ليحكم [ ص: 405 ] بينهم فيه فيحكم بينهم بكتاب الله عز وجل قال معمر أخبرنا عبد الكريم الجزري أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطاة إذا جاءك أهل الكتاب فاحكم بينهم بما في كتاب الله ، وذكر سنيد ، عن هشيم ، عن العوام ، عن إبراهيم التيمي في قوله ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) قال : بالرجم .

قال أبو عمر : حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خصوص له - والله أعلم - بدليل قوله " يحكم بها النبيئون الذين أسلموا " ، وقال عز وجل ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) ولقوله ( أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) ولأنا لا نعلم من ذلك ما علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما حكم في اليهوديين بحكم الله في شريعته وكان ذلك موافقا لما في التوراة ، والحمد لله .

التالي السابق


الخدمات العلمية