صفحة جزء
[ ص: 3210 ] 5138 - وعن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة ، فصار بعضهم في أسفلها ، وصار بعضهم في أعلاها ، فكان الذي في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به ، فأخذ فأسا ، فجعل ينقر أسفل السفينة ، فأتوه فقالوا : ما لك ؟ قال : تأذيتم به ولا بد لي من الماء . فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم ، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم " . رواه البخاري .


5138 - ( وعن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل المداهن ) أي : المداهن المتساهل ( في حدود الله ) أي : ترك القيام لإقامتها ، أو بالنهي عن ارتكاب المعاصي التي توجب الحدود ، ولعل التخصيص للاعتناء أو لأن ضررها قد يتعدى إلى غير فاعلها ، ويمكن أن يراد بالحدود مطلق المعاصي ، فذكر الحدود لتغليب الأقوى ، أو لأن حد كل معصية معروف مقرر ، ( والواقع فيها ) أي : ومثل الفاعل للمناهي وفي التعبير بالواقع فيها إشارة إلى أنه بسبب المعصية كأنه طارح من علو منزلته في هوى بئر عميق ومكان سحيق . ( مثل قوم ) : بالرفع أي : كمثل جمع مجتمع من الصالحين وغيرهم ( استهموا سفينة ) أي : اقتسموا محالها ومنازلها بالقرعة ، وهذا قيد اتفاقي ، وإنما يتصور في جمع خاص ملكوها بالشركة المتساوية ، وإلا فقد يكون الاقتسام بحسب أمر صاحب السفينة على مقتضى الإجارة وغيرها ، وقال بعضهم : فيه ندب القرعة إذا تشاجروا أي : تنازعوا على الجلوس في الأعلى والأسفل ، وذلك إذا نزلوا فيها جملة أما إذا نزلوا متفرقين ، فمن سبق منهم إلى مكان فهو أحق له من غيره . قلت : وهذا لا يصح إلا إذا كانت السفينة موقوفة على الفقراء ، أو على الحجاج والغزاة ، بخلاف ما إذا كانت مملوكة لأحد أو جماعة على سبيل الاشتراك ، ( فصار بعضهم في أسفلها ) أي : من المنازل ( وصار بعضهم في أعلاها ) أي : في المجلس ( فكان الذي ) أي : ولو كان واحدا ( في أسفلها ) أي : في البعض الذي مستقر في أسفلها ، فأفرد الموصول نظرا إلى لفظة البعض ، وإيماء إلى أنه ولو كان واحدا فالأمر كذلك ، وإشعارا بأن الصلحاء في الأمة كثيرون ، وأن الطلحاء قليلون مغلوبون مقهورون ، أو إيماء إلى أن الصالح وإن كان واحدا فهو كثير كبير عال بعلو الدين ، والفسقة وإن كانوا جماعة فهم في مرتبة القلة ومنزلة الذلة ومقام أسفل السافلين . ( يمر بالماء ) أي : بسببه ( على الذين في أعلاها ، فتأذوا به ) أي : فتأذى من بالأعلى بمروره عليهم ، وحاصله ، أنه يجيء من أسفلها إلى أعلاها ليأخذ الماء ويذهب إلى موضعه ، ففي ذهابه وإيابه وإمراره بالماء عليهم تأذوا به بحيث ظهر له ، أو أظهروا له بالقول الغليظ أو الفعل الشنيع ، لا سيما إذا كان الماء كناية عن البول والغائط ، وإمراره لطرحه في البحر ، فإنه حينئذ يوجد التأذي أكثر ، ووجه المضايقة والمخالفة أظهر خصوصا إذا كان أهل السفل فقراء على ما هو الغالب على مقتضى طالعهم ونازلهم في الحظ عن منازلهم ، ثم الأظهر أنه صور محل الأولين أعلى لخلوهم بأنفسهم عن المعاصي ، وجعل مقابلهم أسفل لارتكابه المنهي ، ( فأخذ فأسا بإبطه ) : بسكون الهمزة ويبدل ألفا ( فجعل ) أي : شرع ( ينقر ) : بضم القاف أي : يدق ويخرق ويقطع ( أسفل السفينة ) أي : من ألواحها ( فأتوه ) أي : فجاءه أهل العوالي ( فقالوا : ما لك ؟ ) أي : أي شيء باعث لك على ذلك ؟ ( قال : تأذيتم بي ولا بد لي من الماء ) أي : من استعماله أو طرحه ( فإن أخذوا على يديه ) أي : منعوه . يقال : أخذت على يد فلان إذا منعته عما يريد أن يفعله ، كأنك أمسكت يده ، كذا في النهاية . ( أنجوه ) أي : خلصوه ( ونجوا ) : بالتشديد أي : وخلصوا ( أنفسهم ) أيضا فخلصوا من الهلاك جميعا ، وفي الجمع بين اللغتين تفنن في العبارتين ( وإن تركوه ) أي : على فعله ( أهلكوه وأهلكوا أنفسهم ) : والمعنى أنه كذلك إن منع الناس الفاسق عن الفسق نجا ونجوا من عذاب الله تعالى ، وإن تركوه على فعل المعصية ولم يقيموا عليه الحد حل بهم العذاب وهلكوا بشؤمه ، وهذا معنى قوله تعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة أي : بل تصيبكم عامة بسبب مداهنتكم ، والفرق بين المداهنة المنهية والمداراة المأمورة أن المداهنة في الشريعة أن يرى منكرا ويقدر على دفعه ، ولم يدفعه حفظا لجانب مرتكبه ، أو جانب غيره لخوف أو طمع ، أو لاستحياء منه أو قلة مبالاة في الدين ، والمداراة موافقته بترك حظ نفسه وحق يتعلق بماله وعرضه ، فيسكت عنه دفعا للشر ووقوع الضرر ، ومنه قول الشاعر :


فدارهم ما دمت في دارهم

[ ص: 3211 ] وحاصل المعنى تحمل الأذى من الخلق رضا بما قضى له الحق ، ومجمله أن المداهنة إنما تكون في الباطل مع الأعداء ، والمداراة في أمر حق مع الأحباء . قال الأشرف : شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - المداهن في حدود الله بالذي في أعلى السفينة ، وشبه الواقع في تلك الحدود بالذي في أسفلها ، وشبه انهماكهم في تلك الحدود وعدم تركه إياها بنقره أسفل السفينة ، وعبر عن نهي الناهي الواقع في تلك الحدود بالأخذ على يديه ، وبمنعه إياه عن النقر ، وعبر عن فائدة ذلك المنع بنجاة الناهي والمنهي ، وعبر عن عدم نهي النهاة بالترك ، وعبر عن الذنب الخاص للمداهنين الذين ما نهوا الواقع في حدود الله بإهلاكهم إياه وأنفسهم ، وكأن السفينة عبارة عن الإسلام المحيط بالفريقين ، وإنما جمع فرقة النهاة إرشادا إلى أن المسلمين لا بد وأن يتعاونوا على أمثال هذا النهي ، أو إلى أن من يصدر عنه هذا النهي فهو كالجمع . قال تعالى : إن إبراهيم كان أمة وأفرد الواقع في حدود الله لأدائه إلى ضد الكمال . ( رواه البخاري ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية