صفحة جزء
الفصل الثاني

5129 - عن حذيفة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تكونوا إمعة تقولون : إن أحسن الناس أحسنا ، وإن ظلموا ظلمنا ، ولكن . وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن أساءوا فلا تظلموا " . رواه الترمذي .


الفصل الثاني

5129 - ( عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكونوا إمعة ) : بكسر الهمزة وتشديد الميم والهاء للمبالغة وهمزته أصلية ، ولا يستعمل ذلك في النساء فلا يقال امرأة إمعة كذا في النهاية . وقال صاحب الفائق : هو الذي يتابع كل ناعق ويقول لكل أحد : أنا معك لأنه لا رأي له يرجع إليه ، ووزنه فعلة كديمة ، ولا يجوز [ ص: 3204 ] الحكم عليه بزيادة الهمزة لأنه ليس في الصفات إفعلة ، وهي في الأسماء أيضا قليلة ، ومعناه المقلد الذي يجعل دينه تابعا لدين غيره بلا رواية ولا تحصيل برهان اهـ . كلامه ، وفيه إشعار بالنهي عن التقليد المجرد حتى في الأخلاق فضلا عن الاعتقادات والعبادات ، ثم الأظهر أن الكلمة غير موضوعة لصفة أو اسم ، بل موضوعة مركبة من الكلمتين المعبر عنهما بأنا معك ونظيرها البسملة والحيعلة ونحوهما . وفي القاموس : الإمع كهلع وهلعة ويفتحان الرجل يتابع كل واحد على رأيه لا يثبت على شيء ، ومتبع الناس إلى الطعام من غير أن يدعى ، والمحقب الناس دينه والمتردد في غير صنعة ، ومن يقول : أنا مع الناس ، لا يقال امرأة إمعة أو قد يقال وتأمع واستأمع صار إمعة . وقال شارح : الإمع والإمعة عند أهل اللغة الرجل الذي يكون لضعف رأيه مع كل أحد ، والمراد هنا من يكون مع ما يوافق هواه ، ويلائم أرب نفسه وما يتمناه . وقيل : المراد هنا الذي يقول : أنا أكون مع الناس كما يكونون معي إن خيرا فخير وإن شرا فشر . قلت : وهذا المعنى هو المتعين كما يدل عليه قوله : ( يقولون ) : الظاهر أن الأمعة يستوي فيه المفرد وغيره ، أو المعنى أن الموصوفين هذا الوصف يقولون : ( إن أحسن الناس ) أي : إلينا أو إلى غيرنا ( أحسنا ) أي : جزاء أو تبعا لهم ( وإن ظلموا ) أي : ظلمونا أو ظلموا غيرنا فكذلك نحن ( ظلمنا ) : على وفق أعمالهم . قال الطيبي ، قوله : يقولون إلخ . بيان وتفسير للأمعة لأن معنى قوله : إن أحسن الناس وإن ظلموا أنا مقلد الناس في إحسانهم وظلمهم ومقتفي أثرهم ، ( ولكن وطنوا أنفسكم ) : أمر من التوطين وهو العزم والجزم على الفعل أي : عزموا أنفسكم على ( إن أحسن الناس أن تحسنوا ) أي : فعليكم أن تحسنوا ( وإن أساءوا فلا تظلموا ) : قال في أساس البلاغة : أوطن الأرض ووطنها واستوطنها ، ومن المجاز وطنت نفسي على كذا فتوطنت قال :


ولا خير فيمن لا يوطن نفسه على نائبات الدهر حين تنوب



ومعنى الحديث أوجبوا على أنفسكم الإحسان بأن تجعلوها وطنا للإحسان . قال الطيبي : فعلى هذا أن تحسنوا متعلق بقوله : وطنوا وجواب الشرط محذوف يدل عليه أن تحسنوا ، والتقدير : وطنوا أنفسكم على الإحسان إن أحسن الناس فأحسنوا ، وإن أساءوا فلا تظلموا لأن عدم الظلم إحسان . ( رواه الترمذي ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية