التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
997 [ ص: 3 ] حديث أول لثور بن زيد مسند

مالك عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع عن أبي هريرة أنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر ، فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلا الأموال الثياب والمتاع ، قال : فأهدى رفاعة بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما أسود ، يقال له مدعم فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى ، حتى إذا كانوا بوادي القرى بينما مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر ، فأصابه فقتله ، فقال الناس هنيئا له الجنة . فقال رسول الله : كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذ يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم - لتشتعل عليه نارا ، قال : فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله : شراك أو شراكان من نار .


[ ص: 4 ] هكذا قال يحيى خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر . وتابعه على ذلك عن مالك قوم منهم الشافعي وابن القاسم والقعنبي .

وقال جماعة من الرواة عن مالك في هذا الحديث : خرجنا مع رسول الله عام حنين ، والله أعلم بالصواب .

وقال يحيى : إلا الأموال الثياب والمتاع . وتابعه قوم .

وقال ابن القاسم : إلا الأموال والثياب والمتاع ، وكذلك قال الشافعي وقال القعنبي : فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلا الثياب والمتاع والأموال .

وروى هذا الحديث أبو إسحاق الفزاري عن مالك قال : حدثني ثور بن زيد قال : حدثني سالم مولى ابن مطيع أنه سمع أبا هريرة يقول : افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة ، إنما غنمنا الإبل والبقر والمتاع والحوائط .

فجود أبو إسحاق مع جلالته إسناد هذا الحديث بسماع بعضهم من بعض ، وقضى بأنها خيبر لا حنين ورفع الإشكال .

ففي هذا الحديث أن بعض العرب وهي دوس لا تسمي العين مالا ، وإنما الأموال عندهم الثياب والمتاع والعروض ، وعند غيرهم المال الصامت من الذهب والورق ، وذكر ابن الأنباري عن أحمد بن يحيى النحوي قال : ما قصر عن بلوغ ما يجب فيه الزكاة من الذهب والورق والماشية فليس بمال ، وأنشد :

[ ص: 5 ]

والله ما بلغت بي قط ماشية حد الزكاة ولا إبل ولا مال

قال : وأنشد أحمد بن يحيى أيضا :


ملأت يدي من الدنيا مرارا     فما طمع العواذل في اقتصادي
ولا وجبت علي زكاة مال     وهل تجب الزكاة على جواد

وهذان البيتان أنشدهما الزبير بن بكار عن محمد بن عيسى لفليح بن إسماعيل .

قال أبو عمر : المعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك فهو مال ، ألا ترى إلى قول أبي قتادة السلمي : فابتعت - يعني بسلب القتيل الذي قتلته يوم حنين - مخرفا في بني سلمة ، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام .

وقال الله عز وجل : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وأجمعوا أن العين مما تؤخذ منه الصدقة ، وأن الثياب والمتاع لا يؤخذ منها الصدقة ، إلا في قول من رأى زكاة العروض للمدير التاجر نض له في عامه شيء من العين أو لم ينض .

وقال صلى الله عليه وسلم : يقول ابن آدم : مالي مالي ، وإنما له من ماله ما أكل فأفنى أو تصدق فأمضى أو لبس فأبلى .

وهذا أبين من أن يحتاج فيه إلى استشهاد ، فمن حلف بصدقة ماله فذلك على كل نوع من ماله ، سواء كان مما تجب فيه الزكاة ، أو لم يكن ، إلا أن ينوي شيئا بعينه فيكون على ما نوى ، ولا معنى لقول من قال : إن ذلك على أموال الزكوات ; لأن العلم محيط [ ص: 6 ] واللسان شاهد في أن ما تملك وتمول يسمى مالا ، وسنذكر اختلاف العلماء فيمن حلف بصدقة ماله في باب عثمان من هذا الكتاب إن شاء الله .

أخبرنا خلف بن سعيد قال : حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا أحمد بن خالد وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال : حدثنا أحمد بن محمد بن أبي الموت ، وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا محمد بن عيسى قالوا : حدثنا علي بن عبد العزيز قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال : جاء ناس من أهل الشام إلى عمر فقالوا : إنا أصبنا أموالا خيلا ورقيقا نحب أن يكون لنا منها زكاة ، وذكر الحديث ، وفيه إباحة قبول الهدية للخليفة ، إلا أن ذلك لا يجوز لغير النبي عليه السلام إذا كان منه قبولها على جهة الاستبداد بها دون رعيته .

وروى حبيب ، عن مالك عن الزهري عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها .

وهذا الحديث ، وإن كان إسناده غير صحيح لتفرد حبيب به ، عن مالك فإن قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدايا أشهر [ ص: 7 ] وأعرف وأكثر من أن تحصى الآثار في ذلك ، لكنه كان صلى الله عليه وسلم مخصوصا بما أفاء الله عليه من غير قتال من أموال الكفار أن يكون له خاصة دون سائر الناس ومن بعده من الأئمة حكمه في ذلك خلاف حكمه ; لأن ذلك لا يكون له خاصة دون المسلمين بإجماع ; لأنه فيء ، وفي حديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن اللتبية ما يدل على أن العامل لا يجوز له أن يستأثر بهدية أهديت إليه بسبب ولايته ; لأنها للمسلمين .

حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن أبي حميد الساعدي قال : استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد ، يقال له ابن اللتبية فلما قدم ، قال : هذا لكم وهذا أهدي إلي ، فقام النبي عليه السلام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه .

وقال : ما بال عامل أبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي ، أفلا قعد في بيت أبيه ، أو بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا ؟ ! والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم شيئا ، إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه : بعير له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر ، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ، ثم قال : اللهم هل بلغت
.

[ ص: 8 ] ورواه هشام بن عروة وأبو الزناد عن عروة بن الزبير عن أبي حميد الساعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله بمعناه .

روى وكيع وغيره ، عن الأعمش عن شقيق قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استعمل معاذ بن جبل على اليمن ، فلما استخلف أبو بكر بعث عمر على الموسم في تلك السنة ، وقدم معاذ من اليمن برقيق ، فلقي عمر بعرفة ، فقال له عمر : ما هؤلاء ، قال : هؤلاء لأبي بكر وهؤلاء لي ، فقال له عمر : أرى أن تأتي بهم إلى أبي بكر فتدفعهم إليه ، فإن سلمهم لك ، وإلا فهو أحق بهم ، فقال : وما لي أدفع رقيقي إلى أبي بكر لا أعطيه هديتي ، فانصرف بهم إلى منزله ، فلما كان من الغد جاء إلى عمر فقال : يا ابن الخطاب لقد رأيتني الليلة أشرف على نار قد أوقدت ، فأكاد أتقحمها وأهوي فيها ، وأنت آخذ بحجزتي ولا أراني إلا مطيعك ، قال : فذهب إلى أبي بكر فقال : هؤلاء لك وهؤلاء أهدوا لي ، قال : فإنا قد سلمنا لك هديتك ، فرجع معاذ إلى منزله ، فصلى فإذا هم خلفه يصلون ، قال : ما بالكم ، قالوا : نصلي ، قال : لمن ، قالوا : لله ، قال : فاذهبوا فأنتم لله . فأعتقهم .

وذكر يعقوب بن شيبة قال : حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن لكعب بن مالك قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن أميرا وكان أول من تجر في مال الله ، فمكث حتى أصاب مالا ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قدم معاذ .

[ ص: 9 ] فقال عمر لأبي بكر : أرسل إلى هذا الرجل فدع له ما يعيش به وخذ سائره منه ، فقال أبو بكر : إنما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجبره ولست بآخذ منه شيئا ، إلا أن يعطيني ، وفي قوله في هذا الحديث : إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه - دليل على أنه غلول ، حرام ، نار ، قال الله عز وجل : ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : هدايا الأمراء غلول .

ومن ذلك قوله صلى الله عليه في حديث ثور بن زيد هذا : إن الشملة التي أخذ يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا .

فكل من غل شيئا في سبيل الله ، أو خان شيئا من مال الله جاء به يوم القيامة إن شاء الله ، والغلول من حقوق الآدميين ولا بد فيه من القصاص بالحسنات والسيئات ، ثم صاحبه في المشيئة ، وسنذكر ما للعلماء في عقوبة الغال بعد هذا في هذا الباب إن شاء الله .

وذكر سنيد عن مبشر عن صفوان بن عمرو عن حبيب بن عبيد ، عن عوف بن مالك أن حبيب بن مسلمة أتى برجل قد غل ومعه غلوله ، فوجد الناس من ذلك وكان أول غلول رأوه في غزوهم بالشام ، فقام عوف بن مالك في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إياكم وما لا كفارة له من الذنوب ، إن الرجل ليزني ، ثم يتوب فيتوب الله عليه ، وإن [ ص: 10 ] الرجل ليسرق ، ثم يتوب فيتوب الله عليه ، وإنهما لذنبان لا كفارة لهما : صاحب الغلول ، وآكل الربا ، قال الله تبارك وتعالى : وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة فلا كفارة لصاحب الغلول حتى يأتي الله به يوم القيامة ، وآكل الربا يبعثه الله يوم القيامة مختنقا يختنق .

قال سنيد : وحدثنا عبدة بن سليمان ، عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هدايا الأمراء غلول .

حدثنا سعيد حدثنا قاسم حدثنا محمد حدثنا أبو بكر حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن أبي حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ، ثم قال : يا أيها الناس لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ، فيقول : يا رسول الله أغثني ، فأقول : لا أملك لك شيئا قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء ، يقول : يا رسول الله أغثني ، فأقول : لا أملك لك شيئا قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته بقرة لها خوار ، يقول : يا رسول الله أغثني ، فأقول : لا أملك لك شيئا قد بلغتك ، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق ، يقول : [ ص: 11 ] يا رسول الله أغثني ، فأقول : لا أملك لك شيئا قد بلغتك ، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت ، يقول : يا رسول الله أغثني ، فأقول : لا أملك لك شيئا قد بلغتك ، ولا ألفين أحدكم يجيء على رقبته نفس لها صياح ، فيقول : يا رسول الله أغثني ، فأقول : لا أملك لك شيئا قد بلغتك

فهذا ما في الغلول ، وقد يدخل فيه منع الزكوات ; لأنها من حقوق المسلمين أيضا بالمعنى ، والله أعلم .

وأما النص في هدايا المشركين فروى قتادة عن يزيد بن الشخير ، عن عياض بن حماد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زبد المشركين ، يعني هداياهم ورفدهم .

أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قالا : أخبرنا عمرو بن مرزوق قال : أخبرنا عمران القطان ، عن قتادة عن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حماد قال : أهديت لرسول الله صلى الله [ ص: 12 ] عليه وسلم ناقة ، أو قال : هدية ، فقال : أسلمت ، قلت : لا ، قال : إني نهيت عن زبد المشركين .

أخبرنا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد قال : حدثنا وهب بن مسرة قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا يوسف بن عدي قال : أخبرنا ابن المبارك عن يونس ومعمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك عن عامر بن مالك الذي يقال له ملاعب الأسنة قال : قدمت على النبي عليه السلام بهدية ، فقال : إنا لن نقبل هدية مشرك .

واختلف العلماء في معنى هذين الحديثين ، فقال منهم قائلون : فيهما النسخ لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبول الهدية من أهل الشرك مثل أكيدر دومة وفروة بن نفاثة والمقوقس وغيرهم .

وقال آخرون : ليس فيهما ناسخ ولا منسوخ ، والمعنى فيهما أنه كان لا يقبل هدية من يطمع بالظهور عليه وأخذ بلده ، أو دخوله في الإسلام ، فعن مثل هذا نهى أن يقبل هديته ويهادنه ويقره على دينه مع قدرته عليه ، أو طمعه في هدايته ; لأن في قبول هديته حملا على الكف عنه ، وقد أمر أن يقاتل الكفار حتى يقولوا لا إله إلا الله .

وقال آخرون : كان مخيرا في قبول هديتهم وترك قبولها ; لأنه كان من خلقه صلى الله عليه وسلم أن يثيب على الهدية بأحسن منها ، فلذلك لم يقبل هدية مشرك لئلا يثيبه بأفضل منها ، والله أعلم .

أخبرنا علي بن إبراهيم قال : حدثنا الحسن بن رشيق قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سلام البغدادي قال : حدثنا داود بن رشيد قال : حدثنا إبراهيم قال : حدثنا الحسن بن رشيق قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سلام البغدادي قال : حدثنا داود بن رشيد قال : حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان [ ص: 13 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها ، وقد قيل : إنه إنما ترك ذلك تنزها ، ونهى عن زبد المشركين لما في التهادي والزبد من التحاب وتليين القلوب ، والله عز وجل يقول : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله الآية ، والله أعلم بما أراد رسوله بقوله ذلك ، وقد قبل صلى الله عليه وسلم هدية قوم من المشركين ، وأجاز قبولها جماعة من الفقهاء على وجوه نذكر منها ما حضر ذكره إن شاء الله .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم ، قال : حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال : حدثنا محبوب بن موسى . ح ، وقرأت عليه أيضا أن قاسم بن أصبغ حدثهم ، قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا عبد الملك بن حبيب المصيصي ، قالا جميعا : حدثنا أبو إسحاق الفزاري قال : قلت للأوزاعي : أرأيت لو أن صاحب الروم أهدى إلى أمير المؤمنين هدية ، أترى بأسا أن يقبلها ؟ قال : لا أرى بذلك بأسا ، قلت : فما حالها إذا قبلها ؟ قال : تكون بين المسلمين ، قلت : وما وجه ذلك ؟ قال : أليس إنما أهداها له ; لأنه والي عهد المسلمين ، لا يكون أحق بها منهم ويكافيه بمثلها من بيت مال المسلمين ، قلت : للأوزاعي فلو أن صاحب الباب أهدى له صاحب العدو هدية ، أو صاحب ملطية أيقبلها أحب إليك ، أو يردها ؟ ، قال : يردها أحب إلي ، فإن قبلها فهي بين المسلمين ويكافيه بمثلها ، قلت : فصاحب الصائفة إذا دخل فأهدى له صاحب [ ص: 14 ] الروم هدية ، قال : تكون بين ذلك الجيش فما كان من طعام قسمه بينهم وما كان سوى ذلك جعله في غنائم المسلمين .

قال أبو عمر : ليس أحد من أئمة الفقهاء زعموا أعلم بمسائل الجهاد من الأوزاعي وقوله هذا هو قولنا .

وروى عيسى ، عن ابن القاسم في الإمام يكون في أرض العدو فيهدي له العدو أتكون له خالصة أم للجيش ، قال : لا أراها لجماعة الجيش ، قال : لأنه إنما أهداها خوفا ، إلا أن يعلم أن ذلك إنما هو من قبل قرابة ، أو مكافأة فأراه له خالصا ، قيل : فالرجل من أهل الجيش تأتيه الهدية ، قال : هذه له خالصة لا شك فيه مثل أن يكون له قريب ، أو صديق فيهدي له فهو له خالص .

وقال الربيع ، عن الشافعي في كتاب الزكاة إذا أهدى واحد من القوم للوالي هدية ، فإن كانت لشيء نال منه حقا ، أو باطلا فحرام على الوالي أخذها ; لأنه حرام عليه أن يستجعل على الحق ، وقد ألزمه الله ذلك ، وحرام عليه أن يأخذ لهم باطلا ، والجعل عليه حرام ، قال : وإن أهدى إليه أحد من أهل ولايته على غير هذين المعنيين تفضلا ، أو تشكرا بحسن كان منه في العامة فلا يقبلها ، وإن قبلها كانت في الصدقات ، ولا يسعه عندي غيره ، إلا أن يكافيه من ماله عليه بقدر ما يسعه به أن يتمولها ، قال : [ ص: 15 ] وإن أهديت هدية إلى رجل ليس بذي سلطان شكرا على حسن كان منه فأحب إلي أن لا يقبلها ، ولا تحرم عليه عندي إن قبلها وأخذها ، وأحب إلي أن يدع قبولها ، ولا يأخذها على الحسن مكافأة ، هذا كله هو المشهور من قول الشافعي في كتبه الظاهرة ، ثم أصحابه ، وقد روي عنه أن الحاكم إذا أهديت إليه هدية من أجل حكمه فحكم بالحق على وجوه لم تحرم عليه .

وأما العراقيون ، فقال أبو يوسف : ما أهدى ملك الروم إلى أمير الجيش فهو له خاصة ، وكذلك ما يعطى الرسول .

قال أبو عمر : احتج بعض من ذهب هذا المذهب .

وقال : إن الهدية تكون ملكا للمهدى له ، وإن كان واليا ، ولا تكون فيئا . احتج بإجماعهم على أن للإمام أن لا يقبل هدية الكفار ، قالوا : ولو كانت فيئا لما كان له أن لا يقبلها ويردها على الحربيين .

قال أبو عمر : هذا لا حجة فيه ; لأن تخييرهم الإمام في قبول هدية الكفار ، إنما هو من أجل أنه إن قبلها كان عليه أن يكافئ عليها من بيت المال لا أنها لا تكون فيئا ، وإذا كان عليه أن يثيب عليها كان مخيرا في قبولها ، ومعلوم أنه إنما أهديت إليه بسبب ولايته فاستحال أن تكون له دون المسلمين والحجة في هذا عندي حديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن اللتبية .

أخبرنا خلف بن سعيد قال : أخبرنا عبد الله [ ص: 16 ] بن محمد قال : أخبرنا أحمد بن خالد ، قال : حدثنا عبيد بن محمد قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا عبد الرزاق وعبد الملك بن الصباح ، عن الثوري عن أبان ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : الهدايا للأمراء غلول .

وبه ، عن عبد الرزاق وعبد الملك جميعا ، عن الثوري عن عاصم عن زر بن حبيش قال : قال ابن مسعود : الرشوة في الدين سحت .

قال سفيان : يعني في الحكم .

وبه ، عن عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن الزهري قال : جمع اليهود لابن رواحة حين خرص عليهم حليا من حلي نسائهم [ ص: 17 ] فأهدوه له ، فقال : هذه الرشوة سحت وإنا لا نأكلها ، وذكر وكيع عن معاذ بن العلاء أخي أبي عمرو بن العلاء عن أبيه ، عن جده ، قال : خطبنا علي بالكوفة وبيده قارورة وعليه سراويل ونعلان ، فقال : ما أصبت منذ دخلتها غير هذه القارورة أهداها لي دهقان .

وعن أبي البختري ، عن علي بن ربيعة أن عليا استعمل رجلا ، فلما جاء ، قال : يا أمير المؤمنين إنه أهدي لي في عملي أشياء ، وقد أتيت بها ، فإن كان حلالا أخذته وإلا جئتك به ، فجاءه به ، فقبضه علي رضي الله عنه ، وقال : إني أحسبه كان غلولا .

وأما هدية غير الكفار إلى من لم تكن له ولاية فمأخوذة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجيبوا الداعي ، ولا تردوا الهدية .

وقال صلى الله عليه وسلم : ما أتاك من غير مسألة فكله وتموله .

وهذا إذا لم تكن الهدية على شرط أداء حق قد وجب عليه كالشهادة ونحوها ، فإن كانت كذلك فهي سحت ورشوة وشر من ذلك الأخذ على الباطل ، وبالله التوفيق .

قرأت على أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن أن محمد بن معاوية حدثهم ، قال : حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال : حدثنا الهيثم بن خارجة ، قال : حدثنا إسماعيل بن [ ص: 18 ] عياش عن عمرو بن مهاجر ، قال : اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا ، فقال : لو كان عندنا شيء من تفاح ، فإنه طيب الريح طيب الطعم ، فقام رجل من أهل بيته فأهدى إليه تفاحا ، فلما جاء به الرسول ، قال عمر بن عبد العزيز : ما أطيب ريحه وطعمه ، يا غلام أرجعه وأقرئ فلانا السلام ، وقل له : هديتك قد وقعت عندنا بحيث تحب ، قال عمرو بن مهاجر : فقلت : يا أمير المؤمنين ابن عمك ورجل من أهل بيتك ، وقد بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية ، ولا يأكل الصدقة ، فقال : إن الهدية كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية وهي لنا اليوم رشوة .

قال أبو عمر : كان عمر رضي الله عنه في حين هذا الخبر خليفة ، وقد تقدم القول فيما للخلفاء والأمراء وسائر الولاة من الحكم في الهدية ويحتمل أن يكون ذلك الرجل من أهل بيته قد علم في كسبه شيئا أوجب التنزه عن هديته ، وأما قوله في الحديث شراك ، أو شراكان من نار ، وقوله في حديث عمرو بن شعيب أدوا الخيط والمخيط فيدل على أن القليل والكثير لا يحل لأحد أخذه في الغزو قبل المقاسم ، إلا ما أجمعوا عليه من أكل الطعام في أرض العدو من الاحتطاب والاصطياد ، وهذا أولى ما قيل به في هذا الباب ، وما خالفه مما جاء عن بعض أصحابنا وغيرهم فليس بشيء ; لأن عموم قول الله عز وجل واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه يوجب أن يكون الجميع غنيمة خمسها لمن سمى الله وأربعة أخماسها لمن شهد القتال من البالغين الأحرار الذكور ، فلا يحل [ ص: 19 ] لأحد منها شيء إلا سهمه الذي يقع له في المقاسم بعد إخراج الخمس المذكور ، إلا أن الطعام خرج بدليل إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم له عن جملة ذلك ، فمن ذلك حديث عبد الله بن مغفل في الجراب بالشحم ، وحديث عتبة بن غزوان المملوءة بالجوز ، وحديث ابن أبي أوفى كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر يأتي أحدنا إلى الطعام من الغنيمة فيأخذ منه حاجته وأجمع العلماء على أن أكل الطعام في دار الحرب مباح ، وكذلك العلف ما داموا في دار الحرب ، فدل على أنه لم يدخل في مراد الله من الآية التي تلونا ، وما عدا الطعام فهو داخل تحت عموم قوله واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية ، إلا أن للأرض حكما سنذكره في غير هذا الموضع من كتابنا هذا إن شاء الله .

وقد روي عن الزهري أنه قال : لا يؤخذ الطعام في أرض العدو ، إلا بإذن الإمام . وهذا لا أصل له ; لأن الآثار المرفوعة تخالفه ، ولم يقل به فيما علمت غيره .

ومن الآثار في ذلك ما ذكره البخاري قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا حماد بن زيد عن أيوب ، عن [ ص: 20 ] نافع عن ابن عمر قال : كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ، ولا نرفعه .

قال أبو عمر : ما يخرج به من الطعام إلى دار الإسلام وكان له قيمة فهو غنيمة ، وكذلك قليل وكثير غير الطعام فهو غنيمة ; لأنهم لم يجمعوا على شيء منه .

وروى ثوبان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من فارق الروح منه الجسد ، وهو بريء من ثلاث دخل الجنة : الكبر ، والغلول ، والدين

حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا عفان قال : حدثنا أبان العطار وهمام ، عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان عن النبي عليه السلام أنه قال : من فارق منه الروح الجسد وهو بريء من ثلاث دخل الجنة : الكبر ، والغلول ، والدين .

[ ص: 21 ] وروى رويفع بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها حتى إذا أنقضها ردها في المغانم ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يلبس ثوبا من المغنم حتى إذا أخلقه رده في المغانم ، وهذا غاية في التحذير والمنع .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ، ثم قال للذي جاء بالشراك ، أو الشراكين : شراك ، أو شراكان من نار ففي قوله هذا كله دليل على تعظيم الغلول وتعظيم الذنب فيه ، وأظن حقوق الأميين كلها كذلك في التعظيم ، وإن لم يقطع على أنه يأتي به حاملا له كما يأتي بالغلول ، والله أعلم .

، وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة على الرجل الذي غل الخرزات وهي لا تساوي درهمين عقوبة له ، وسيأتي هذا الحديث في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله .

وأما الشملة فكساء مخمل .

وقال الخليل : اشتمل بالثوب أداره على جسده ، قال : والاسم الشملة ، قال : والشملة كساء ذو خمل .

وقال الأخفش : الشملة إزار من الصوف .

وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن الغال لا يجب عليه حرق متاعه ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرق رحل الذي أخذ الشملة ، ولا متاعه ، ولا أحرق متاع صاحب الخرزات ولو كان حرق متاعه واجبا لفعله صلى الله عليه وسلم حينئذ ، ولو فعله لنقل ذلك في الحديث ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ ص: 22 ] من غل فأحرقوا متاعه واضربوه رواه أسد بن موسى وغيره ، عن الدراوردي عن صالح بن محمد بن زائدة عن سالم عن ابن عمر .

وقال بعض رواة هذا الحديث فيه : فاضربوا عنقه وأحرقوا متاعه وهو حديث يدور على صالح بن محمد بن زائدة وهو ضعيف لا يحتج به .

وقد اختلف العلماء في عقوبة الغال فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والليث بن سعد إلى أن الغال يعاقب بالتعزير ، ولا يحرق متاعه .

وقال الشافعي وداود بن علي : إن كان عالما بالنهي عوقب ، وهو قول الليث قال الشافعي : وإنما يعاقب الرجل في بدنه لا في ماله .

قال أبو عمر : اختلاف العلماء في المال دون البدن ، أو البدن دون المال قد ذكرناه في غير هذا المكان .

وقال الأوزاعي : يحرق متاع الغال كله ، إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسرجه ، ولا تنتزع منه دابته ، ويحرق سائر متاعه كله ، إلا الشيء الذي غل ، فإنه لا يحرق ويعاقب مع ذلك . وقول أحمد وإسحاق كقول الأوزاعي في هذا الباب كله .

وروي عن الحسن البصري أنه قال : يحرق رحله [ ص: 23 ] كله ، إلا أن يكون حيوانا ، أو مصحفا .

وممن قال : يحرق رحل الغال ومتاعه مكحول وسعيد بن عبد العزيز .

وحجة من ذهب إلى هذا القول حديث صالح المذكور ، وهو عندنا حديث لا يجب به انتهاك حرمة ، ولا إنفاذ حكم مع ما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه ، فأما رواية من روى فاضربوا عنقه وأحرقوا متاعه ، فإنه يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم ، إلا بإحدى ثلاث الحديث ، وهو ينفي القتل في الغلول .

وروى ابن الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ليس على الخائن ، ولا على المنتهب ، ولا على المختلس قطع ، وهذا أيضا يعارض حديث صالح بن محمد بن زائدة وهو أقوى من حجة الإسناد ، والغال خائن في اللغة والشريعة .

وقال الطحاوي : لو صح حديث صالح المذكور احتمل أن يكون حين كانت العقوبات في الأموال كما قال في مانع الزكاة : إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات الله .

وكما روى أبو هريرة في ضالة الإبل المكتومة : فيها غرامتها ومثلها معها ، وكما روى عبد الله بن عمرو بن العاص في المعلق : غرامة مثليه وجلدات نكال ، وهذا كله منسوخ .

قال أبو عمر : الذي ذهب إليه مالك وأبو حنيفة ومن تابعهم في هذه المسألة أولى من جهة النظر وصحيح الأثر ، والله أعلم .

وأجمع العلماء على أن على الغال أن يرد ما غل إلى صاحب المقاسم إن وجد [ ص: 24 ] السبيل إلى ذلك وأنه إذا فعل ذلك فهي توبة له وخروج عن ذنبه ، واختلفوا فيما يفعل بما غل إذا افترق أهل العسكر ولم يصل إليهم ، فقال جماعة من أهل العلم : يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي ، وهذا مذهب الزهري ومالك والأوزاعي والثوري .

وروي ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية بن أبي سفيان والحسن البصري وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس ; لأنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه ، وذكر بعض الناس عن الشافعي أنه كان لا يرى الصدقة بالمال الذي لا يعرف صاحبه .

وقال : كيف يتصدق بمال غيره ، وهذا عندي معناه فيما يمكن وجود صاحبه والوصول إليه ، أو إلى ورثته .

وأما إن لم يمكن شيء من ذلك ، فإن الشافعي رحمه الله لا يكره الصدقة به حينئذ إن شاء الله .

ذكر سنيد حدثنا أبو فضالة عن أزهر بن عبد الله قال : غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم فغل [ ص: 25 ] رجل مائة دينار فأتى بها معاوية بن أبي سفيان فأبى أن يقبلها .

وقال : قد نفر الجيش وتفرق فخرج فلقي عبادة بن الصامت فذكر ذلك له ، فقال : ارجع إليه فقل له خذ خمسها أنت ، ثم تصدق أنت بالبقية ، فإن الله عالم بهم جميعا . فأتى معاوية فأخبره فقال : لأن كنت أنا أفتيتك بهذا كان أحب إلي من كذا وكذا ، وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها وجعلوه إذا جاء مخيرا بين الأجر والضمان ، وكذلك الغصوب ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية