صفحة جزء
5616 - وعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة ، عرضها - وفي رواية طولها - ستون ميلا ، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين ، يطوف عليهم المؤمن ، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب ، آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء في جنة عدن " . متفق عليه .


5616 - ( وعن أبي موسى ) أي الأشعري - رضي الله تعالى عنه - ( قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم : ( إن للمؤمن في الجنة لخيمة ) أي : عظيمة ( من لؤلؤة ) : همزتين وتبدلان ، وقد تبدل الأولى دون الثانية أي : درة ( واحدة مجوفة عرضها ) فالطول أولى ( وفي رواية طولها ) أي : وعلى قياسه عرضها ويتحصل بالروايتين أن طولها وعرضها كل واحد منهما ( ستون ميلا ، وفي كل زاوية ) أي من الزاويا الأربعة ( منها ) أي : من تلك الخيمة ( أهل ) أي للمؤمن من زوج وغيره ( ما يرون ) أي : ذلك الأهل ، وجمع باعتبار معناه ( الآخرين ) ، أي الجمع الآخرين من الأهل الكائنين في زاوية أخرى ( يطوف عليهم ) أي يدور على جميعهم ( المؤمنون ) بصيغة الجمع في أصل السيد وكثير من نسخ المشكاة ، وفي بعضها بصيغة الإفراد . قال الطيبي - رحمه الله - : كذا في البخاري وشرح السنة ونسخ المصابيح ، وفي مسلم والحميدي وجامع الأصول ( المؤمن ) ، فعلى هذا جمع لإرادة الجنس . انتهى . وقال شارح ، وتبعه ابن الملك : أن المعنى يجامع المؤمن الأهل ، وأن الطواف هنا كناية عن المجامعة ( وجنتان ) مبتدأ خبره محذوف أي : وللمؤمن جنتان ، وأغرب من قال : إنه عطف على أهل ؛ لكونه بعيدا عن المعنى ، وإن كان قريبا في اللفظ ، ثم قال شارح أي : درجتان أو قصران ( من فضة آنيتهما وما فيهما ) ، أي من القصور والأثاث كالسرر .

[ ص: 3578 ] وكقضبان الأشجار وأمثال ذلك ، قيل : قوله : من فضة خبر " آنيتهما " ، والجملة صفة جنتان ، أو من فضة صفة قوله : جنتان ، وخبر " آنيتهما " محذوف أي آنيتهما وما فيهما كذلك ، أو آنيتهما فاعل الظرف أي تفضض آنيتهما ، وكذا من جهة المبنى والمعنى قوله : ( وجنتان من ذهب ، آنيتهما وما فيهما ) ثم ظاهره أن الجنتين من فضة لا غير ، وبالعكس فالجمع بينه وبين حديث : وصفة بناء الجنة من أن لبنة من ذهب ولبنة من فضة - أن الأول صفة ما في الجنة من آنية وغيرها ، والثاني صفة حوائط الجنة ، أو المراد به التبعيض لا التلميع ، أو يقال : الجنتان من ذهب للكمل من أهل مقام الخوف الموجب للقيام بالطاعة على الوجه الأكمل ، كما قال تعالى : ولمن خاف مقام ربه جنتان والجنتان من فضة لمن يكون في مرتبة النقصان من مقام أرباب الكمال ، كما أشار إليه تعالى بقوله : ومن دونهما جنتان والحاصل أن المراد بالأولين هم السابقون ، وبالآخرين هم اللاحقون ، وأما الجنة الملمعة فأصحابها المخلطون والله سبحانه وتعالى أعلم . هذا وقال البيهقي - رحمه الله - : دل الكتاب والسنة على أن الجنان أربع ، وذلك لأن الله تعالى قال في سورة الرحمن : ولمن خاف مقام ربه جنتان ووصفهما ، ثم قال : ومن دونهما جنتان ووصفهما . وروينا عن أبي موسى أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : جنتان آنيتهما وما فيهما من ذهب ، وجنتان آنيتهما وما فيهما من فضة . قلت : ويؤيد ما قدمناه ما في رواية : جنتان من ذهب للسابقين ، وجنتان من فضة لأصحاب اليمين ، ولا يبعد أن يكون المراد بالجنتين نوعين من الجنة ، أحدهما من ذهب والآخر من فضة ، وقد يكون لأرباب الكمال جنتان من ذهب وجنتان من فضة على يمين قصورهم وشمالها ، طلبا للزينة لا لفقدان الذهب أو كثرة القيمة ، على أنه قد يراد بالتثنية التكثير ، ويقويه أن أبواب الجنة وطبقاتها ثمانية ، فقد قال في المناجاة : هي ثمان : جنة عدن ، وجنة الفردوس ، وجنة الخلد ، وجنة النعيم ، وجنة المأوى ، ودار السلام ، ودار القرار ، ودار المقامة . ( وما بين القوم ) أي : وليس مانع من الموانع بين أهل الجنة ( وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء ) أي : صفة العظمة ( على وجهه ) أي ثابتا على ذاته ، فهو حال من الرداء ( في جنة عدن ) أي كائن في جنة إقامة وخلود ، وهو بدل من قوله في الجنة كذا ، قيل : وهو يوهم الاختصاص مع أن وصف الإقامة والخلود لا ينفك عن جنس الجنة ، فلا عبرة بالمفهوم الموهوم . قال الطيبي - رحمه الله - قوله : على وجهه حال من رداء الكبرياء ، والعامل معنى ليس ، وقوله : في الجنة متعلق بمعنى الاستقرار في الظرف ، فيفيد بالمفهوم انتفاء هذا الحصر في غير الجنة . قلت : هذا مسلم ، لكن لفظ الحديث في جنة عدن ، وقال الشيخ التوربشتي - رحمه الله - تعالى : أي ما بين العبد المؤمن إذا تبوأ مقعده من الجنة مع ارتفاع حجب الكدورة الجسمية واضمحلال الموانع الحسية هناك وبين نظره إلى ربه - إلا ما يصده من هيبة الجلال وسبحات الجمال ، ولا يرتفع ذلك منه إلا برأفة ورحمة منه ، تفضلا على عباده ، وأنشد في المعنى :


أشتاقه فإذا بدا أطرقت من إجلاله لا خيفة بل هيبة وصيانة لجماله     وأصد عنه تجلدا وأروم طيف خياله

( متفق عليه ) . وفي الجامع : ( إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة ، طولها ستون ميلا ، للمؤمن فيها أهلون ، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا ) رواه مسلم - رحمه الله - عن أبي موسى ، ورواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي موسى - رحمهم الله - بلفظ : في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا ، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين ، يطوف عليهم المؤمن ) . وروى أحمد والطبراني عن أبي موسى مرفوعا : ( جنان الفردوس أربع : جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما ، وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ، وهذه الأنهار تشخب من جنة عدن ، ثم تصدر بعد ذلك أنهارا ) .

[ ص: 3579 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية