التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
43 [ ص: 217 ] حديث ثان لصفوان بن سليم ، مسند

مالك عن صفوان بن سليم ، عن سعيد بن سلمة - من آل بني الأزرق - عن المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار - أنه أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ من ماء البحر ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته .


قال أبو عمر : قد مضى ذكر صفوان بن سليم وحاله في أول بابه ، أما سعيد بن سلمة فلم يرو عنه - فيما علمت - إلا صفوان بن سليم ، والله أعلم . يقال : إنه مخزومي من آل ابن الأزرق أو بني الأزرق ، ومن كانت هذه حاله فهو مجهول لا تقوم به حجة عندهم ، وأما المغيرة بن أبي بردة فهو [ ص: 218 ] المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة ، قيل : إنه غير معروف في حملة العلم كسعيد بن سلمة ، وقيل : ليس بمجهول .

قال أبو حاتم الرازي : روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، وروى صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة عنه ، وروى الجلاح عن عبد الله بن سعيد المخزومي عنه .

قال أبو عمر : المغيرة بن أبي بردة وجدت ذكره في مغازي موسى بن نصير بالمغرب ، وكان موسى يستعمله على الخيل ، وفتح الله له في بلاد البربر فتوحات في البر والبحر ، وقد سأل أبو عيسى الترمذي محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث مالك هذا عن صفوان بن سليم ، فقال : هو عندي حديث صحيح .

قال أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي : فقلت للبخاري : هشيم يقول فيه : المغيرة بن أبي برزة ؟ فقال : وهم فيه ، إنما هو المغيرة بن أبي بردة . قال : وهشيم ربما وهم في الإسناد ، وهو في المقطعات أحفظ .

قال أبو عمر : لا أدري ما هذا من البخاري - رحمه الله - ولو كان عنده صحيحا لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده ، ولم يفعل لأنه لا يعول في الصحيح إلا على الإسناد ، وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده ، وهو عندي صحيح ; لأن [ ص: 219 ] العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به ، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء ، وإنما الخلاف في بعض معانيه على ما نذكر إن شاء الله .

حدثنا أبو عثمان سعيد بن نصر ، وأبو عثمان النحوي ، قالا : حدثنا أبو عمر أحمد بن دحيم بن خليل ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الديبلي ، قال : حدثنا أبو عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن رجل من أهل المغرب يقال له : المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة أن ناسا من بني مدلج أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا رسول الله ، إنا نركب أرماثا في البحر ، ويحمل أحدنا مويها لسقيه ، فإن توضأنا به عطشنا ، وإن توضأنا بماء البحر وجدنا في أنفسنا ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هو الطهور ماؤه الحل ميتته .

[ ص: 220 ] قال أبو عمر : أرسل يحيى بن سعيد الأنصاري هذا الحديث عن المغيرة بن أبي بردة ، لم يذكر أبا هريرة ، ويحيى بن سعيد أحد الأئمة في الفقه والحديث ، وليس يقاس به سعيد بن سلمة ولا أمثاله ، وهو أحفظ من صفوان بن سليم ، وفي رواية يحيى بن سعيد لهذا الحديث ما يدل على أن سعيد بن سلمة لم يكن بمعروف من الحديث عند أهله ، وقد روي هذا الحديث عن يحيى بن سعيد ، عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة ، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والصواب فيه عن يحيى بن سعيد : ما رواه عنه ابن عيينة مرسلا كما ذكرنا ، والله أعلم . وقد روي هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث الفراسي . رجل من بني فراس مذكور في الصحابة .

حدثنا خلف بن قاسم ، قال : حدثنا أحمد بن الحسن بن عتبة الرازي بمصر ، قال : حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج القطان ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، قال : حدثني الليث بن سعد ، عن جعفر بن ربيعة ، عن بكر بن سوادة ، عن مسلم بن مخشي أنه حدث أن الفراسي قال : كنت أصيد في البحر الأخضر على أرماث ، وكنت أحمل قربة فيها ماء ، فإذا لم أتوضأ من القربة رفق ذلك بي وبقيت لي ، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقصصت عليه ذلك وقلت : أنتوضأ من ماء البحر يا رسول الله ؟ فقال : هو الطهور ماؤه الحل ميتته .

[ ص: 221 ] وقد أجمع جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار من الفقهاء ، أن البحر طهور ماؤه ، وأن الوضوء جائز به ، إلا ما روي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، فإنه روي عنهما أنهما كرها الوضوء من ماء البحر ، ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك ، ولا عرج عليه ، ولا التفت إليه ; لحديث هذا الباب عن النبي ، صلى الله عليه وسلم .

وهذا يدلك على استشهار الحديث عندهم ، وعملهم به ، وقبولهم له ، وهذا أولى عندهم من الإسناد الظاهر الصحة بمعنى ترده الأصول . وبالله التوفيق .

وقد خالفهما ابن عباس ، حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أحمد بن إبراهيم بن جامع ، قال : حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا خلف بن موسى بن خلف العمي ، قال : حدثنا أبي عن قتادة عن موسى بن سلمة الهذلي ، قال : سألت ابن عباس عن الوضوء بماء البحر ، وقال : هما البحران فلا تبالي بأيهما توضأت .

وفي حديث هذا الباب من الفقه : إباحة ركوب البحر ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو كره ركوبه لنهى عنه الذين قالوا : إنا نركب البحر ، وقولهم هذا يدل على أن ذلك كان كثيرا ما يركبونه ; لطلب الرزق من أنواع التجارة وغيرها ، وللجهاد وسائر ما فيه إباحة وفضيلة ، والله أعلم . فلم ينههم عن ركوبه ، وهذا عندي إنما يكون لمن سهل ذلك عليه ، ولم يشق عليه ويصعب به كالمائد المفرط الميد ، أو من لا يقدر معه على أداء فروض الصلاة ونحوها من الفرائض ، ولا يجوز عند أهل العلم ركوب البحر في حين ارتجاجه ، ولا في [ ص: 222 ] الزمن الذي الأغلب منه عدم السلامة فيه والعطب والهلاك ، وإنما يجوز عندهم ركوبه في زمان تكون السلامة فيه الأغلب ، والله أعلم .

وفي قول الله عز وجل : ( هو الذي يسيركم في البر والبحر ) وقوله تعالى : ( والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ) ما فيه كفاية ودلالة واضحة في إباحة ركوب البحر إذا كان كما وصفنا . وبالله توفيقنا .

وأما ما جاء عن عمر بن الخطاب ، وعمر بن عبد العزيز ، وغيرهما من السلف أنهم كانوا ينهون عن ركوب البحر ، فإنما ذلك على الاحتياط وترك التغرير بالمهج في طلب الاستكثار من الدنيا والرغبة في المال . والله أعلم .

وإذا جاز ركوب البحر في الجهاد وطلب المعيشة ، فركوبه للحج في أداء الفرض أجوز لمن قدر على ذلك وسهل عليه ، وقد روي عن الشافعي رحمه الله أنه قال : ما يبين لي أن أوجب الحج على من وراء البحر ، ولا أدري كيف استطاعته .

قال أبو عمر : قد أجمع العلماء على أن من بينه وبين مكة من اللصوص والفتن ما يقطع الطريق ويخاف منه في الأغلب ذهاب المهجة والمال - فليس ممن استطاع إليه سبيلا ، فكذلك أهوال البحر ، والله أعلم .

[ ص: 223 ] وفي هذا الحديث أيضا من الفقه أن المسافر إذا لم يكن معه من الماء إلا ما يكفيه لشربه ، وما لا غنى به عنه لشفته ، أنه جائز له أن يتيمم ويترك ذلك الماء لنفسه حتى يجد الماء ، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : الحل ميتته . يقال : حل وحلال ، وحرم وحرام - بمعنى واحد ، فإن العلماء اختلفوا في ذلك ، فقال مالك : يؤكل ما في البحر من السمك والدواب ، وسائر ما في البحر من الحيوان ، وسواء اصطيد أو وجد ميتا طافيا وغير طاف ، قال : وليس شيء من ذلك يحتاج إلى ذكاة ; لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته وكره مالك خنزير الماء من جهة اسمه ، ولم يحرمه ، وقال : أنتم تقولون خنزير ، قال ابن القاسم : أنا أتقيه ولا أراه حراما .

وقال ابن أبي ليلى : لا بأس بأكل كل شيء يكون في البحر من الضفدع والسرطان وحية الماء ، وغير ذلك ، وهو قول الثوري في رواية الأشجعي .

وروى عنه أبو إسحاق الفزاري أنه قال : لا يؤكل من صيد البحر إلا السمك .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يؤكل السمك الطافي ، ويؤكل ما سواه من السمك ، ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك .

وقال الأوزاعي : صيد البحر كله حلال ، ورواه عن مجاهد ، وكره الحسن بن حي أكل الطافي من السمك ، وقال الليث [ ص: 224 ] بن سعد : ليس بميتة البحر بأس ، قال : وكذلك كلب الماء وترس الماء . قال : ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء .

وقال الشافعي : ما يعيش في الماء فلا بأس بأكله - وأخذه ذكاته - ولا بأس بخنزير الماء .

قال أبو عمر : قال الله عز وجل ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ) فروي عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وزيد بن ثابت ، وأبي هريرة قالوا : طعامه ما ألقى وقذف .

وروي عن ابن عباس أنه قال : طعامه ميتته . وهو في ذلك المعنى ، وروي عنه أنه قال : طعامه مليحه .

وروي عن أبي بكر الصديق قال : كل دابة في البحر فقد ذبحها الله لكم .

ذكر عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن أبي الزبير ، عن مولى لأبي بكر ، عن أبي بكر ، قال : كل دابة في البحر قد ذبحها الله لك فكلها [ ص: 225 ] قال : وأخبرنا الثوري ، عن عبد الملك بن أبي بشير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : أشهد على أبي بكر أنه قال : السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها .

وروي عن علي بن أبي طالب أنه كره الطافي من السمك ، وروي عنه أنه كره أكل الجري من وجه لا يثبت ، وروي عنه أنه لا بأس بأكل ذلك كله ، وهو أصح عنه .

ذكر عبد الرزاق عن الثوري ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه عن علي رضي الله عنه ، قال : الجراد والحيتان ذكي كله فعلي مختلف عنه في أكل الطافي من السمك ، ولم يختلف عن جابر أنه كره أكل الطافي من السمك ، وهو قول طاوس ، ومحمد بن سيرين ، وجابر بن زيد ، وأبي حنيفة وأصحابه ، واحتج لهم من أجاز ذلك بما حدثناه عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أحمد بن عبدة ، قال : أخبرنا يحيى بن سليم الطائفي ، قال : أخبرنا إسماعيل بن أمية ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه ، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه .

[ ص: 226 ] قال أبو داود : روى هذا الحديث سفيان الثوري ، وأيوب السختياني ، وحماد بن سلمة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، وحجة مالك والشافعي في هذا الباب قوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر : هو الطهور ماؤه الحل ميتته وأصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد مما هو حجة لمالك والشافعي ، حديث ابن عمر وحديث جابر : حدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو ثابت المدني ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : حدثني عمر بن محمد ، أن نافعا حدثه ، أن ابن عمر قال : غزونا ، فجعنا حتى إنا لنقسم التمرة والتمرتين ، فبينما نحن على شاطئ البحر ، إذ رمى البحر بحوت ميتة ، فاقتطع الناس منه ما شاءوا من شحم ولحم وهو مثل الظرب ، فبلغني أن الناس لما قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبروه فقال : هل معكم منه شيء ؟ .

وأما حديث جابر : فحدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية وأمر علينا أبا [ ص: 227 ] عبيدة بن الجراح ، وزودنا جرابا من تمر ، فكان يقسمه بيننا قبضة قبضة ، ثم أقام ذلك حتى صار تمرة تمرة ، فلما فقدناها وجدنا فقدها ، فمررنا بساحل البحر ، فإذا حوت يقال له : العنبر . ميت ، فأردنا أن نجاوزه ، ثم قلنا : نحن جيش رسول الله ، فأقمنا عليه عشرين ليلة نأكل منه ، وادهنا من ذلك الشحم ، ولقد قعد في عينه ثلاثة عشر رجلا منا ، فلما قدمنا ذكرنا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : رزق ساقه الله إليكم ، فهل عندكم منه شيء ؟ .

ففي هذا الحديث - وهو من أثبت الأحاديث - دليل على أن ما قذف البحر أو مات فيه من دابة وسمكة - حلال كله ، ولهذا الحديث طرق كثيرة ، قد ذكرنا كثيرا منها في غير هذا الموضع ، وفيه ما يصحح حديث صفوان بن سليم ، عن سعيد بن سلمة ، وأن حديث سعيد بن سلمة له أصل في رواية الثقات .

حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا النفيلي ، حدثنا زهير ، قال : حدثنا أبو الزبير ، عن جابر ، قال : بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر علينا أبا عبيدة بن الجراح يعطينا تمرة تمرة ، كنا نمصها كما يمص الصبي ، ثم نشرب عليها من الماء ، فتكفينا يومنا [ ص: 228 ] إلى الليل ، وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله ، قال : فانطلقنا على ساحل البحر ، فرفع لنا كهيئة الكثيب الضخم ، فأتيناه فإذا هو دابة تدعى العنبر ، فقال أبو عبيدة : ميتة ولا تحل لنا ، ثم قال : لا بل نحن رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي سبيل الله ، وقد اضطررتم فكلوا ، فأقمنا عليها شهرا - ونحن ثلاثمائة - حتى سمنا ، فلما قدمنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكرنا ذلك له فقال : هو رزق أخرجه الله لكم ، فهل معكم من لحمه شيء فتعطونا ؟ فأرسلنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه فأكل .

التالي السابق


الخدمات العلمية