التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
910 [ ص: 312 ] [ ص: 313 ] حديث ثالث وستون لنافع ، عن ابن عمر

مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة هو ، وأسامة بن زيد ، وعثمان بن طلحة الحجبي ، وبلال فأغلقها عليه ومكث فيها ، قال عبد الله بن عمر : فسألت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : جعل عمودا عن يمينه ، وعمودين عن يساره ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ، ثم صلى .


هكذا رواه جماعة من رواة الموطإ ، عن مالك قالوا فيه : عمودا عن يمينه ، وعمودين عن يساره منهم يحيى بن يحيى النيسابوري ، وبشر بن عمر الزهراني ، وكذلك رواه الربيع ، عن الشافعي ، عن مالك .

[ ص: 314 ] ورواه عثمان بن عمر ، عن مالك ، فقال فيه : جعل عمودين عن يمينه ، وعمودين عن يساره ، وروى أبو قلابة ، عن بشر بن عمر ، عن مالك عمودا ، عن يمينه ، وعمودا عن يساره ، وكذلك رواه إسحاق بن الطباع ، عن مالك ، وقد روي ذلك عن ابن مهدي ، عن مالك في هذا الحديث ، وجعل عمودين عن يمينه ، وعمودا عن يساره كذلك رواه بندار عنه ، وكذلك رواه الزعفراني ، عن الشافعي ، عن مالك ، وكذلك وأبو مصعب ، وابن بكير ، وابن القاسم ، ومحمد بن الحسن الفقيه ، عن مالك ، وروت طائفة من رواة الموطإ عن مالك هذا الحديث ، وانتهى حديثهم إلي : ثم صلى .

وزاد ابن القاسم في هذا الحديث عن مالك بإسناده هذا ، وجعل بينه ، وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع .

ورواه ابن عفير ، وابن وهب ، وابن مهدي ، عن مالك كما رواه ابن القاسم إلا أنهم قالوا : ثلاثة أذرع ، ولم يقولوا : نحو .

حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك ، عن [ ص: 315 ] نافع ، عن ابن عمر بهذا الحديث لم يذكر السواري قال : ثم صلى بينه وبين القبلة ثلاثة أذرع .

وحدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا علي بن الحسن بن علال الحراني ، حدثنا محمد بن جعفر بن عيسى بن رزين العطار ، حدثنا إسحاق بن الجراح ، حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا مالك بن أنس ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع .

وروى هشيم هذا الخبر ، عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر فزاد فيه الفضل بن عباس ، حدثناه محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : أخبرنا هشيم ، أخبرنا ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيت ومعه الفضل بن عباس ، وأسامة بن زيد ، وعثمان بن طلحة ، وبلال ، فأجافوا عليهم الباب ، فمكث فيه ما شاء الله ، ثم خرج .

قال ابن عمر : فكان أول من لقيت بلال فقلت : أين صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : بين الأسطوانتين
.

[ ص: 316 ] ورواه خالد بن الحارث ، عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر ، ولم يذكر الفضل بن عباس ، وقال فيه : فقلت : أين صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : هاهنا ونسيت أن أسأله كم صلى .

وروى هذا الخبر ابن أبي مليكة ، عن ابن عمر قال : فيه فسألت بلالا هل صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة ؟ فقال : نعم ركعتين بين الساريتين . ففي هذا الحديث أنه صلى فيهما ركعتين ، وهذا خلاف ما تقدم .

ورواه يحيى القطان عن السائب بن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، وفي هذا الحديث أيضا رواية الصاحب ، عن الصاحب .

وروى عبد الله بن عباس ، عن أسامة بن زيد ، قال : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكعبة فسبح ، أو كبر في نواحيها ، ولم يصل فيها ، ثم خرج فصلى خلف المقام قبل الكعبة ركعتين ، ثم قال : هذه القبلة .

قال أبو عمر : رواية ابن عمر ، عن بلال ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى في الكعبة أولى من رواية ابن عباس ، عن أسامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 317 ] لم يصل فيها ، لأنها زيادة مقبولة وليس قول من قال : لم يفعل بشهادة ، وهذا أصل من أصول الفقه في الشهادة إذا تعارضت في نحو هذا فأثبت قوم شيئا ونفاه آخرون كان القول قول المثبت دون النافي لأن النافي ليس بشاهد ، هذا إذا استويا في العدالة ، والإتقان والقول في قبول زيادة الزائد في أخبار على نحو هذا ، لأن الزيادة كشهادة مستأنفة .

أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد ، قال : حدثنا حمزة بن محمد ، وأخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية قالا : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا أحمد بن سليمان قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سيف بن سليمان قال : سمعت مجاهدا يقول : أوذن ابن عمر في منزله فقيل هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دخل الكعبة ، قال : فأقبلت فأجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد خرج وأجد بلالا على الباب قائما فقلت : يا بلال صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة ؟ قال : نعم ، قلت : أين ؟ قال : ما بين هاتين الأسطوانتين ركعتين ، ثم خرج فصلى ركعتين في وجه الكعبة . وعند مجاهد في هذا حديث آخر ، حدثناه عبد الله بن [ ص: 318 ] محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا زهير بن حرب ، قال : حدثنا جرير ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن صفوان ، وإن قال : قلت : لعمر بن الخطاب كيف صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دخل الكعبة ؟ قال : صلى ركعتين .

فهذه تشهد لصحة قول ابن عمر ، عن بلال أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى فيها الصلاة المعهودة لا الدعاء .

واختلف الفقهاء في الصلاة في الكعبة الفريضة والنافلة ، فقال مالك : لا يصلي فيها الفرض ، ولا الوتر ، ولا ركعتا الفجر ، ولا ركعتا الطواف ، ويصلى فيها التطوع ، وذكر ابن خواز بنداد ، عن مالك ، وأصحابه فيمن صلى في الكعبة الفريضة ، أو صلى على ظهرها أعاد ما دام في الوقت في المسألتين جميعا .

وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، والثوري : يصلي في الكعبة الفرض والنوافل كلها .

وقال الشافعي : إن صلى في جوفها مستقبلا حائطا من حيطانها فصلاته جائزة ، وإن صلى نحو الباب والباب مفتوح فصلاته باطل ، لأنه لم يستقبل منها شيئا .

[ ص: 319 ] وقال مالك : من صلى على ظهر الكعبة مكتوبة أعاد في الوقت ، وقد روي عن بعض أصحاب مالك يعيد أبدا .

وقال أبو حنيفة : من صلى على ظهر الكعبة ، فلا شيء عليه .

واختلف أهل الظاهر فيمن صلى في الكعبة ، فقال بعضهم : صلاته جائزة ، وقال بعضهم : لا صلاة له في نافلة ، ولا فريضة ، لأنه قد استدبر بعض الكعبة ، واحتج قائل هذه المقالة بقول ابن عباس : أمر الناس أن يصلوا إلى الكعبة ، ولم يؤمروا أن يصلوا فيها .

قال أبو عمر : لا يصح في هذه المسألة إلا أحد قولين إما أن يكون من صلى في الكعبة صلاته تامة فريضة كانت ، أو نافلة ، لأنه قد استقبل بعضها وليس عليه إلا ذلك ، أو تكون صلاته فاسدة فريضة كانت ، أو نافلة من أجل أنه لم يحصل له استقبال بعضها إذا صلى داخلها إلا باستدبار بعضها ، ولا يجوز ذلك عند من ذهب إلى أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده في كل باب ، والصواب من القول في هذا الباب - عندي - قول من أجاز الصلاة كلها في الكعبة إذا استقبل شيئا منها ، لأنه قد فعل ما أمر به ، ولم يأت ما نهي عنه ، لأن استدبارها هاهنا ليس بضد استقبالها ، لأنه ثابت معه في بعضها والضد لا [ ص: 320 ] يثبت مع ضده ، ومعلوم أن المأمور باستقبال الكعبة لم يؤمر ، وإنما توجه الخطاب إليه باستقبال بعضها ، والمصلي في جوفها قد استقبل جهة منها ، وقطعة ، وناحية ، فهو مستقبل لها بذلك ، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى فيها ركعتين ، وهو المبين عن الله مراده ، وكل موضع يجوز فيه صلاة النافلة جازت فيه صلاة الفريضة قياسا ، ونظرا إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له على أنه لا يجب لأحد أن يتعمد صلاة الفريضة فيها ، ولو صلى فيها ركعتين نافلة لم يكن بذلك بأس ، فإن صلى أحد فيها فريضة ، فلا حرج ، ولا إعادة ، فإن قيل : إن النافلة قد تجوز على الدابة للمسافر إلى غير القبلة ، ولا تجوز كذلك الفريضة ، فلم قيست النافلة على الفريضة ؟ قيل له : ذلك موضع خصوص بالسنة لضرورة السفر كما تجوز صلاة الفريضة للخائف المطلوب راكبا مستقبل القبلة ، وغير مستقبلها لضرورة الخوف ، وليس ذلك بمبيح له الصلاة المفروضة على الدابة في حال الأمن ضرورة ، ولا بمبيح ذلك له ترك استقبال القبلة ضرورة ، وكذلك الصلاة على الدابة للمتطوع المسافر ليس ذلك بمبيح له الصلاة النافلة ، ولا الفريضة على الأرض إلى غير القبلة في الحضر ، لأنها في السفر حال ضرورة خصت بالسنة والإجماع ، وأما غير ذلك مما تنازع فيه [ ص: 321 ] العلماء من هذا الباب ، فالواجب أن لا يفرق فيه بين صلاة النافلة ، والفريضة كما أنها لا تفترق في الطهارة ، واستقبال القبلة ، وقراءة القرآن ، والسهو ، وسائر الأحكام ، وبالله التوفيق .

أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا القعنبي قال : حدثنا عبد العزيز الدراوردي ، عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه ، عن عائشة أنها قالت : كنت أحب أن أدخل البيت وأصلي فيه فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي فأدخلني في الحجر ، فقال : صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت ، فإنما هو قطعة من البيت ، فإن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت .

قال أبو عمر : لو ملت إلى قول أسامة ، وابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دخل الكعبة دعا فيها ، ولم يصل لم أجز فيها نافلة ، ولا فريضة من جهة استدبار بعضها ، ولكن القول بالزيادة المفسرة لمعنى الصلاة أولى ، ورواية من أثبت أولى من رواية من نفى - والله أعلم - وبه التوفيق لا شريك له .

[ ص: 322 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية